موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

دور الثقافة البديلة في تونس في تجاوز إكراهات السياسة

0 152

د.محمد التومي – باحث في سيراس –

إن الثقافة وفق المتصوّر المتعارف عليه، تعد من أهم الوسائل المعتمدة لتحسين نوعية الحياة ودرجة كمالها بمعنى أوضح وأجدى، إذ ثمة دور كبير للثقافة يُسهم في تحسين حياة الإنسان المرتج عليه على الصعيدين الخارجي والداخلي، لذلك يعتقد علماء الاجتماع، أن النمط الثقافي للمجتمع يتحكم بدرجة كبيرة في تحسين الحياة للمجتمع ككل، وأن هذا الجهد لا يكون إلا شاملا في نسق معلوم إذا تدخلت الثقافة المجتمعية الشاملة في صناعة الحياة، وليس الثقافة الفردية التي قد تتوفر للبعض ويُحرم منها أغلبية أفراد الشعب بمعنى هذه الفئة التي قد تُحرم من التعليم والتثقيف والوعي المتميز لأسباب تتعلق بمسائل سياسية، وبالفشل الحكومي في إدارة المال العام وما شابهه من أسباب الفشل الذي عمّ الحياة وبعث في الناس شعورا بالمقت والمغص حتى أصبحت الروابط مهما كانت قداستها في مهب السياسة التائهة، ولكن رغم ذلك فإنه يمكن للثقافة أن تصنع عائلة مثقفة من خلال رب العائلة المثقف، وسعيه إلى زرع نمط ثقافي متطور في سلوك وتفكير أفراد عائلته، فالثقافة لها دور أساسي في زيادة وعي العائلة، وطالما تمثل مؤسسة الأسرة صورة مصغرة للمجتمع، وهو ما يعني أن المجتمع في المسار الصحيح إذ كلما اقترب المجتمع من صنع الحياة التي تليق بكرامة الإنسان، وحقه في العيش بحرية ورفاهية واستقرار إلا وأعطى للثقافة منزلة أرقى وبذل لها الوقت والجهد مع توفر أشراط الإبداع في مجالات الحياة بالكلية، فأينما حلّت الثقافة بفعلها وتأثيرها وعمقها حلّ الوعي، ومن ثم كان المستوى العالي للتفكير، والقدرة على تحسين معاش الإنسان ومعاده ، من خلال ابتكار الأفكار الفاعلة مبتدعا للطريق القادرة على رفع مستوى ونوع حياة الإنسان نحو الأفضل.

وإن المرتكَز الذي يستند إليه المجتمع التونسي شأنه في ذلك شأن كل مجتمع  في بنائه وتشكله ورسوخه وثباته، هو الثقافة بأشراطها المعلومة دون حيف أو أدلجة أو استثمار بغايات ربحية، ولذلك فإن الثقافة إذا كانت ذات بنية هشة، فإن المجتمع بدوره يكون صورة رديئة للثقافة التي تنتشر فيه بأشكالها وألوانها، والسبب هو التأثير الكبير للأنساق الثقافية في رسم شبكة العلاقات المجتمعية، وتداخلها مع منظومة القيم التي تحكم أنشطة وعادات وأعراف المجتمع، الأمر الذي ينعكس على طبيعة الحياة في المجتمع الناشئ الذي يتحسس السبل وقد ادلهمّت عليه وأرتجت بعد ظلمات متراكبة بعضها فوق بعض من استعمار إلى دكتاتورية مقيتة إلى سيادة نخب باعت نفسها للشيطان. وعندما تفشل الثقافة في وضع الأسس السليمة للبناء المجتمعي، فهذا دليل قاطع على أن الثقافة نفسها بحاجة إلى تغيير، لذلك سيبقى المجتمع يعاني من العادات والتركة الثقيلة التي تحكم نشاطاته وأفكاره وخطواته العملية التي غالبا ما تتسم بالجمود وحبّ المصلحة والتراكن إلى المتيسر السهل، تبعا للثقافة المستهلكة من الداخل، والعاجزة عن القيام بدورها في تطوير المجتمع، وفرض اشتراطات تقوم على الحيف بالمجتمع عن أصله ودينه وهويته وتاريخه الطويل بما يتماشى وواقع العصر ومواكبة ما يستجد ويستحدث في مجالات الفكر والعمل بغلاف إيديولوجي مقيت.

والواضح أن عجلة الإنتاج تتأثر على نحو غير مباشر بالثقافة الهشة فمع أن الاقتصاد ليست له علاقة مباشرة بالثقافة، إلا أنها تنعكس في تأثيرها على طبيعة الإنتاج، ومفردات الاقتصاد كافة، فالعامل المثقف على سبيل المثال هو غير العامل غير المثقف، ليس من حيث درجة المهارة في العمل، وإنما من حيث مستوى التفكير الذي ينعكس على الإنتاج من خلال التطور الذهني والثقافي للعامل المبدع وهي درجة متقدمة، وهكذا تنعكس المؤثرات الثقافية بصورة غير مباشرة على حركة الاقتصاد ومستوى الإنتاجية وكذا جميع مجالات الحياة التي تتعلق بمجتمع ما، لها ترابط مع الثقافة، فمن غير الممكن أن نفصل بين الثقافة والمجتمع، وبين الثقافة والحياة، وهكذا نلاحظ انعكاس الثقافة على عمل العامل والأستاذ والطبيب والمهندس…الخ بصورة غير مباشرة، ولكنها مؤثرة في طبيعة ما ينتج عنه ودرجته أثناء تأدية عمله.

