موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الجهاز الخاص للنهضة..
بين حد الحقيقة وحدود البهتان

0 438

نور الدين الختروشي

تعيش الساحة السياسية والإعلاميّة هذا الأسبوع على وقع الاتهامات الخطيرة والمباشرة التي وجهتها الجبهة الشعبية الشيوعية لحركة النهضة بتورّطها المباشر في اغتيال الابراهمي وبلعيد وامتلاكها لجهاز أمني أشرف على عمليات الاغتيال.

يدّعي كاتب هذه السطور أنّه ربما كان أول من كتب من داخل الاسلاميّين في ما سُمّي بالجهاز الخاص لحركة النهضة في ورقة ساهمت بها في كتاب مشترك مع ثلة من رموز المعارضة الوطنية سنة 2001، وقد جاء في الصفحة 157 من كتاب “تونس الغد”، وفي سياق تحليل تحول انقلاب النظام النوفمبري عن تعهداته ووعوده.

وفي سياق الحديث عمّا عُرف يومها بالمجموعة الأمنيّة أو ما يسمّيها المرحوم منصف بن سالم بمجموعة الإنقاذ الوطني، حيث ركّزت على ابتزاز بن علي لحركة النهضة بذلك الملف وأنّ النهضة يومها قد أخطأت بترك الملف على طاولة التفاوض البيني مع نظام المخلوع في حين أن موازين القوّة والمصلحة العامة يومها كانت تسمح لها بوضع الملف أمام الرأي العام وتوضيح سياق علاقتها مع المجموعة الأمنيّة التي فكّرت في إنقاذ البلاد والدولة من الانهيار الشامل على ما هو معروف ومتداول عند المتابعين لعبث سعيدة ساسي بالزعيم بورقيبة يومها.

حيث انتهيت إلى خلاصة في الورقة تقول بالحرف “ألم يكن أجدر بالإسلاميين يومها أن يسحبوا تلك القضية من مدار المزايدة والابتزاز السياسي بتوضيح علاقتهم بتلك المجموعة والمطالبة بحل سياسي ووطني لذلك الملف، خاصّة وأنّ محاكمة مجموعة 8/11 – مجموعة الإنقاذ الوطني من عسكريين وأمنيين ومدنيين التي خططت لإزاحة بورقيبة يوم عيد الشجرة 1987؟ – قد يؤدي إلى محاكمة طاقم 7/11 إذا قاربنا القضية من منظور سياسي؟

ثم لماذا صمتت بقيّة الأطراف أمام هذا المعطى الجديد ولم تطالب النهضة بالتوضيح وإن لزم الأمر النقد الذاتي خاصة وأنّ ما أعلنته السلطة ينسف من الأساس القاعدة السياسية التي تعاملت على أرضيتها تلك الأطراف مع الإسلاميين طيلة الثمانينات؟

وهكذا ولد القطب السياسي الجديد معطوبا “بعقدة 8/11″، ولكن ذلك لم يمنع من حدوث تحوّل استراتيجي في بنية الهيكل العام للجسم الوطني بتموقع النهضة في المساحة التي كان يحتلّها الاتحاد العام التونسي للشغل (من كتاب تونس الغد الصفحة 157 / 158).

كنت وما زلت منتصرا للقول أنّ من شروط بناء المستقبل أن لا نناور على الذاكرة والذاكرة ليست التاريخ، الذاكرة هي ما يحصحص من التاريخ لحساب العبرة والاعتبار والمستقبل. وكنت من المطالبين للنهضة أن تقول “شيئا ما” عن علاقتها بالمجموعة الأمنية وسياق تشكّلها تاريخا وسياسة خاصة بعد مؤتمرها الخامس الذي حسم نهائيا في السريّة والازدواجية التنظيمية، ومهد بالتنبيه إلى ضرورة الفصل بين السياسي والثقافي لمخرجات المؤتمر العاشر بعد أكثر من عقدين الذي اختار نهائيا الفصل بين السياسي والدعوي والحسم في الشمولية والخروج من مدار ثوابت المدرسة الإخوانية .

