موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

السياحة الحزبية والبرلمانية
خيانة لثقة الناخبين وتدمير للمشهد السياسي

0 156

لطفي هرماسي – hermassilotfi64@gmail.com –

الميركاتو، سوق الانتقالات أو فترة الانتقالات هي الفترة التي  يسمح خلالها بانتقال لاعبي كرة القدم بين الأندية  في صفقات شراء وإعارات  لمعالجة مواطن ضعفها وتعزيز صفوفها بلاعبين قادرين على تقديم الإضافة الفنية والتكتيكية لها، وتوظيف مواهبهم لصالحها ، والميركاتو مناسبة لانتقاء الأجود والأفضل والأقدر على إرضاء الأحباء والاستجابة لطموحاتهم في تحقيق الانتصارات والتتويجات والكؤوس والبطولات، وهو محطة تخطط لها الفرق بضبط حاجياتها، وتوظيف مواردها المادية والبشرية في مفاوضات تغلب عليها الحنكة والسرية والإغراء والتقيد بالقوانين واللوائح والعقود.

وإذا كان الميركاتو في الكرة فرصة ينتظرها الأحباء بلهفة، وينظرون إليها بعيون حالمة قد تصيب وقد تخيب فإنه في السياسة سوق مذموم أهلها وبائعوها ووسطاؤها وغاياتها ووسائلها ونتائجها، بل أنه اتّخذ لنفسه في ميدانها (أي السياسة) اسم السياحة الحزبية أو البرلمانية او النزوح الحزبي أو حتى الصعلكة البرلمانية وقد عرفته بلادنا غداة انتخابات 23 أكتوبر 2011.

ولعل الناظر إلى المشهد السياسي التونسي خريف 2018 يلاحظ خاصة خلال المدة الأخيرة حركة هجرة جماعية من كتلة برلمانية أساسية (كتلة نداء تونس) إلى كتلة أخرى حديثة التشكل (كتلة الائتلاف الوطني)، وموجات استقالات مثيرة للجدل في أخرى (حراك شعب المواطنين)، وتصدعات مؤذنة بالانفجار في أي لحظة (الجبهة الشعبية) فيما يشبه ما اصطلح بعض المحللين على تسميته بالتسونامي السياسي.

فما الذي أحدثته السياحة الحزبية في المشهد السياسي منذ الثورة؟

وإلى أيّ حدّ أثرت في التحولات السياسية المتسارعة بالبلاد؟

وكيف يمكن أن تحمي الأحزاب أنفسها منها؟

وكيف يجب أن ننظر لها؟ وماذا يمكن ان نفعل للتصدي لها؟

أذكر جيدا أن صديقا نائبا مستقلا حدثني عن تلقّيه اتصالا من رئيس أحد الأحزاب الناشئة مباشرة إثر انتخابات المجلس الوطني التأسيسي يدعوه خلاله إلى لقاء عاجل وهام بإحدى المدن الكبرى. وخلال اللقاء الذي تمّ في غرفة قصيّة  بجناح خاص بأحد النزل عرض رئيس الحزب على النائب الانضمام إلى كتلته بمقابل مالي هام، لكن النائب رفض قطعيا العرض قائلا : ” لقد اختارني الناخبون لما يعرفونه عني من جدية ومصداقية وانحياز مطلق للثورة ومطالب جهتي، وليس بوسعي خيانة هذه الثقة “.

مثل هذا الموقف وهذا الرد المشرف كانا للأسف تعبيرة نادرة عن احترام الذات واحترام الناخبين وعدم القبول بالدخول في سوق بيع وشراء الذمم وخيانة أصوات المواطنين الذين أودعوا ثقتهم في مرشحين واختاروهم دون غيرهم لوجودهم على قائمات بعينها ولوعدهم بالالتزام ببرامج انتخابية معينة، فقد اكتشف التونسيون في بواكير فترة التأسيس ظاهرة هجينة لم يألفوها، ولم يتفطنوا في غمرة التحوّلات السياسية والأحداث الكبرى التي عاشوها إلى مخاطرها على المشهد السياسي، وقدرتها على تسميمه وتفجيره وإعادة تشكيله بسطوة المال والنفوذ والوعود والضغط والتخويف بفتح الملفات، بل حتى بصناعتها واعتمادها أوراقا للضغط والابتزاز.

فقد دبت آفة السياحة الحزبية إلى كتلة العريضة الشعبية خلال دورة المجلس الوطني التأسيسي فأضعفتها وأوهنتها حتى أجبرت رئيسها إلى تأسيس تيار جديد أطلق عليه اسم تيار المحبة بسبب بيع عدد ممن ترشحوا على قائماتها لذممهم والتحاقهم بأحزاب لم تترشح في الانتخابات، وأخرى لم تتمكن من الفوز بأي مقعد في البرلمان. ويذكر التونسيون كيف تمكن رئيس حزب الانفتاح البحري الجلاصي من شراء كتلة نيابية بالمال والسيارات والعطاءات السخية، وكيف تمكن رئيس الاتحاد الوطني الحر سليم الرياحي من استقطاب عدد من النواب استعدادا لانتخابات 2014. أما الحزب الأكثر استفادة من السياحة الحزبية فكان حركة نداء تونس الذي لم يكن له وجود خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي والذي استقطب عددا من النواب الذين ترشحوا عبر واجهات حزبية أخرى (خميس قسيلة، الأزهر العكرمي، إبراهيم القصاص، المولدي الزيدي، محمود البارودي لاحقا وغيرهم…) وتمكن من خلالهم ومن خلال تحالفات اعتصام الرحيل ودعم من الدساترة واليسار وبعض النقابيين وبعض وسائل الإعلام من ترسيم نفسه رقما سياسيا وازنا في البلاد، فحزبا حاكما فائزا بانتخابات 2014.

