موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

أي دور للثقافي في التوافق السياسي؟

0 125

د. محمد التومي – باحث في سيراس –

إن المتتبع لمختلف المحطّات التي مرّت بها تونس بعد الثورة يلحظ تبلور ممارسة خارجة عن سياقات المسار الديمقراطي لمرحلة ما بعد الثورة تتمثل في الغليان والتدافع والتشاتم دون مراقبة حدود الهاوية التي نزلوا فيها وهي تخصّ مختلف الفرقاء السياسيين وأخصّ فصيل اليسار الاستئصالي المافيوزي الذي لم يتعظ رغم الفرصة التي وفّرتها له الثورة كي يتموقع في الوسط ويبتعد عن الشطط السياسي والإيديولوجي الذي أثبت عدم جدواه في الواقع الجديد. وإن جُلَّ هذه الصراعات والاختلافات تعبِّر عن حالات التعصب الأيديولوجي وأيضًا الديني في ما يخصّ المداخلة والسلفية الجهادية وهو ما شكل عاملًا مغذيًا لانتصار لوبي الدولة العميقة المضادة للثورة.

فعوضا عن انخراط القوى السياسية والمجتمعية انخراطا إيجابيا في مفاصل الدولة لإنجاح الاستحقاق الديمقراطي بغضِّ النظر عن هويتها الأيديولوجية والسياسية فإن الحاصل هو التهارج السياسي الذي أوصل البلاد إلى حافة الهاوية وكان ذلك منزلقا كاد أن يرمي بها خارج التاريخ لولا حكماء سيشيد بهم الأحفاد طويلا، وكان الأجدر أن تتشكَّل أرضية للحوار الجاد والتفاهم والتوافق على مجموعة من المرجعيات والمبادئ التي من شأنها أن تؤسس لعملية الانتقال الديمقراطي في سياق تحصين مكاسب الثورة التي شكَّل الشباب حزامها النابض ومستقرّها ومستودعها. إن كثيرًا من التناقضات والتوترات السياسية والاجتماعية الداخلية لا يمكن معالجتها بدون ثقافة سياسية جديدة، تؤسس لنمط جديد من العلاقة والتواصل بين المكونات المجتمعية بشتى مشاربها الفكرية قوام هذه الحركة التسامح والحرية وسيادة القانون وقيم حقوق الإنسان.وابتداع سبل كفيلة بتجاوز الخلافات تتخطى النمط التقليدي في معالجة أزمات السلطة وعلاقتها بالمجتمع وتعبيراته الحادة أحيانا والقائمة على المطلبية والعدالة الاجتماعية، إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تعيد صياغة العلاقة على أسس متينة بين السلطة والمجتمع، وترسي دعائم المواطنة وأسس القانون وفق رؤية وثقافة لا تلغي الهوية المجتمعية ولا الدين أو المذهب ولا تميز بين الناس على أساسات واهية وإنما تتخذ من خصوصية المجتمع مجازا للانصياع إلى الحق وخدمة الوطن ونكران الذات أمام مشغل الدولة ومساراتها. وقد أثبتت التجربة التونسية  في هذا الخضم الثوري أن الاحتكام إلى الآليات الديمقراطية بمنطق الأغلبية لا يمكن بمفرده أن يكسب الرهان دون البحث عن  بديل توافقي يلغي التنافي ويتخذ  من “تيمة التوافق” مركبا به يُشق عباب الواقع ويستوعب كل التيارات السياسية والمدنية بغضِّ النظر عن حجم تمثيلها في المجتمع، لأن مرحلة التأسيس الديمقراطي تستوجب الإحاطة والشمول بدل الإقصاء والتنافي أو التهميش وهو ما سمح لأحد قادات الوطد على ضعفه السياسي بأن يهدد النهضة على قوّتها الانتخابية وصلابة وحدتها الداخلية.

