موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

نداء تونس.. هل حانت ساعة الانهيار؟

0 100

لطفي هرماسي

hermassilotfi64@gmail.com

(1)

بعد مضي شهر واحد من استلام الترويكا للسلطة (26 جانفي 2012) أصدر الباجي قائد السبسي
بيانا حذّر فيه من عواقب الضبابية والتردد في تحقيق أهداف الثورة داعيا القوى “الديمقراطية” إلى التوحد ضمن هيكل تنظيمي واحد قادر على صنع التوازن في الحياة السياسية بما يمكّن من التداول على السلطة وقيام حياة ديمقراطية حقيقية.

والحقيقة أن الباجي ما كان له أن يعود إلى الحياة السياسية بعد انتخابات أكتوبر 2011 التي أعلن على إثرها عن فخره بمساهمته وحكومته في المحافظة على الثورة والإشراف على انتخابات ديمقراطية بالبلاد، وأنه يعتزم مغادرة الحياة السياسية مرتاح البال مطمئن الضمير لولا الوعد الذي تلقاه من بعض قياديي النهضة بترشيحه لمنصب سياسي هام (رئاسة الحكومة أو الجمهورية) وهو وعد سرعان ما تمت العودة عنه دون مراجعة الباجي الذي أسرّها في نفسه، ودفعته إلى التخلي نهائيا عن فكرة التقاعد السياسي.

تم تشكيل لجنة مؤقتة لمتابعة وتفعيل مبادرة الباجي التي أعلن عنها في بيانه بقيادة عدد من وزراء حكومته المتخلية، وأعلن يوم 16 جوان 2011 خلال اجتماع شعبي انعقد بقصر المؤتمرات عن ولادة حركة نداء تونس  قال فيه السبسي أنّ (تونس تنادينا فلنلب نداء تونس) مضيفا أن هذا الحزب سيعمل على التصدي لهيمنة حركة النهضة وإحداث توازن في المشهد السياسي في تونس مهد الربيع العربي، وسرعان ما تحصّلت حركة نداء تونس على الترخيص القانوني في 7 جويلية 2012.

(2)

حين أعلن عن الهيئة الوقتية لتسيير النداء، تبين لجميع التونسيين أنه لا يعدو أن يكون حزب الثورة المضادة الذي عاد من بوابته أزلام النظام البائد بعدما حل القضاء أيام الثورة حزبهم، معززين آذاك بخليط غير متجانس من اليساريين والقوميين والبعثيين والنقابيين جمعهم المال وحب السلطة وعداء النهضة.

ولاقى النداء استهجانا ورفضا ومنعا من عقد اجتماعاته من قبل المواطنين الذين كان جلهم يطالبون بإصدار قانون تحصين الثورة ومنع رموزه من الترشح في الانتخابات غير أن الأحداث الإرهابية والاغتيالات السياسية وآلاف الإضرابات المفتعلة والبلاتوات الإعلامية المشبوهة غير المتوازنة عجّلت بتغيير المعادلة السياسية والتفاف المعارضة لاسيما منها الجبهة الشعبية حول النداء الذي أصبح مؤسسه الباجي قائد السبسي زعيما للمعارضة زمن اعتصام الرحيل بنافورة باردو.

وجاء لقاء باريس بين الشيخين الباجي والغنوشي ليذيب الجليد بين الرجلين ويسحب البساط من تحت الأطراف السياسية الاستئصالية التي كان ولايزال أقصى طموح لها إزاحة النهضة من المشهد السياسي تمكّن بفضله السبسي من تجاوز عقبة عتبة السن وتحقيق حلمه بالحصول على كرسي قرطاج، وليتأسس بعد ذلك خاصة إثر انتخابات 2014 توافق سياسي حكومي وبرلماني أمّن للبلاد أقدارا هامة من الاستقرار السياسي رغم ما دبّ في أوصال النداء من ضعف وانشقاقات واستقالات.

 

(3)

لم يكن النداء يوما حزب مؤسسات وهياكل منتخبة، ولم تتوفر لديه يوما الإرادة ولا الظروف لعقد مؤتمر انتخابي  واحد رغم مرور حوالي سبع سنوات عن تأسيسه، بل أنه كان على امتداد مسيرته فضاء للصراعات الداخلية التي لا تنطفئ جذوتها إلا لتستعر من جديد وبأكثر حدّة. ولم يشهد حزب من أحزاب تونس استقالات ولا انشقاقات ولا اضطرابات ولا ضربا بـ”الزلّاط” ما شهده النداء وبات الحزب الذي فقد جذوته وجاذبيته وأنصاره وفروعه عبارة عن قوقعة فارغة مزينة بسطوة السلطة ومواقعها الأكثر تأثيرا (الرئاسات الثلاث وعدد هام من الوزارات وكتلة نيابية والأغلبية المطلقة من  الولاة والمعتمدين).