ولئن اعتبر الملاحظون هذه الانتخابات مدخلا لصنع توازن سياسي بالبلاد، يقوم أساسا على حزبين كبيرين يؤسسان لتداول سلمي على السلطة على غرار أكبر الديمقراطيات في العالم، فإنها ترافقت مع نشوء بدعة جديدة محمودة تتمثل في ما اصطلح على تسميته بالتوافق ساهم بأقدار محترمة في تأمين استقرار سياسي للبلاد إلى أن حلت صائفة 2018 التي حملت منذ بواكيرها بذور أزمة سياسية حادة اختلفت التقييمات حول أسبابها وهي أزمة التحوير الحكومي التي فجرت صراعا بين مختلف مكونات الساحة السياسية وأنهت التوافق بين حركتي النهضة ونداء تونس، قبل ان تصنع رقما سياسيا ناشئا وبرلمانيا أنهى فعليا وجود النداء بشكله الحالي.

ذلك أن يوسف الشاهد رئيس الحكومة الذي جاء به الرئيس الباجي من محيطه الحزبي والعائلي عقب تخليه عن الحبيب الصيد، وصنع منه نجما شابا جديدا يقود فريقا حكوميا ائتلافيا، وألقى به رمزا مستقبليا لمنظومة سياسية حكمت البلاد منذ الاستقلال، لم يقنع بدور يخضع لقانون اللّعبة التي سطرت ملامحها إثر انتخابات 2014… الباجي يحكم بالتوافق مع الغنوشي مدجّجين بأغلبية برلمانية مريحة تؤمّن في جلّ الأحيان سلاسة في تمرير القوانين المعروضة على مجلس نواب الشعب، ورئيس حكومة لا يخرج عن مربع هذا التوافق في خياراته الكبرى ولا يعين ضمن فريقه من لا يقبل بوجوده كل من النداء والنهضة.

بوادر خروج الشاهد عن هذا المربع انطلقت منذ زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر جويلية 2017 والتي سوّق خلالها لنفسه كمرشح لقيادة البلاد خلال انتخابات 2019 مما بعث برسالة مثيرة للانشغال والقلق لدى كل من النهضة والنداء، وجعل الأستاذ راشد الغنوشي يطلب منه في حوار تلفزي على قناة نسمة التعهد لعدم الترشح للانتخابات الرئاسية والانكباب على الملفات المالية والاقتصادية والاجتماعية والمنية التي تمثل تحديات حقيقية للبلاد، لكن الرجل (أي الشاهد) مضى يعمل حثيثا وفق أجندة تصاعدية على نحت رمزية سياسية، وإحاطة نفسه بفريق عمل وزاري يعد حثيثا لمشروع سياسي جديد رأس ماله مستمد من موردين أساسيين : العمل الحكومي، وشقف النداء بالإضافة إلى دوائر مالية وإعلامية تعمل وفق خطة عمل محكمة للاستقطاب والإغراء والوعود والتهديد بفتح الملفات، وما زاد الطين بلّة، ضعف إدارة النداء التي انفرد بها ابن الرئيس بخياراته الرعناء وتصريحاته المثيرة للجدل وقلة خبرته السياسية، واستقوائه بموقع والده السياسي.

وجاءت الأزمة الحكومية لتكشف عن تناقض تام بين شريكي الحكم حول تغيير الحكومة أو إدخال تعديل جزئي عليها ليستند الشاهد وعلى امتداد صائفة كاملة إلى رفض نهضاوي لتفوير الحكومة ويصعّد من وتيرة الاستعصاء على حزبه، والسعي المستمر لعزل مديره التنفيذي حافظ قائد السبسي والفرار بشقف حزبه عبر اختطاف نوابه ونواب كتل قريبة لتتشكل قوة نيابية ثانية بأكثر من أربعين نائبا ونائبة اختاروا السياحة البرلمانية بديلا عن وفائهم لناخبيهم، بل أن بعضهم على غرار النائب وليد جلاد  تنقل من النداء إلى المشروع إلى كتلة الائتلاف الوطني في فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات.

لقد دمرّت السياحة الحزبية والبرلمانية حزبا فاز في انتخابات تشريعية ورئاسية ونال ثقة عدد محترم من التونسيين الذين آمنوا بخطابه، واختاروا زعيمه، واعتقدوا أنه الأقدر على تمثيلهم برلمانيا، والأقدر على تحقيق طموحاتهم، حزب انتخبه التونسيون ليحكم مدة خمس سنوات ولكنه اخرج من الحكم في وصار غير قادر على الحكم قبل انتهاء فترته النيابية، حزب جاء بأحد أبنائه يشد به عضده فخذله وخان أمانته وفر له بالباتيندة.

إن السياحة الحزبية والبرلمانية خيانة لثقة الناخبين وسوس ينخر المشهد السياسي ويساهم في تدمير أحزاب وصناعة أخرى لم يكن لها وجود ولا ماض، ولئن كان النداء قد استفاد منها عند النشأة وأفرغ بها كيانات حزبية وبرلمانية أخرى فإنه الآن يشرب من نفس الكأس ويخسر حزبه وقيادييه وربما وجوده مستقبلا. ومن أوكد الإصلاحات التي يجب إدخالها على المشهد السياسي ميثاق أخلاقي أو التزام قانوني يمنع هذا الميركاتو اللاأخلاقي الرديء الذي لا يزيد العازفين عن التصويت في الانتخابات إلا قناعة بعزوفهم، ولا يزيد مرذلي العمل السياسي إلا  قناعة بترذيلهم، ولا يزيد من لا يثقون في السياسيين إلا قناعة بعدم ثقتهم فيهم.

تعليقات
جاري...