موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

دور سكان التخوم الجنوبية في التحرر الوطني

أو حينما يكون "Aller à tataouine" مرادفا لـ "فلتذهب إلى الجحيم"

0 65

د. محمد التومي

لا أخفي صدمتي حينما عدت إلى بعض المعاجم الفرنسية لأجد بالصدفة أن Aller à tataouine تعني اذهب إلى الجحيم. وهو مصطلح ناجم عن التجربة المريرة التي خاضها الجيش الفرنسي إبان ثورة الجنوب التي جند لها ثلاثين ألفا واستعمل فيها النابالم والطائرات القاذفة لأول مرّة وهو ما يدل على قوة هذه الجبهة التي خاضها أهالي أقصى الجنوب. وقد بات من المعلوم أن تلك القبائل الودرنية التي أُنشأت في منعرجات الحياة القاسية كانت مسالكها لا تخلو من الفتن الداخلية والقلاقل السياسية والأزمات الاقتصادية والاعتداءات الخارجية ولكنها جسّدت المقاومة والرفض  وإن هؤلاء العصاة، المتمردين، الفلاقة، الثوار.. كلّهم  من أبناء ما يسمّى حثالة المجتمع (وصف قدمته الجهات الاستعمارية الرسمية في وصف القبائل المتمرّدة والغريب أن سلطات الإيالة كانوا يمارونهم في مثل هذه المصطلحات والتشنيع على المقاومين ليس آخرها مصطلح فلاقة الذي أنتجه بورقيبة ليصف به الثوار) بل كانت التعبيرة “Aller a tataouine” تعني عند الضباط الفرنسيين “اذهب إلى الجحيم” وكان هؤلاء البدو البسطاء أول من يدركهم اللهب أيام الثورات وخلال حركات المقاومة فتراهم يتقدّمون الصفوف ويقدمون آيات من روح التضحية ونكران الذات والذود على حياض الوطن في الوقت الذي ركن فيه غيرهم من أهل المال والنفوذ إلى المهادنة بل والتعاون مع الدخيل بدعوى عدم جدوى المقاومة. وقد أصدر الباي 1682 معروضا بمصادرة جميع ممتلكات المتمرّدين وقد عُدّت قبائل كثيرة من الودارنة متمرّدة هدمت قصورها وأحرقت محاصيلها المخزونة وصودرت قطعانها وقطعت أشجارها. إن هذه الأعمال العدائية ضدّ أهالي تطاوين ظلّت محفورة في ذاكرتهم يتوارثونها كابر عن كابر، إذ خلفت بؤسا شديدا لجملة العروش الودرنية وخاصة أولئك الذين عادوا مستسلمين في العشرينات إذ غدروا بهم وأخذوا الرجال إلى المحتشدات ونكلوا بالنساء والشيوخ والأطفال، وقد سجّل الضباط الفرنسيون مثل فورست و دي بوا… ملاحظات البؤس الشديد التي وصل إليها هؤلاء الأسياد وخصّوا بالذكر عرش العجاردة الذين كانوا يعيشون في يسر بفرضهم أتاوات باهظة على قطوفة وبعد تلك الاجراءات أصبح يضرب بهم المثل في الخصاصة والحرمان والفقر المدقع وإن جزءا من الحميدية والعمارنة قصدوا الوسط والشمال للتسوّل في حين انتقلت أعداد كبيرة من الدغاغرة والكراشوة والزرقان والعبابسة  إلى جرجيس وجربة خاصة خلال جني الزيتون. كما انتقل قسم من أولاد شهيدة وأولاد دباب إلى العاصمة بحثا عن الرزق، يقول دي بوا “لقد أحدثت فرنسا حينها ثورة عميقة بإقرارها المساواة بين ورغمة وقرويي جبل دمر وتخليصها لسكان جبل طرابلس من أولائك البدو” نتج عن كل ذلك انتشار المجاعة ونقص التغذية وارتفعت وتيرة الوفايات خاصة عند الأطفال كما أدت البطالة إلى نشوء موجة من الحراك الاجتماعي التي سيكون لها ما بعدها. ولكف موجة الهجرة والتخفيف عن الأهالي قامت السلطات العسكرية بإحداث حظائر المساعدة يستصلحون الأرض ويشقون الطرق بل ويعينون في بناء الأسواق والمدارس… نظير دراهم معدودات ولكن الأهالي تهافتوا للتسجيل في هذه الخدمة ومنهم من دفع رشوة من أجل التسجيل، وقد وصف أحد شعراء المنطقة الحالة الاجتماعية بقوله:

