موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

عودة مدرسية مشوبة بالحيرة العائلية والهفوات الاتصالية

0 140

لطفي هرماسي

hermassilotfi64@gmail.com  …

 

(1)

تعيش العائلة التونسية هذا الأسبوع على وقع العودة المدرسية التي تحوز لديها أهمية بالغة تفوق كل الأحداث التي تعيشها على امتداد السنة.

وبالتوازي مع ذلك، استعدت وزارة التربية ككل سنة لهذا الحدث الذي وصفه أحد المسؤولين التربويين ذات حوار بأنه “أمن قومي” وقد  أفاد الوزير حاتم بن سالم أثناء الندوة الصحفية التي عقدها يوم الخميس 13 سبتمبر الجاري بأنّ عدد الوافدين الجدد على المنظومة التربوية المسجلين بالسنوات الأولى وغير المحسوبين في المخططات الاستراتيجية لوزارة التربية يقدر بــ 42 ألف تلميذا مما يفرض عليها جملة من التحديات الكبرى إذ سيتطور عدد المتمدرسين في المراحل الثلاث (الابتدائي والإعدادي والثانوي) من مليونين و100 ألف تلميذا حاليا إلى نحو 3 ملايين تلميذا خلال السنوات القليلة القادمة.

وهكذا هو شأن الوزارة، ككل سنة.. إحصائيات وأرقام وجداول وإجراءات وتغييرات وتعديلات ووعود، ولكن اللب لا يتغير والإصلاح المرتقب يظل ملفا مغلقا لا يجرؤ أحد على فتحه أو الدنو منه.

 

(2)

رافقت العودة المدرسية هذه السنة إجراءات جديدة وبروباغندا كبيرة تتعلق بتسجيل التلاميذ عن بعد باعتماد بطاقات بريدية وبنكية، وهي عملية فضلا عن تعقيداتها وصعوباتها الإجرائية خاصة في المناطق الريفية، فإن كلفتها المالية تساوي أو تفوق ضعف قيمتها خلال السنة الفارطة. ويبدو أن الوزارة تعمدت إلهاء الأولياء بهذا الإجراء الشكلي الذي تطلب منهم وقتا طويلا وانتظارا أطول في مراكز البريد بين تعمير الوثائق واقتناء البطاقات بالإضافة إلى الضغط الذي عجزت شبكاتنا الاتصالية على استيعابه مما أربك العائلات وجعلها تلتجئ مرة أخرى إلى المراكز العمومية للاتصالات لتدفع المال مقابل تسجيل الأبناء والحصول على وصولات في ذلك.

ويتواصل الدفع بعد ذلك في المكتبات والفضاءات التجارية الكبرى التي يجبر الأولياء فيها على دفع مبالغ خيالية لاقتناء المحفظات والكتب والكراسات وتؤكد منظمة الدفاع عن المستهلك أن كلفة أدوات هذه السنة تفوق بأكثر من 30 % كلفة الأدوات خلال السنة الفارطة أما المحفظات وخاصة المجرورة منها فقد بلغت أثمانا خيالية.

كل المؤشرات المذكورة آنفا تسقط بالضربة القاضية أسطورة التعليم المجاني الذي طالما تغنت به الدولة التي عجزت عن محاصرة عصابات الاحتكار التي صادرت حق العائلات المتوسطة وضعيفة الدخل في اقتناء الكراس المدعّم مما جعل وزارة الداخلية تشن حملة وطنية مشتركة مع وزارتي الصحة والتجارة لمراقبة جودة المستلزمات المدرسية أسفرت عن حجز حوالي 18 ألف كراس مدعم و14 ألف و181 وحدة أدوات مدرسية أخرى (أقلام جافة، صلصال، لصق مدرسي…).

 

(3)

على الرغم من استعداد العائلات التونسية للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل تعليم الأبناء، فإن الحيرة والخوف والتوتر والاكتئاب التي سيطرت على ملامح الآباء والأمهات لا تنم إلا عن حالة الأزمة التي تعيشها منظومتنا التربوية ( وفق تعبير الزميلة فائزة الناصر).

أزمة مركّبة ناتجة عن الخوف من المستقبل المجهول الذي ينتظر الأبناء، والآفاق التي أغلقت نهائيا أمام خريجي الجامعة التونسية والقيمة التي ما فتئت تنخفض للشهائد العلمية. هذا في الأمدين البعيد والوسيط.

