موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

لماذا لا تحيد الدولة ومؤسساتها في معركة 2019؟

0 130

أحمد المشرقي

أصبح من الثابت أن تونس تعيش أزمات على كل الأصعدة وأنّ هذه الأزمات قابلة أن تتحوّل إلى كوارث حقيقيّة إذا استمر الوضع على ما هو عليه. ويبدو أن الطبقة السياسيّة وكل الفاعلين على الساحة الوطنية أصيبوا بالدهشة أمام الأحداث وأصبح جهدهم هو متابعة اليومي الذي يتجدّد دون أن يتحكّم فيه أحد أو يستطيع إيقافه.

من المعلوم أنّ الأوطان عندما تكون في وضع انتقال ديمقراطي تشهد مثل هذه التحوّلات وتعيش هذه الأزمات والتي من الممكن أن تطول أكثر ولكن من المعلوم أيضا أن هذه الاهتزازات تتراجع كلما تقدم الوطن نحو إنجاز مستقبله فيكون التعافي التدريجي الذي يتوّج باستعادة كامل الجسد الوطني لقوّته التي سوف تمكّنه من الانطلاقة الحقيقيّة والتي لن تعرف ترددا أو تراجعا.

أول مظاهر هذا الانخرام الحاد والذي يتعارض في جوهره مع مبادئ الفعل الديمقراطي كما يتعارض مع معاني الدولة الحديثة وأسسها هو التوظيف السياسوي للدولة ومؤسساتها.  فالجميع كان يدافع ولا يزال عن حياد الدولة وضرورة تحييدها على كل التجاذبات والمعارك السياسية ولكنه وللأسف تُجَرّ الدولة وعن طريق مؤسساتها ومن خلالها إلى معركة حزبيّة ضيّقة. فالأجهزة الأمنيّة ومن ورائها الأجهزة الاستعلامية وبدل أن تتفرّغ لمقاومة الاٍرهاب تحوّلت وبأوامر من قيادات الحكم إلى مؤسّسات تستخبر عن أشخاص وعن أحزاب ضمن معاني التوظيف السلبي. ومؤسّسة القضاء والتي دافعنا جميعا عن استقلاليتها توظف وتقع هرسلتها وبنفس الدواعي وتحت طائلة السياسة. والأمر سيان في مؤسسة العلاقات الخارجية ضمن منطق الدعاية والدعاية المضادة. ولم تضمن إلّا المؤسسة العسكرية إلى حدّ هذه اللحظة معاني الحياد والله وحده يعلم إلى أيّ مدى ستصمد هذه المؤسسة الوطنية العريقة والتي تعد فعليا مفخرة لكل التونسيّين.

هناك حقيقة واضحة وثابتة ولا ينكرها إلّا معاند وهي الصدام القائم بين مؤسستي الحكم – وأعني بهما الرئاسة والقصبة – فالحرب بلغت مداها وهي قد بدأت ككل الحروب انطلقت من حرب الكلام وكان أعلى مظهرها التشهير الذي قامت به القصبة ضد قائد حزب النداء بعدها دخلت الحرب في منعرج أخطر وهو منعرج الملفات وأعلى تجلٍّ لها ملف الطاقة، وقد تأتي الأيام القادمة بملفات أخرى ضمن القصف المكثف من القصبة في اتجاه قرطاج وأعتقد أنّها حرب كلما تقدّمنا في الزمن ستكون أسلحتها أفتك ونيرانها أقوى وقصفها أشدّ.

قرطاج لم تستعمل إلى حدّ هذه اللحظة أسلحة مضادة ولا أيّ نوع من نوع الذخائر ولا أضن لعجز عن الاستخدام أو لعدم وجود أسلحة بل من الممكن أن يكون ذلك ضمن منطق مكيدة الحرب وانتظار اللحظة المواتية خاصة إذا كان المحارب ممّن لهم باع في الدراية بقواعدها. فقد يرهق المحارب نفسه في طلعات يومية ويستهلك كل طاقاته ويستوفي ذخيرته وبعدها يتم الهجوم المضاد وعندها تحسم المعركة.

من المعلوم وأنّه وفي حالة الحرب والسياسة عندي هي حرب معقلنة وإدارة لصراع سلمي تستخدم فيه نفس الوسائل والحيل ما عدا الأسلحة فهي تختلف بين المجالين. في هذا الوضع الذي تدور فيه الحرب بالمعاني السياسية تكون هناك جهات مساهمة في الحرب ولكن بطريقة غير مباشرة وهي الحالة التي يمثّلها الاتحاد فهذه المنظمة القويّة والفاعلة تجد نفسها في قلب المعركة ولها أسلحتها وخططها أيضا ولذلك من الممكن أن تكون من الفاعلين في حسم المعركة وأتمنى أن لا يحصل للحكومة ما حصل في معركة ستالينغراد فبرد الشتاء القارس سوف تزيده معركة الميزانية قساوة وكذلك الوضع الاقتصادي والاجتماعي والتأزم المالي وكلّها من العيار الثقيل الذي قد يكون حاسما مثلما حسمت الثلوج معركة السوفيات.

الخاسر الوحيد في هذه المعارك الدولة التونسية والتي كنّا نود أن تتقدّم في بناء مؤسساتها وكذلك الشعب وطبقاته المهمّشة وجهاته المحرومة وفي البداية والنهاية الثورة التي رفعت الشبيبة أهدافها وتجربة الانتقال الديمقراطي والتي من الممكن أن تتحرّر من جرّاء ما يدور من صراع لا يخدمها ولا يتقدّم بها على الدرب الآمن. فالأزمة السياسية أصبحت جذرية وكذلك الاقتصادية والاجتماعية وأضيفت لها الازمةً المالية والمجتمعية وكنّا نتفهم كل ذلك لو كانت هذه الوقائع في بداية الثورة أمّا ونحن نتوسط تاريخ إنجاز مطالبها يبدو الأمر على غاية من الخطورة.

سنة 2019 ستكون من أصعب السنوات على مستقبل هذا الوطن لأن حرب الأطراف قد بلغت أشدّها ممّا يهدّد بإمكان انهيارات حقيقيّة قد تمسّ من معنويات هذا الوطن أو تهدّد مؤسّساته. ومرّة أخرى أجدني في نداء للعقلاء من أبناء هذا الوطن أيّا كان موقعهم أن يتعاونوا على إعادة الأمور إلى نصابها حتى يدار الصراع ضمن دلالاته السياسيّة وحتى يضمن هذا الوطن مزيدا من الاستقرار وتمرّ هذه التجربة إلى مزيد من الترسّخ. وحتى لا نبلغ نقطة اللاعودة علينا التعجيل باتخاذ الخطوات اللازمة كي نحفظ عزّة هذا الوطن ومناعته.

تعليقات
جاري...