همّ الزمان الكابس *** والخبز ما ثماش حتى يابس

تمشي عزايز في الخريف لقابس*** منين النخيل تبان فيه صفورة

يقعد الشايب بالذراري حابس*** مضى دهر ما يلحق عشاه فطوره

ومن المعلوم أن الفرسان يستمدون وجاهتهم الاجتماعية من فروسيتهم المتمثلة في الإغارة خاصة. أضف إلى ذلك عمليّات التهريب عبر الحدود الجنوبية المفتوحة من مشهد صالح شرقا إلى برج الخضراء غربا ومن المواد المهربة نذكر البارود والشاي والتبغ والملح وبعض الألبسة التقليدية…الخ.  إضافة إلى فتور حركة القوافل عبر طريق الملح القديم بعدما تم تحريم تجارة العبيد من قبل أحمد باي سنة 1846، إضافة إلى عمل فرنسا على إلغاء هذا الطريق لطوله وصعوبة مراقبته وقد كان أولاد شهيدة من ضمن أهم القبائل التي توفر أمن هذه القوافل نظير أتاوات مهمة يجنونها. أضف إلى ذلك كله القمع الشديد الذي تعرض له الأهالي بعد الانتفاضة التي استمرت سنوات ولم تخمد فعليّا إلا سنة 1921 تاريخ إعدام الدغباجي الذي أصرّ المستعمر أن يشنقه في مدنين ليزيد في إذلال ورغمة وليكون لهم عبرة ولكنهم رفضوا بقوّة وهدّدوا بإعادة الثورة إذا هم أصرّوا على شنقه في أرضهم مما اضطر فرنسا على التراجع وأن  تقرر شنقه في أرض بني زيد أمام أهله.

لقد عمل الضباط الذين تداولوا على هذه الجهة وخاصة منهم روبلي على الاجهاز على قبيلة ورغمة وخاصة فرع الودارنة الأشدّ صلابة في مواجهة المستعمر لأنهم أدركوا ما يمكن أن تؤدي له من مدلولات سياسية. وقد ساهمت عوامل متضافرة في التعجيل بعودة البقية منها:

– المجاعة التي انتشرت في ليبيا بين سنتي 1916-1918

– تفرغ فرنسا لقمع القبائل المتمردة بعد انتهاء الحرب العالمية ومجابهتهم بقوة صادمة

– انعقاد الصلح مع خليفة بن عسكر  وهو ينص على منعه للثوار التونسيين من شن أي هجوم من أراضيه

– إعلان فرنسا العفو العام على كل من رجع من المجاهدين وتسوية أملاكهم المسلوبة من عقار وغيره. ولم يبق غير قلة قليلة منهم. ولكن فرنسا غدرت بهم جميعا ونصبت لهم محتشدا في مدنين ومحكمة عسكرية أما بخصوص الممتلكات فإن القادرين اشتروا ممتلكاتهم لما نشرت للبيع بالمزاد والبقية انتظروا إلى قيام الدولة الوطنية ليستعيدوا عقاراتهم وبعض ما صودر من أراضيهم، كما أن التحرّش بهؤلاء المقاتلين ظلّ ديدن فرنسا التي فرضت تحية عسكرية لضباطها من قبل كل المواطنين باعتبار أن المنطقة عسكرية يعامل أهلها معاملة العسكر، ومنهم من يبعث له الحرافيش ليتحرشوا به حتى إذا ما ردّ الفعل اعتبر آثما وزج به في السجن من قبل الضابط المكلّف دون العودة إلى المحكمة.