أما في الأمد القريب، فهواجس جداول الأوقات ومدى تلاؤمها والالتزامات العائلية، وكثرة غيابات المربين، وموجة الإضرابات وحجب الأعداد، ومشاكل النقل، والساعات الخصوصية، وضعف المردودية البيداغوجية للمؤسسة التربوية، وافتقاد المؤسسة لأي جاذبية، وانعدام رغبة جل التلاميذ في البذل حد أدنى من الجهد للتحصيل، وبروز ظواهر جديدة ومخيفة تتمثل في ترويج أنواع جديدة من الأقراص والمخدرات أمام المعاهد، وارتفاع منسوب جرائم الأحداث (العنف، البراكاجات، تعنيف المربين، احتساء الخمور، العلاقات الجنسية..)، فضلا عن التدني المستمر للوازع المهني لدى عدد من المربين.

 

(4)

تكتفي وزارة التربية ككل سنة بإدخال تحويرات على جداول الأوقات بالحذف أو الإضافة لحسابات ضيقة تتعلق بمحاولة التقليص من عدد الانتدابات. كما تقدم سنويا على تجارب اعتباطية في علاقة برزنامة العطل، فتقر خلال سنة دراسية نظام السداسيات لتتراجع عنه في السنة الموالية لصالح نظام الثلاثيات متأثرة في ذلك بتقييمات علمية كمية.

والأصل أن يكون تعديل الزمن المدرسي الذي يتم التلاعب به سنويا  آخر حلقات الإصلاح التربوي الذي يجب أن يمر نظريا عبر عدد من المراحل أولها إصدار قانون توجيهي مستمد من روح دستور البلاد يضبط ملامح المتخرج من المدرسة التونسية، يتم تفصيله فيما بعد إلى برامج رسمية، يتم بمقتضاها اعتماد كتب جديدة، وجداول أوقات وزمن مدرسي جديدين.

كما لا يمكن، ونحن نعيش منظومة اهترأت وآن منذ سنوات موعد التخلي عنها نهائيا أن يتم التفكير في كلية لعلوم التربية تكون البوابة الوحيدة لمعلمي وأساتذة المستقبل  وتغلق الباب نهائيا أمام اختصاصات  لا علاقة لها بالتدريس (تربية النحل، النسيج، الصيانة الكهربائية، الصناعات الغذائية…) يتصدر متخرجوها الاعتصامات المطالبة بإدماجهم ضمن إطار التدريس بمدارسنا ومعاهدنا.

 

(5)

من طرائف العودة المدرسية هذه السنة اكتشاف وزير التربية أن الارتفاع في عدد التلاميذ الذي أربك وزارته هذه السنة يعود إلى ارتفاع منسوب الإنجاب خلال فترة حظر التجول الذي رافق أحداث الثورة (ديسمبر 2010 / جانفي 2011) بل أنه أطلق على هؤلاء الأطفال اسم “أطفال حظر التجول” وهي تسمية مسيئة لجيل من أبناء التونسيين الذين يحق لهم الالتحاق بالمدارس التونسية دون فضل أو منّة من أحد سواء فاجأه الأمر أو لم يفاجئه.

موقف الوزير والتسمية التي أطلقها هفوة اتصالية فادحة ترد لتذكّر التونسيين بأنه أحد من قامت عليهم الثورة التي ظل بالتأكيد حاقدا عليها، معاديا لها، خصيما لأهدافها، وأبنائها الذين ابتدعوها، والذين ولدوا خلالها، والذين آمنوا بها ولايزالون قادرين على الدفاع عنها وعن أهدافها.

أما الطرفة الثانية، فتتعلق بإحدى النائبات التي نالها من التقريع والسخرية مالم ينله غيرها بسبب هندامها الذي رافقت به وزير التربية خلال افتتاحه للسنة الدراسية بولاية نابل.

الطريف أن فستان النائبة الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، كتبت في شأنه قصائد هجاء، وابتدعت من أجله صور كثيرة تؤشّر جميعها إلى ضرورة إيلاء الشخصيات العامة انتباها شديدا لمظهرها خاصة أثناء الزيارات والمهام الرسمية رغم إيماننا المطلق بالحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة وإدانتنا لكل أشكال الثلب والتنكيل التي اعتمدها البعض لوصف هيئة النائبة وفستانها “العجيب”.

تعليقات
جاري...