بالعودة إلى أصل الموضوع وهو اتهام الجبهة الشعبية الشيوعية لحركة النهضة هذه الأيّام بتملّكها لجهاز عسكري سري يعمل على اختراق أجهزة الدولة وأشرف مباشرة على اغتيال الابراهمي وبلعيد، نلاحظ بداية أن الندوة الصحفية للجبهة الشعبية ولجنة تحقيقها جاءت في سياق أزمة سياسيّة حادّة تمرّ بها البلاد بعد القطيعة بين رأسي السلطة التنفيذية وإعلان قرطاج نهاية التوافق مع النهضة.

يعلم المتابع النابه وغير النابه ليوميات الصراع السياسي ببلادنا أن الجبهة الشعبية الشيوعية كانت قد صدمت لافتكاك النهضة لحليفها حزب نداء تونس الذي تحالفت معه للإطاحة بحكومة الترويكا وتسلم مقاليد الحكم بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014.

لم يتقبل ولم يهضم الجبهاويون “تغيير وجهة حليفهم” من طرف النهضة وأظهروا طيلة السنوات الأربعة الماضية عدائيّة فاضحة لمخرجات التوافق وتشكيل حكومتي التوافق الوطني مع الصيد والشاهد.

وما إن أعلن الرئيس نهاية توافقه مع النهضة بعد الأزمة الأخيرة حتى قفزت الجبهة الشعبية الشيوعية على الحدث واستعادت خطاب التجييش والتحريض ضد “عدوّها الخالد” حركة النهضة.

فما جاء من اتهام مباشر للنهضة بتورّطها في الاغتيالات السياسية بعيد أسبوعين من فك الارتباط بين الشيخين لا يمكن تأويله خارج سياق تداعيات الأزمة بين القصبة وقرطاج وبين نداء حافظ قايد السبسي والنهضة.

وقد بدا دخول الجبهة الشعبية على الخط وكأنه اغتنام بائس وفاضح لفرصة جديدة للجبهويين لإنجاز أجندتهم المعلنة بالقضاء على الإسلاميّين وشطبهم بقوّة العنف الرسمي من المشهد العام وذلك في رسالة واضحة ومباشرة للرئيس عن استعدادها لمنح الغطاء السياسي إذا فكر في معاقبة الغنوشي على كبيرة لي ذراعه.

وقد ذهبت الجبهة إلى الأقصى في استجلاب سكين ذبح النهضويين بإعلانها المفاجئ عن اكتشاف جهاز عسكري سرّي أشرف مباشرة على اغتيال بلعيد والابراهمي.

إذا من حيث السياق السياسي لم يكن هدف جبهة حمّه الهمامي كشف الحقيقة ولا القيام على واجب الذاكرة والتاريخ على ما يردّد رموزها بعد ندوتهم في المنابر الإعلاميّة، بل اقتناص فرصة الأزمة بين الشيخين ودفعا إلى أقاصيها، والتحريض على التصفية الجسدية المباشرة للإسلاميّين باعتبارهم خطر على الدولة أوّلا وعلى الديمقراطية ثانيا، في استعادة مخاتلة لشعارهم الذي مهّدوا به لمحرقة الإسلاميّين في بداية التسعينات “مجتمع مدني بدون أصوليّة” و”لا حريّة لأعداء الحريّة “.

ما جاء في الندوة الصحفية فضح فائض الحقد الإيديولوجي الأعمى الذي تكّنه يساريّة تونسية لم تنجح طول تاريخنا السياسي الحديث في إنجاز صفر فاصل من مشروعها الشيوعي وأفقه الاشتراكي أو الديمقراطي الاجتماعي بقدر نجاحها في لعب دور وظيفي مشبوه في خدمة النظامين البورقيبي والنوفمبري ودعمهما بالمتاح والمباح وغير المباح لضرب الإسلاميّين واستئصالهم من المشهد العام.