ومنذ منتصف السنة الماضية، وعلى وقع الهزائم المدوّية (الانتخابات الجزئية في ألمانيا، الانتخابات البلدية) الناتجة في مجملها عن الضعف والوهن الذي أصاب الحزب وصورته والصدأ الذي استفحل في ماكينته الانتخابية بالإضافة إلى المواقف الغبية (إنهاء التوافق) والتصريحات الرعناء (استهداف رئيس الحكومة ومداخلة يوم الانتخابات البلدية التي يجرّمها القانون)  والبيانات المستفزّة (كل البيانات التي رافقت الأزمة الحكومية الأخيرة)  لمديره التنفيذي حافظ قائد السبسي الذي لا يستمد شرعيته وتموقعه على رأس الحزب سوى من انتمائه العائلي.

 

(4)

شكلت الأحداث المتسارعة التي جدت خلال الأيام الأخيرة القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد تشكلت نتيجة للخلاف الحاد والحرب المعلنة منذ عدة أشهر بين “ابن صاحب الباتيندة” (حافظ قائد السبسي) ورئيس الحكومة يوسف الشاهد كتلة نيابية تطلق على نفسها (كتلة الائتلاف الوطني)  قد تغير بشكل غير مسبوق المشهد السياسي وتفتت ما بقي من كتلة نداء تونس لتحيله وللمرة الأولى منذ انتخابات 2014 إلى المرتبة الثالثة من حيث الوزن البرلماني.

كتلة الائتلاف الوطني التي تتوسع يوما بعد يوم محسوبة على الشاهد وداعمة للاستقرار الحكومي وهي تضم وجوها ترشح جلها على قائمات النداء في انتخابات 2014 وغادرته في فترات زمنية متلاحقة.

 

والأخطر من ذلك ندائيّا أن 8 نواب قرّروا الاستقالة من كتلة نداء تونس والالتحاق بالائتلاف الوطني على إثر اجتماع جمعهم مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد  بقصر الضيافة بقرطاج.

وقد أكدت النائبة زهرة ادريس، في تصريح لها أن سبب الاستقالة يعود إلى ما وصفته بـ”خيبة أمل” النواب المستقيلين من طريقة إدارة وتسيير حركة نداء تونس موجهة النقد إلى مديرها التنفيذي حافظ قايد السبسي الذي  يستحوذ وفق تصريحها على القرار صلب الحركة بشكل فردي ولا يقيم أي اعتبار لهياكل الحزب وقيادييه.

حركة نداء تونس استنكرت في بيان لها إقدام رئيس الحكومة يوسف الشاهد على استقبال مجموعة من نواب كتلتها لمطالبتهم بالاستقالة منها والالتحاق بكتلة الائتلاف الوطني متهمة إياه  بالانشغال بالمناورات السياسية وشق وحدة الأحزاب والكتل البرلمانية والعمل لحسابه الشخصي بممارسات تتناقض كليا مع العرف الديموقراطي عوض التركيز على مشاكل البلاد المتراكمة.

الاحداث الأخيرة وانسحاب كل الشخصيات السياسية والمالية الفاعلة من النداء وخسران أعضاء الكتلة والهزيمة المتوقعة أمام طموح يوسف الشاهد ودهائه السياسي، وضعف حيلة الرئيس الذي خسر موقعه التحكيمي بانحيازه الأرعن إلى ابنه يجعلنا نتكهن بانهيار غير مسبوق للنداء وسلسلة أخيرة من الاستقالات التي تنهي كل وجود له في صورته الحالية، واحتكار يوسف الشاهد للشقف الذي كان يحوي النداء ومراكز النفوذ فيه لبناء رمزية جديدة وقطب سياسي جديد طموحاته غير محدودة ومناوراته فيها من الذكاء والاستعراض ما يجذب عددا من المتابعين ويبشر بمستقبل سياسي لأصحابه.

فكيف سيكون موقف النهضة من هذه التحولات السريعة؟ وهل سيستمر توافقها مع الباجي؟ أم أنها ستراقب الوضع عن كثب قبل اختيار مربعات ودوائر تأثيرها وقربها وبعدها من الأطراف المتناحرة على شقف الحزب الثاني بالبلاد؟

تعليقات
جاري...