موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الجبهة الشعبيّة..
بين هاجس إلغاء الانتخابات وهوس تصفية النهضة..

0 393

– فائزة الناصر –

من قال أن الجبهة الشعبية لديها نوايا معلنة وأخرى خفية؟ من قال أن الجبهة الشعبية تظهر قولا وتبطن غيره؟ ذات مرة غير بعيدة قال الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي في لقاء صحفي، الجبهة “ما عندهاش تثعليب وتخديم مخ هي واضحة وصريحة”.. في اعتقادي هذا أصدق ما قيل على لسان رئيس حزب العمال حتى هذه اللّحظة.. فالجبهة الشعبية هي أكثر الأطراف السياسية وضوحا على الساحة فهي تعرف جيدا ما تريد، ولا تفعل إلا ما تريد، وما تقوله هو بالضبط ما تريد قوله..

“نريد تونس من دون نهضة” هذا هدفها الأسمى الذي لا تخفيه مطلقا، هذا برنامجها، بل جوهر مشروعها، لم توار ولم تنافق ولم تجامل كانت واضحة تماما ومباشرة وأعلنت عن هذه الهدف الأسمى منذ البداية..

الجبهة قالتها بوضوح وأكثر من مرّة، متى قلنا أنّ الصالح العام يعنينا؟ متى قلنا أنّ مستقبل البلد يؤرقنا؟ متى قلنا أنّ إنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة هدفنا الأسمى؟ أما آن للجميع أن يفهموا أنّ جوهر مشروعنا هو إزاحة النهضة من المشهد العام وتصفيتها ولو جسديا؟ ألم يئن الوقت ليفهم الجميع أنّ هدفنا الأسمى هو استبعاد النهضة ونفيها من الوجود السياسي؟ ألم يحين الوقت ليستوعب الجميع أنّنا لا نبالي لو غرقت السفينة بمن فيها طالما النهضة ستغرق معها، وأن حرق البلد لا يزعجنا طالما تأكد لنا أنّ النهضة ستحترق بداخله؟ ألم ندخل جبهة الانقاذ في عهد الترويكا لمحاصرة النهضة وتضييق الخناق عليها؟ ألم نتحالف مع التي لطالما اعتبرناها رأسمالية متغولة ومع رجال أعمال فاسدين، وقبلنا بتلقي الدعم من أطراف خارجية كنا في الماضي نستميت في وصفها بالرجعية والعمالة وخدمة الامبريالية والرأسمال المعولم، فقط لنجتث النهضة من أرضها؟ ألم نقف مع من ثارت عليهم شعوبهم وساندنا الانقلابات العسكرية الدموية على الشرعية وعلى الإرادة الشعبية وارتمينا في أحضان أعداء الثورة، لننقلب على حركة النهضة ونفتك منها ما وهبه إياها الصندوق؟ أوضوح وصراحة أكثر من هذا؟

هذا يقين الوضوح عينه، لا توجد أهداف معلنة وأخرى مستبطنة فالمستبطن هو المعلن، فمن يستطيع اليوم أن ينكر ذلك على الجبهة ورفاقها؟ وهل بلغ طرف سياسي مبلغهم من الصراحة والصدقية والوضوح في برنامجهم ومشروعهم وأهدافهم؟

الجبهة التي ظلت وفية لمبادئ رسول الشيوعية والأب الروحي للماركسية انجلز الذي  يقول إنّ الأخلاق التي يجب أن يؤمنوا بها هي كل عمل يؤدي إلى انتصار مبادئهم مهما كان هذا العمل منافيا للأخلاق المعمول بها، الجبهة المستأمنة على مبدأ لينين الذي يعطي للمناضل الشيوعي الثوري الحق في “أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل في كفاحه من أجل مشروعه السياسي، من المنطقي جدا أنّ تدوس كل من أمامها من أجل تنفيذ هدفها الاسمى، من المنطقي أنّ تدوس البلد ومن عليها حتى تجهز على عدوها الأزلي، من المنطقي أن ترمي بمصير وطن بأكمله عرض الحائط فقط لتحقق هدفا صغيرا وضئيلا وهامشيا..

ما همها مصلحة الوطن ومصيره ومصير شعب ما زال يتلمس طريقه نحو الانعتاق والاقلاع، التنمية والتشغيل ومكافحة الارهاب وانقاذ الاقتصاد المتهاوي وتحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على الحقوق والحريات، كلها بالنسبة للرفاق مسائل ثانوية قد تتنبه لها لاحقا فهي ليست مسائل مصيرية ولا  مستعجلة،  المهم بالنسبة إليها أن تمضي في مخططها وغايتها المثلى بدحر عدوها النهضة من المشهد العام، وما عداه يعتبر ثانويا..

ومن أجل تحقيق غايتهم المثلى هذه استعادوا الاسطوانة المشروخة والقضية التي لطالما كانت الراعي الرسمي لجميع حملاتهم، “النهضة قتلت شكري” علّها هذه المرة تصيب النهضة في مقتل وتريحنا منها نهائيا..