ورغم أن السياق التاريخي لعلاقة اليسار بالحرّية والديمقراطية تونسيّا والسياق السياسي الخاص في هذه المرحلة البينية الحسّاسة التي تمرّ بها البلاد ينسف مصداقية دعاوي الجبهة ضد النهضة، فإن إثارة عنوان الأذرع العسكريّة لحركات التغيير زمن الاستبداد ربما يكون فرصة لتناول هذا الملف من زاوية حق التاريخ والذاكرة وواجب الحقيقة كمقدمة لتصفية إرث مراحل الاستبداد والبناء السوي لمستقبل الديمقراطية ببلادنا.

وفي هذا الإطار نشدّد بداية أنّ تقليد تأسيس الأجهزة الخاصة والتنظيمات العسكريّة هو تقليد يساري ولينيني شائع في الثقافة السياسية والأدب التنظيمي للأممية اليسارية في العالم، وقد تأثرت حركات التغيير العاملة في الفضاء العربي بالتراث الماركسي اللينيني خاصة بعد نجاح الثورة البلشفية. فاليسار التونسي في هذا المضمار تحديدا سابق ورائد في التنظير للعنف الثوري باعتباره من أصول استراتيجيات التغيير الجذري الدموي الذي تزخر به كراساتهم التنظيمية وأدبهم السياسي. ويكفي التذكير أنّهم كانوا يشنّعون على الإسلاميّين في بداية الثمانينات قبولهم بالعمل تحت سقف القانون والاعتراف بالنظام البورقيبي الكمبرادوري العميل على ما زخرت به بياناتهم في تلك الفترة.

من مفارقات التاريخ والمعنى أن يتحوّل نفس الجيل الذي نظر للعنف والدم إلى مدافع شرس هذه الأيّام عن السلمية في خيانة موصوفة للمرجعيّة الإيديولوجية اليسارية نفسها واستبلاه مخاتل للرأي العام.

بالعودة إلى قصة الاسلاميين وجهازهم الخاص يكفي أن نذكّر هنا أن استهداف دولة التبعية والتجزئة والاستبداد كانت في مرمى كل حركات التغيير في الفضاء العربي منذ نشأتها والاسلاميون لم يكونوا استثناء من هذه الزاوية. فالانقلابات العسكرية بالمبتدى والمنتهى تقليد قومي ويساري شائع شهدنا تصاعد نسقه منذ ما سمّي بثورة الضباط الأحرار بمصر والذي كان في حقيقته انقلابا مهّد لسلسلة من الانقلابات في المنطقة نجح فيها بعث سوريا والعراق والناصريون بالتحالف مع الشيوعيّين في اليمن والسودان وليبيا في افتكاك السلطة وتأسيس أنظمة أكثر دمويّة واستبداد من الأنظمة المحافظة التي انقلبوا عليها، ولم يسجل للإسلاميّين “نجاحا” واحدا في هذا الصدد.

من زاوية التاريخ ثقافة الأجهزة الخاصة واختراق الهياكل الأمنيّة والعسكريّة هو تقليد يساري وقومي راسخ بشواهد الأدبيّات التنظيمية والسياسية والتجربة التاريخية.

وكنا سنكون سعداء لما طرحته الجبهة من سجال على هذا المحور لو أنّها بادرت بنقدها الذاتي واستعرضت تاريخ اختراقاتها للجهاز الأمني والعسكري وفاءا لثوابت تنظيرها الثوري طيلة عقود المواجهة مع دولة القمع العاري بعد الاستقلال.

وكم كان صادما للرأي العام أن تعلن ببساطة السيدة مباركة عواينيّة زوجة الشهيد الابراهمي والنائبة عن الجبهة الشعبية بالبرلمان عن وجود جهاز عسكري ناشط اليوم ومشارك إلى جانب نطام الشبيحة بسوريا.