إن الثقافة تدعم الكفاءات في المجتمع وتحميها من الإقصاء الذي تتعرض له في المجتمعات ذات الوعي الثقافي المتدنّي، بمعنى أوضح عندما يكون المجتمع مثقفا، بكل قياداته ومؤسّساته الحكوميّة وسواها، فإن التعامل مع الكفاءة سيكون عادلا، بل إن الحاكم المثقف، لا يمكن أن يجازف بتهميش الكفاءة، في حين يعمل السياسي الأقل ثقافة على طرد الكفاءة وخلق الحجج والظروف الطاردة لها، وهذا هو سبب تهجير العقول والمواهب المتميزة من مجتمعنا الذي أصبح مسكونا بالوهن وموتورا حدّ انتشار الجريمة والكراهية بين أفراده، حتى ليظنّ الدارس أن الخرق اتسع على الراتق وأن الإصلاح بات صعبا يحتاج إلى مثقف مبدع مسكونا بحب شعبه وإني لأزعم أن هذا الدور التاريخي لن يكفله غير حزب حركة النهضة لأسباب أصبحت معلومة.

وقد تعاملت المجتمعات المحترمة لنفسها والمتصالحة وتاريخها مع الثقافة كعامل أساسي لضمان تطوّر المجتمع والحافظ على قيمه الأصيلة، تماما كما هي دعوة الدين لبناء الإنسان، فالثقافة والدين كلاهما ينزعان إلى تهذيب الإنسان وتطوير قدراته، وحمايته من الأخطاء المقصودة وغيرها، لذلك يرى المعنيون أن الثقافة تمثل الضامن الرئيسي الوحيد لتحضر الأمم، والمظهر الأكمل للرقي والازدهار، والعامل الديناميكي الوحيد الذي يستطيع تحرير الإنسان، وإنقاذه من حالة الرتابة والجمود والكسل. فالثقافة إذن لا تختلف في مفاهيمها ومنطلقاتها ودلالاتها عن الدين في رسالته الجوهرية، إذ يدعو كلاهما إلى التربية والتهذيب والأخلاق، وإلى إعادة بناء الفرد والمجتمع الحضاري الصحيح.

لهذا السبب يرى المعنيّون أيضا، أن الثقافة تمثل الكينونة التي تنصهر في بوتقتها، كلاً من العقائد والفنون والأخلاق والقوانين، والعادات والأعراف الاجتماعية، كما تعتبر أداة لإبراز القدرة الإنسانية، للحدّ الذي يمكنها من تمحيص الخبرات، وتسخيرها لإحداث ردات فعل إبداعية خلاقة، لذلك يكمن خطر الثقافة عندما تكون هشة في انعكاس ذلك على المجتمع، من هنا فإن الثقافة الهشة تقترن بالمجتمع الهش، كلاهما يؤثر في الآخر بصورة متبادلة، لذلك إذا أردنا أن ندفع بالمجتمع إلى ارتقاء سلّم التقدّم، لا بدّ أن يقوم ذلك على ثقافة متينة ناضجة تكفل الإبداع وتحتضن الإمكانات مهما اتسعت الرؤيا وابتعد الخيال.

هكذا يمكن للثقافة ان تكون عاملا أساسيا لصناعة الحياة، ولكن يتطلب هذا الأمر، كي يتحقق على أرض الواقع، آليات عملية فعلية، لتحويل الأفكار الثقافية إلى منتج فعلي عملي، يسهم بصورة حقيقية في تطوير الحياة، هذه الخطوات والآليات، تستدعي تكاتفا شعبيا اجتماعيا مسنودا بخطط تنموية حكومية وأهلية، أي لا بدّ أن يشترك الجهد الحكومي في نشر الثقافة بصورة منتظمة وفاعلة ومخطط لها مسبقا، بالإضافة إلى دور المنظمات الثقافية الأهلية، الداخلية والخارجية المستقلة، وقدرتها على تفعيل أنماط ثقافية مبتكرة، يمكنها أن تُسهم بقوة في صناعة حياة أفضل وأجمل.

ولابد من التأكيد على أهمية مواصفات البيئة التي تحتضن الإنسان، وما تنطوي عليه هذه البيئة من مسارات مهمة ومتعددة للثقافة، ودوره النمط الثقافي في تحسين البيئة الخلاقة المبدعة ومن ثم نقله إلى واقع معيشي أفضل وأحسن بالضرورة، وبذلك تتوافر له في ظل صناعة الحياة اللائقة، فرص كثيرة للتطوّر والابتكار، الذي يحدث نتيجة حتمية لدور الثقافة في رفع مستوى الفكر والفعل المنوط بالفرد وكل هذا يؤدي إلى صناعة السعادة في كومة التعاسة المنتشرة في جميع أرجاء الكون ومعها حفظ الكرامة والمكانة المنوطة بالمجتمع الثائر على أوضاعه المتردية لذلك لابد من السعي المبرمج في هذا الاتجاه حتى لا تضيع الجهود سدى، وهنا يأتي دور التخطيط المسبق، من لدن لجان وخبراء لهم تخصص وقدرة على تفعيل الميدان الثقافي، وتحقيق قفزة مجتمعية لتحسين الحياة، يشترك فيها جهد المؤسسات الثقافية والتعليمية والتربوية، وكذلك مراكز الدراسات والبحوث والاستبيانات، من أجل معرفة دقيقة، لقدرة الثقافة على صناعة الحياة وتحسينها، واتخاذ الخطوات العملية لنشر الثقافة على نحو دائم ومتواصل، ولابد أن يتقدم الجهد الحكومي في هذا المضمار، من حيث التمويل والتخطيط والتنفيذ الدقيق من اجل تحقيق نتائج متميزة، تصب في مسار صناعة الحياة الأفضل.

تعليقات
جاري...