من أجل ذبح النهضة وتصفيتها قبلت الجبهة أن تلعب دور المناولة لفائدة طرف سياسي في خلاف مع النهضة، وأن تكون الذراع التي يضرب بها هذا الطرف النهضة، وقد كشف نزار بهلول صاحب موقع “بيزنس نيوز” عن تسريب خطير يُفيد بأنّ القيادي الجبهاوي منجي الرحوي قد تسلّم حزمة الوثائق والملفات المتعلقة بما سمي التنظيم السري للنهضة من داخل قصر قرطاج أياما قليلة قبل عقد الندوة الصحفيّة بعد استعجال قدومه وتلبية الدعوة دون تردّد.

فالجبهة وبسبب لوثاتها الأيديولوجية تجاه النهضة، دائما مستعدّة لتتورط في كل أنواع الجرائم إذا كانت هذه الجرائم ستؤدي إلى إبادة حركة النهضة ونفيها من الوجود، والتاريخ يشهد لها بتلك الجرائم التي كانت أداة وعصا نظام بن علي لتنفيذها خلال محرقة الإسلاميين في بداية تسعينيات القرن الماضي، ولعلّ مسرحية كاسات عبد الفتاح مورو المفبركة بإشراف زعيم الجبهة حمّة الهمامي لخير دليل على ذلك، دون أن نسى التقارير البوليسية التي كانت ترفع أوّلا بأوّل إلى أجهزة أمن الدولة بحق قيادات نهضاوية من طرف رموز يسارية وبالأساس وطدية معروفة.

إذن من أجل كل ما ذكرنا كان على الجبهة أن تبحث من جديد في أعقاب السجائر وتنبش من جديد في قضيتي الشهيدين بلعيد والبراهمي علها تحرز  هذه المرة وقد التقت موضوعيا وتكتيكيا مع بعض الأطراف السياسية الغاضبة أو التي هي في خلاف سياسي أو إيديولوجي مع حركة النهضة، بعض نجاحات وتسدد بعض اللكمات لحركة النهضة قد تجهز عليها.. فأن كان لها ذلك خير وبركة، وإلا فقد ضمنت في الحد الادنى على الاقل ارباك الموعد الانتخابي والتشويش عليه، ولعل ذلك ما اختصره ….. بن حسين حين قال يستحيل اليوم المرور إلى انتخابات أو تنظيمها حتى تتوضح مألات قضيتي بلعيد والبراهمي ودور النهضة في ذلك باعتبارها طرف معني بالانتخابات.. بمعنى آخر الهدف الثاني الذي يجب تحقيقه إذا لم ينجح الاول هو سد الطريق أمام انتخابات 2019 وإرباكها..

إنّ خريجي مدرسة انجلز وماركس لم يدركوا بعد أنهم بتنصلهم من كل مسؤوليتهم الوطنية تجاه البلد وتجاه المجتمع الذي ينتمون إليه وبإصرارهم على اجترار الرفض واحتراف العرقلة، إنما يعمقون عزلتهم عن محيطهم يوما بعد يوم ويثبتون انفصامهم عن قضايا البلد.

ربائب لينين وطلبة ميكيافلي لم يستوعبوا بعد أنّ استنجادهم بكل المصائب والحوادث لم يسعفهم في الحشد ضد النهضة وضد تصدرها للمشهد السياسي، وأنّ كل أيام الحسم التي بشرونا بها وصدعوا بها رؤوسنا، فشلت فشلا ذريعا وسقط القناع عن غوغائيّة وفاشية ودموية، وأماط اللثام عن خطاب مسكون بالحقد وبرغبة محمومة لاجتثاث الآخر والعدوّ الإيديولوجي، خطاب غير مسؤول، خطاب جنائزي، نكد ملّه التونسيون وانصرفوا عنه لأشغالهم وحياتهم اليومية..

لم يستوعب الرفاق الجبهاويون أنّ استثمار الدم وإقامة الجنائز والعويل والنحيب على الفقيدين بلعيد والبراهمي وابتداع طقوس ومآتم جماعية غريبة، لكسب تعاطف الشارع وتشويه صورة طرف سياسي جزافا أصبح تجارة بائرة، لن تظل إلى ما لا نهاية حجابا يستر عوراتهم وأنّ رهانهم على حملة “شكون قتل بلعيد؟” لن تكون إلى ما لا نهاية الراعي الرسمي لحملاتهم..

لم يعقل أحفاد لينين وستالين أنّ تعنتهم وحمقهم واصرارهم أن يكونوا خارج الاجماع الوطني يحمل معه بذور نهايتهم وأنّ التاريخ لن يرحمهم كما لم يرحم غيرهم وسينبذهم مجتمعهم كما نبذ من سار على نهجهم الاستئصالي الدموي.

لم يفهم اليسار الاستئصالي بعد أنّ التونسيين الذين كانت أجهزة الدولة الفاسدة تتلاعب بهم وبعقولهم واختياراتهم، أصبح اليوم لديهم من الخبرة والحنكة السياسية والذكاء والفطنة والوعي ما يجعلهم يميزون الخبيث من الطيب ويميزون الأراجيف من الحقائق ويميزون الخائن من الصادق..

تعليقات
جاري...