موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

النداء في المعارضة والاتحاد يتكفّل بإسقاط الشاهد
حِسْبةٌ خاطِئة

افتتاحية العدد 73

0 737

محمد الحمروني

“النداء سيكون في المعارضة بداية السنة القادمة”، هكذا تحدث القيادي بحركة نداء تونس الأستاذ خالد شوكات.. نهاية طبيعية لقيادات سياسية منحها “القدر” فرصة أن تتصدر المشهد السياسي وتكون من الصف الأول للزعامات الوطنية في الجمهورية الثانية، ورغم ذلك أصرّت على حساباتها الخاطئة..

هذا المنحنى التنازلي بدا بعد نتائج انتخابات 2014 حين همس بعضهم في آذن قيادات من النداء أن سبب الهزيمة هو التوافق والدخول في شراكة مع حزب كحركة النهضة.. وبناء على تلك النصيحة المسمومة، سوّل بعضهم لنفسه أن يطللب من شريكه في الحكم المساعدة على إسقاط حكومة الشاهد، وعدم المشاركة في الحكومات القادمة.. هكذا..

ثم مضى النداء (حافظ) إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما بادر -كما تقول بعض التسرييات- بتكليف بعض الشخصيات باعداد تشكيل حكومي بعيدا عن أنظار الجميع بما في ذلك الشريك الأساسي في الحكم (النهضة)، وكان ذلك عشية انطلاق جلسات إعداد وثيقة قرطاج2..

منحى ظل ثابتا منذ الانتخابات الجزئية في ألمانيا وعكسته تصريحات حافظ وبعض قيادات من حزبه وعلى راسهم برهان بسيس، الذين أصرّوا على استهداف التوافق وضرب الشراكة السياسية التي قامت عليها توليفة الحكم بعد انتخابات 2014، ومنذ ذلك التاريخ ظل المسار السياسي للنداء في نزول، رغم كل محاولات الانقاذ وعودة الوجوه المنسحة.. وعودة البعض الاخر الى مغازلة حافظ ولو من بعيد.

.. اليوم تثبت الوقائع أن النداء دون التوافق مجرّد مجموعة غير قادرة على الحكم واقصى امانيها اليوم ان تجد لها مكانا في المعارضة، وأنّى للمعارضة أن تقبل بها، فالرئيس من النداء ورئيس البرلمان منه أيضا ورئيس الحكومة منحدر من نفس الحزب، فعن أي معارضة يتحدث النداء؟ ومن يقصد بالمعارضة، معارضة الشاهد أم معارضة النهضة أم معارضة منظومة الحكم التي أفرزتها نتائج 2014 ويمثل “النداء” أو  ما تبقى منه جزء رئيس فيها..؟

مرة أخرى هي الحسابات الخاطئة والعناد والمكابرة التي جعلت من الحزب الأول مجرد مجموعة تتناقص كل يوم، تستجدي موقعا لها في المعارضة، بعد أن خسر كتلتها البرلمانية وخسرت بناء على ذلك رئاسة الحكومة..

فهل كانت كل هذه التطورات كافية كي يستفيق القوم من سكرتهم حتى لا يعمهون..؟ المعطيات تؤكد العكس وتشير إلى أن منطق العناد “الانتحاري” هو الذي حكم ويحكم الدائرة الضيقة المحيطة بصانع القرار في النداء، والواضح أن “الحسبة” الجديدة، للنداء تنبني على التحاق النداء بالمعارضة حفظا لماء الوجه بعد أن فقد كل امكانات التحكم في المشهد الحكومي، وتكليف الاتحاد بمهمة اسقاط الشاهد عبر حملة من الاضرابات الجهوية والقطاعية وصولا إلى الاضراب العام، وفرض حالة من “العرقلة” الاقتصادية تدفع باتجاه فوضى اجتماعية وانهيار اقتصادي ما يضطر الشاهد إلى الاستقالة أو  يقع اسقاط حكومته في البرلمان..

تماما .. تماما كما حدث في عهد الترويكا عندما نفّذ الاتحاد ما يقرب من 40 ألف اضراب وسمح بتعطيل الانتاج وقطع الطرقات وفرض على الترويكا والنهضة تحديدا الانسحاب من الحكم حفاظا على البلاد وعلى أمنها واستقرارها السياسي وحفظا لها من الانهيار الاقتصادي.

