موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

نهاية التوافق.. وبعد؟

0 168

– محمد القوماني –

أعلن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للشعب التونسي في حديثه التلفزي مساء الإثنين 24 سبتمبر انتهاء التوافق بينه وبين النهضة، برغبة من النهضة التي “نفضت يديها من الباجي” واختارت طرفا ٱخر. هذا الإعلان الذي جاء ليكشف حقيقة ما يحصل منذ مدّة من تباين في التعاطي مع الأزمة السياسية، لم يكن إعلانا هيّنا بكل المقاييس، فهو يفتح على مرحلة جديدة يكتنفها غموض كبير وبعبارة الباجي “دخلنا في مغامرة جديدة أنا منها براء”. وقد عدّ المتابعون هذا الإعلان أهمّ ما جاء في حوار الرئيس. وقد سارعت حركة النهضة من خلال مكتب إعلامها  صباح الغد 25 سبتمبر 2018 إلى تأكيد “التزامها بمسار التوافق مع رئيس الجمهورية، وتقديرها لدوره الوطني منذ انطلاق الثورة في إرساء ثقافة التشاور والحوار بين الفرقاء السياسيين في مواجهة خيارات التفرد والإقصاء والمغالبة”. فماهي أهمّ تداعيات هذا الإعلان؟ وما دلالة التعارض بين تصريح رئيس الجمهورية ورواية حركة النهضة؟ وكيف تبدو سيناريوهات المستقبل؟

لم يكن إعلان الرئيس سوى إقرارا لواقع خلاف معلن منذ أشهر حول تغيير رئيس الحكومة يوسف الشاهد من عدمه، والذي تحوّل إلى عنوان أزمة سياسية طالت أكثر من اللزوم وصارت تلقي بظلال سلبية على سير دواليب الدولة وعلى الوضع العام بالبلاد. فنهاية التوافق أعلنه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل منذ مدّة حين تحدّث في مرحلة أولى عن الوصول إلى نقطة اللاّعودة في الحوار حول الأزمة، ثم أعلن لاحقا نهاية وثيقة قرطاج 2. فقد فشل رئيس الجمهورية خلال لقاءات عديدة في إقناع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بالتخلي عن موقفه الداعي إلى الاستقرار الحكومي بالاكتفاء بتعديل وزاري والإبقاء على الشاهد رئيسا للحكومة حتى إنجاز انتخابات 2019. وفي حين اعتبر الباجي امتناع النهضة عن دعمه في إزاحة رئيس الحكومة الذي لم يعد محلّ ثقته ويراه عنوان فشل اقتصادي، تخليا عن التوافق، أكّدت حركة النهضة في المقابل “أنّ الاختلاف في وجهات النظر حول عدد من القضايا التي تعيشها البلاد وفي مقدمتها الاستقرار الحكومي لا يعني تنكّر النهضة للعلاقة المتينة التي تربطنا بفخامة رئيس الجمهورية، بل هو من صميم الحياة الديمقراطية ومن متطلبات دقة المرحلة وجسامة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام الوطني”. كما جاء في بيانها. وكثيرا ما تردّد في السابق، وفي ظلّ خلافات عارضة بين حزبي النداء والنهضة،  أنّ التوافق لا يعني التماهي ولا ينفي التنافس ولا يلغي اختلاف المواقف.

بدأ التوافق باللقاء التاريخي بين الغنوشي والباجي في باريس يوم 15 أوت 2013، في ظلّ الأزمة السياسية الحادّة التي كانت تمرّ بها تونس آنذاك إثر الاغتيالات السياسية واستفحال الاستقطاب بين الترويكا الحاكمة والمعارضة. وكان محطة هامة في دفع الحوار الوطني برعاية الرباعي للخروج من الأزمة. وهو اللقاء الذي كتب الغنوشي مقالا مهمّا في إحياء ذكراه الخامسة منتصف الشهر الماضي. وتدعّم التوافق بين الزعيمين، ليشمل حزبي النداء والنهضة المتنافسين الغريمين في انتخابات 2014.  فكانت تجربة الحكم المشترك وسرديّة “الاستثناء التونسي” أمام العواصف التي عبثت ببقية تجارب ثورات الربيع العربي. وكان المؤمّل أن يتوسّع التوافق في حكومة الوحدة الوطنية، كما تمّ اشتغال البعض على تحقيق مصالحة تاريخية بين الدستوريين والإسلاميين عموما، بعد عقود من التنافي والصراع، في إطار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية عادلة وشاملة.