إن ثقافة التوافق السياسي قادرة على تذويب الصعاب والاختلافات الأيديولوجية والانتماءات السياسية في بوتقة واحدة تخدم بناء الدولة بالدرجة الأولى وتنأى عن مسارات البرغماتية السياسية الضيقة التي كانت ملاذ المتسلّطين من أرباب الكراسي. وإن الحذر واجب لأن شروط عودة النظام القديم لم تفقد جذوتها بعد إذ الذين حمّلوا جيناتها مازالوا يتصيّدون هفوات القائمين على الثورة ومستحقاتها خصوصًا في ظل هذا التسابق المحموم نحو الهيمنة والسيطرة على دواليب الدولة باسم شرعية صناديق الاقتراع، ولعل استثمار المجهود السياسي في تكريس مقومات دولة القانون والمؤسسات مطلب مفصلي يفرض نفسه في ظل عسر مخاضات البناء الجديد لمنطق الدولة وتسيير الحكم، وكذلك التعبئة السياسية وتجنيد كل الفاعلين بغضِّ النظر عن هوياتهم السياسية والمدنية وهو ما يقع في صميم السيرورة الديمقراطية والحال أن للثقافة السياسية تأثيرًا كبيرًا على النظام السياسي بوجه خاص والحياة السياسية بوجه عام؛ إذ تدفع الأفراد والجماعات إما باتجاه الانخراط في النظام السياسي أو تدفعهم باتجاه اللامبالاة والسلبية السياسية وعدم المشاركة في الشأن العام بسبب فقدان الأمل في الإصلاح أو اللامبالاة التي تكتسح المجتمع. ولم يقتنع الفصيل السياسي المشاغب أنه لا يمكن بناء سياسة معينة خارج إطار البناء الثقافي السائد في المجتمع، ومن دون التلاؤم بين الثقافة السياسية والبنية السياسية، وبذلك يتعرض النظام السياسي للخطر ويتهدد بالسقوط، والحال أن التلاؤم بينهما شرط أساسي للاستقرار السياسي. ومن ثمة فإن المنطلق في إقامة مؤسسات السلطة هو ذاته العمل على مأسسة العملية السياسية التي تعني احتواء اتخاذ القرارات السياسية ضمن إطار المؤسسات السياسية مما يسهِّل على النظام السياسي اكتساب قدر يُعتدُّ به من الشرعية ذلك أن التنظيم المؤسس للعملية السياسية بقدر ما يمكِّن المبادئ والقيم الديمقراطية من إفادة الممارسة السياسية فإنه يفيد أيضا في تحقيقه خصائص عديدة، منها: قانونية العملية السياسية إذا تمكنت المؤسسات من أن تنظم عملها وفق شبكة محكمة من الضوابط والتوازنات، وتعمل وفقًا لأحكام محددة وأسس للتوظيف والتمويل وتقويم الأداء، وتخضع لمقاييس معروفة وعلنية للنجاح والفشل وضوابط للمراقبة والمحاسبة وقواعد للتنسيق بينها، وعقلانية العملية السياسية؛ ذلك أن المؤسسات والمناصب تسمح في إطارها بالعمل على أساس الكفاءة المهنية، مما ينعكس مباشرة على واجباتها تجاه المواطنين. علاوة على عمومية العملية السياسية حيث يُلغي العمل المؤسسي الاعتبارات الشخصية ويعتمد على بثّ روح المواطنة ويرتكز على مخرجاتها كما يعمل على استقرار العملية السياسية لأن العمل في المؤسسات وفق النظام الديمقراطي الذي أشرنا إليه لا يتأثر بتغير الأفراد مهما كان وزنهم السياسي أو الحزبي أو الاجتماعي. وإن التنشئة السياسية الحقيقية هي العملية التي يتم من خلالها تشكيل ثقافة المجتمع، وتشمل عملية التنشئة السياسية كل أنواع التعليم السياسي في كل مرحلة من مراحل حياة المواطن، ويتضمن ذلك مختلف أنواع القيم وأنماط السلوك التي ليس لها علاقة مباشرة بالحياة السياسية ولكنها تؤثر على السلوك السياسي للفرد، مثل اكتساب بعض الاتجاهات الاجتماعية والخصائص الشخصية التي قد يكون لها أثر على السلوك السياسي. إن التنشئة السياسية إذن هي عملية مستمرة ومتجدّدة يكتسب من خلالها الأفراد التوجهات السياسية ونماذج السلوك السياس والمعارف السياسية التي ترتبط بالفرد داخل المجتمع.

إن الثقافة السياسية للمجتمع هي نتاج لعملية التنشئة السياسية وإن القيم والتوجهات وأنماط السلوك التي تتضمنها هذه الثقافة هي انعكاس لنوعية التنشئة التي يتعرض لها أفراد المجتمع. ويجدر التنويه هنا إلى أن كل النظم السياسية تحاول أن توظف عملية التنشئة السياسية في مجالها الحزبي والإيديولوجي لغرس القيم والتوجهات والأفكار السياسية التي تتفق مع قيم وتوجهات وأفكار السلطات الحاكمة ويتم ذلك عن طريق المؤسسات والقنوات التي تخضع لسيطرة الحاكم مثل المؤسسة التعليمية ووسائل الإعلام وهو ما يدفع الفصيل اليساري إلى التشبث بهذه الوزارات حتى في ظل الحكم الديمقراطي.

تعليقات
جاري...