ولكن المتابعين يستبعدون أن يتورط الاتحاد مجددا في هذه اللعبة مثلما حدث سنوات 2013 وما تلاها، أو أن ينخرط في الصراع الدائر بين أجنحة الحكم كما وقع سنة 1978 ودفع الشغّالون حينها ثمنا باهظا.. والأكيد أن الاتحاد يراقب تطورات الحالة السياسية في البلاد في علاقة بالازمة الاخيرة في النداء والاستقالات المتتالية من هذا الحزب وآخرها استقالة مجموعة الثمانية.. وما سيتلوها من  استقالات أخرى قادمة..

والأكيد أيضا أن الاتحاد يراقب تصريحات بعض الأطراف التي رغبت في الأسابيع الأخيرة في العودة إلى النداء ومنهم محسن مرزوق، والذي تؤكد تصريحاته الأخيرة “تملصه من حضن حافظ ومغازلته للشاهد”، من خلال ثنائه على الكتلة الجديدة التي يطلق عليها “كتلة الائتلاف الوطني” والتي يعتبرها كثيرون كتلة الشاهد في البرلمان..

مرزوق لم يكن الوحيد الذي قفز من السفينة – على حد تعبير خالد شوكات -، وإضافة إلى المستقيلين كانت تصريحات زهرة إدريس الأعنف والأقسى تجاه حافظ عندما وصفت طريقة تحكمه في النداء بطريقة تصرفه في غرفة نومه.. وهو موقف يعني وصول الازمة في النداء الى “نقطة اللاعودة”.

مرزوق يمثل العائدين وقد انفضوا، وادريس تمثل رؤوس الأموال وقد انفضوا، والاتحاد يدرك أن المواقف السياسية للنواب وللأحزاب والتكتلات تسير “حسب الموجة” والرياح الآن لا يبدو أنها تهب لصالح النداء أو ما تبقى منه، لذلك يستبعد جدا أن تقبل المنظمة الشغيلة بالمراهنة على جواد خاسر، وترضى بدور الكومبارس في مسرحية إسقاط الشاهد..

ولعل دعوة الاتحاد إلى إطلاق المفاوضات الاجتماعية “التي تأخرت كثيرا” على حد قول قيادات الاتحاد، وهي الدعوة التي أتت بعد التصعيد الكبير في الموقف من الحكومة والذي وصل الأسبوع الماضي حدّ التلويح بالاضراب العام والحديث عن نقطة اللاعودة مع الحكومة..

هذه الدعوة لفتح باب التفاوض وتزامنها مع تراجع حدة النبرة في خطاب الاتحاد تجاه الشاعد وفي علاقة بالاضراب العام، قد تكون مؤشرا على أن الاتحاد “يأكل ويقيس” كما يقال، وأنه لن يمضي إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة لوحده، وسط موازين قوى تميل أكثر فأكثر لصالح رئيسها يوسف الشاهد..

وتبقى الكلمة المفصلية لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي لا شك في أنه يتألم وهو يرى البناء الندائي يتشقق وتنشأ على أنقاضه منظومة جديدة قد لا تكون بفعل حدة صراعها اليوم مع نجله حافظ وفية لنهجه مستقبلا.

لقد اختار بعض المقربين من سي الباجي خطأ الدفع في اتجاه إسقاط يوسف الشاهد مهما كان الثمن ولغاية واحدة هي التخلّص من عدوّ محتمل للعائلة والحاشية. ومحاولة إلباس النهضة المسؤولية أي إما الإسقاط أو فك الارتباط بمعنى آخر تحويل صديق مخلص إلى خصم محتمل رغم أن ضبط نفس النهضويين بلغ حدا قياسيا لا سيما بعد ما تسرب من معطيات خطيرة عن رحلة حافظ وبن تيشة لأمريكا في ذروة المساعي المبذولة لرتق الفتق بين الطرفين.

أن يكون النداء في المعارضة فهذا مكسب كبير للديمقراطية ولكن هل سيتحمل الحزب كلفته خاصة إِنْ رفض الاتحاد أن يكون كبش فداء أو (نطيح) في معركة إسقاط الحكومة كما رفضت النهضة أن تكون شاهد زور في مسرحية وثيقة قرطاج. المهم أن بعض المحيطين بالرئيس فقدوا البوصلة نهائيا ويبقى الأمل في سي الباجي موجودا إلى آخر لحظة.

تعليقات
جاري...