ولكن بعد خمس سنوات من صمود هذا التوافق في وجه محاولات النيل من العلاقة بين الزعيمين والعمل على تسميمها، وبعد تفكيك جميع الألغام التي وضعت في طريقه، وبعد التأكّد من تمسّك الرئيس بهذا الخيار رغم الضغوطات والإغراءات الداخلية والخارجية، وبعد مضيّ النهضة في هذا النهج واعتباره “سياسة عليا للحركة” رغم الخلافات الداخلية والانتقادات، وبعد أن تبيّنتت منافع هذا التوافق على البلاد وعلى الطرفين، وصار عنوانا لنجاح الانتقال الديمقراطي، ها أنّ هذا التوافق يصير مع الأسف إلى نهاية دراماتيكية، لن يخفّف من وطأتها السجال حول المتسبّب فيها وفي أنّها إعلان قطيعة أو مجرّد جفاء مؤقّت. هذه النهاية، التي يرقص البعض من خصوم التوافق، على اختلاف مواقعهم،  طربا لإعلانها،  ليست في المحصّلة سوى عنوان فشل لأنصار التوافق والمراهنين عليه. “كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا”.  (الآية 90  من سورة النحل)

التوافق يعني التفاهم والتعايش بين المختلفين واستبعاد التنافي والإقصاء، ويهدف إلى الإدماج بدل التهميش. ويقوم التوافق على إدراك المُشترك والبناء عليه وحسن إدارة المختلف، ولا يأخذ ضرورة بموازين القوى الفعلية. ولذلك كان ثنائي الباجي والغنوشي عنوانا للتعايش بين القديم والجديد وبين الدستوريين والإسلاميين. وكان العمل في البرلمان والحكومة لا يستند إلى منطق الأرقام. وهنا تكمن رمزيته التي يصعب أن يعوّضها أيّ تحالف/توافق جديد.

يقول البعض أنّه ليس للتوافق عنوان واحد، وليس حكرا على أطراف بعينها، وقد يحصل توافق جديد بين الغنوشي والشاهد وبين كتلتي النهضة والائتلاف الوطني. وهذه مقتضيات الديناميكية السياسية وتغير موازين القوى في البرلمان والمشهد السياسي. لكن يغيب عن أصحاب هذا الرأي أنّ التوافق المفترض، أمامه مصاعب جمّة. فمشروع الشاهد السياسي لم يتبلور بعد، وقد يؤول إلى إعادة ترميم النداء نفسه بقيادة الشاهد وقد يستدعي تأسيس كيان سياسي جديد؟ والملتفّون حول الشاهد من نوّاب وغيرهم هم من المنشقين في أغلبهم ولا ضامن لعدم تنازعهم وتشرذمهم من جديد؟ وعناصر الاختلاف والتوتر بينهم وبين النهضة معلومة، وقد يكون إعلان الباجي نهاية التوافق مع النهضة ضغطا عليهم أو تحذيرا لهم من تكرار تجربة؟ وقد تؤول تطورات المشهد التي لم يستقر بعد إلى خيارات وتحالفات أخرى؟

وفي كل السيناريوهات يظلّ التوافق الجديد مجرّد احتمال. وليس من الحكمة التفريط فيما هو قائم دون التأكد من بديل أفضل منه، ولا التسرّع بفكّ قديم دون عقد جديد. فضلا على أنّ التوافق المُفترض لا يرتقي إلى رمزية التوافق القائم كما أسلفنا. وربما لهذه الاعتبارات تصرّ حركة النهضة على تمسّكها بخيار التوافق القائم وتنفي أية رغبة منها في التخلّي عنه، دون أن تستبعد حصول توافق جديد يدعمه أو يقوم بديلا عنه.

ومهما حصل من تجاذب أو تباعد في التعاطي التكتيكي مع الأزمة السياسية الحالية، فإنّه لا أفق لتجاوزها إلاّ بعودة الانسجام بين رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وتفعيل كيمياء التوافق بينهما مجدّدا. إذ لا تزال الأيادي ممدودة وفرص الإصلاح قائمة.  فاللاّتوافق بينهما ممكن نظريا، لكنه مكلف  جدّا عمليا.

تعليقات
جاري...