ومن المعلوم أن أرض الودارنة من جبل دمر إلى جبل نفوسة (تطاوين). المتاخمة للأراضي الليبية. تميزت قبيلة الودارنة باستقلالها عن سلطة الباي وأهلُها معفون من الضرائب بل إن شيوخها يتلقون أموالا لحماية الحدود الجنوبية عن طريق صبايحية يعينهم المشايخ، ولم تكن هذه القبائل في علاقة تساكن في ما بينها بل إن ورغمه وبني زيد يتزعمان هذا التنازع في الأرض وفي العلاقة مع البربر دافعي الضرائب ولم تكن القبائل المشكلة لورغمة على قلب رجل واحد بل إن كل قبيلة تتصرف وفق المتاح من قوة الرجال وعددهم وتمثل قبيلة أولاد شهيدة رأس مجموعات الودارنة من الناحية الديمغرافية وكذلك  في الاعتماد على الفرسان في الغزو وتوسيع مجال الرعي. يذكر حتى أن المستعمر الفرنسي اعتمد على رعاة من هذه القبائل الودرنية المنتشرة في التخوم ليحاجج الترك بانتساب بعض الأراضي إلى تونس وساهم قتل التاجر الفرنسي المعروف بالمركانتي من قبل تحالف بعض الثوّار من ورغمه  مع الطوارق في التنازل عن طريق الملح التي ترسم الحدود القديمة إلى  غدامس من أجل ملاحقة الجناة وتأديب الطوارق الذين لاذوا بجبال أوباري… ولعل وصول الغدامسية إليهم رغم خطورة تضاريس الطوارق وشدّة بأسهم يدل على جسامة المنحة المتمثلة في الواحة المتاخمة لغدامس والتي هي في الأصل أرض تونسية صميم بل إن الحدود لم تعد إلى التخوم الأولى كلما اتجهنا شرقا وصولا إلى بنقردان الذين استرجعوا أرضهم من النوايل. وبقي التنازع في منطقة الجرف القاري الذي حسمته محكمة العدل الدولية. «Le Monde» الفرنيسة الصادرة في 25 فيفري 1982 بما يلي: “لا ينازع أحد في أن وزن النفط الليبي أثقل من الاسفنجات التونسية “. ولعل توتر العلاقات بين الغدامسية والمحاميد المنتشرين في الجبل الغربي خاصة في قصر الحاج بين نالوت وبير الغنم بسبب ضلوع رجال من قبيلة المحاميد ومرسيط في قتل حسن أغا مدير غدامس ربيع سنة 1843 وفرارهم نحو الجبل الأبيض بعد تسيير  الوالي محمد أمين باشا جيشا للإنتقام من سكان الجبل الغربي . وقد كشف مارتال martel في مقاله: «Le commerce maritime du sud Tunisien 1885-1910»  “وقد خصص تيسو وهو أحد المستكشفين الأول حيزا مهما لفهم العلاقات الرابطة بين القبائل الظاعنة عبر التخوم في رحلة له مع الصادق باي مكنته من تقديم تقرير  ساعد العسكر الفرنسي في مهمته بعد ثلاثين عاما من زيارة تيسو الذي أكد أن هذه العلاقات كانت تشقها الخلافات وقد رسم صورة قاتمة للعلاقات السائدة بين مختلف فئات مجتمع ورغمة عموما الذي يؤسس حسب رأيه كونفيديرالية بمجموع التوازين وعكارة والودارنة …وأخرى فيودالية تجمع بين القبائل العربية والمجموعات البربرية. ولعل قرار إبطال العمل بعقود “الصحبة والصايبة عربية” من أخطر القرارات التي اتخذها الضباط الفرنسيون بحجة أن تلك الممارسات غدت من التقاليد البالية ولم يعد مسوغ لبقائها.. وقد ترتّب عليها تحوّلات عميقة في أسلوب عيش قبائل الودارنة.

تعليقات
جاري...