في وقت كنا ننتظر من الإسلاميّين أن يقولوا شيئا ما عمّا يشاع من امتلاكهم في الثمانينات لجهاز خاص حوكمت أعضاءه في المحاكم السياسيّة الشهيرة بداية التسعينات. فوجئنا بأن طرفا سياسيا فاعلا في المشهد ومشارك في العمليّة السياسية يعترف على لسان نائب بمجلس الشعب بتسليح وتسفير الشبيبة التونسية وإرسالها إلى بؤر الحروب في الشرق الأوسط .

ما نريد أن نخلص إليه أن ما سُمّي بالجهاز الخاص للإسلاميّين – إن وجد – فقد كان جزء من أدوات التغيير الممكنة في عهد النظامين البورقيبي والنوفمبري، فهو ليس اختراعا نهضويّا خاصا بل كان جزء من تقليد سائد لدى حركات التغيير في الفضاء العربي ومصدره التأثر بأدبيات اليسار العالمي والعربي والوطني، فقد كان لخيار السريّة والازدواجية التنظيميّة مقوّمات مشروعيّة مفهومة بقطع النظر عن مقبوليتها، والإسلاميّون كانوا أبناء أوفياء لزمانهم السياسي، ولم يشذّوا عن القاعدة. ولعلهم قد دفعوا بالحاضر والتقسيط مجرّد نيّتهم في استخدام جهازهم، في حين استخدمه القوميّون مثلا في عمليّة قفصة الشهيرة وأراقوا دماء التونسيين، ولا أحد اليوم يطالبهم بالنقد الذاتي والقيام على واجب الذاكرة.

ما جاء في ندوة الجبهويّين ليس بحثا عن حقيقة اغتيال بلعيد والبراهمي وليس انتصارا لواجب الذاكرة بل تصفية حساب بائسة ورغبة قديمة جديدة في التصفية الجسديّة للإسلاميّين في استعادة بائسة لخطاب أجهزة نظام المخلوع يوم نصب المسالخ للإسلاميّين في ذات يوم أسود من تاريخنا السياسي الحديث.

بعد ثورة الحريّة والكرامة ومنجز الديمقراطية المتداعي منها انتفت المصلحة والحاجة ومشروعية الحفر تحت الأرض لتغيير النظام السياسي القائم وهناك من الأطراف من فهمت جيّدا هذا المتغيّر الاستراتيجي في قراءة الموجود السياسي ويبدو أن أطرافا أخرى مازالت سجينة ثقافتها السياسيّة القائمة على الاختراقات وتسخير أجهزة الدولة وهو ما تؤكّده الوثائق التي استعرضتها الجبهة الشعبية في ندوتها والتي من المفترض أن تبقى في ملفّات التحقيق في طورها الابتدائي والقضائي.

إذا ثبت أن النهضة رجحت ممكن التغيير الثوري/ العنيف في مفصل تاريخي موبوء بدولة القمع العاري، ليست سوى تلميذ غير نجيب لذلك اليسار الذي ينفث في نيران التحارب الأهلي اليوم بدعوى حق التاريخ والذاكرة وواجب الحقيقة. وكم يبلغ القبح مداه إذا استحضرنا معنى السمسرة بدم رفاق الجبهويين الذين سقطوا برصاص غدر كشفت الدولة عن المنفّذين والمخطّطين وأعلنت مرارا وتكرارا عمن ضغط على الزناد في انتظار الكشف عن الغرف السوداء في الداخل والخارج التي خطّطت ووجهت عن بعد لإسقاط النهضة أوّلا من الحكم وقد نجحت في ذلك، ولإسقاط التجربة والمسار السياسي الذي أفرزته الثورة ثانيا ولم تنجح.

ربما يفجع الرأي العام أن تلك الغرف لم تكن بعيدة عن النائحين في جنائز المغدورين .

تعليقات
جاري...