موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

العودة لشيطنة الخصوم..
حذاري من المغامرات المجنونة

افتتاحية العدد 83

0 116

– محمد الحمروني –

العودة القوية لشيطنة الخصوم واستهداف بعض الأطراف السياسية التي تعدّ الرافعة الأساسية للانتقال الديمقراطي، وفي هذا التوقيت بالذات، ليس اعتباطيا ولا عفويا، ولا علاقة له بالكشف عن معطيات جديدة لا بخصوص الأجهزة السرية ولا بالاغتيالات السياسية، وإنما هي في علاقة باستحقاقات سياسية قادمة على رأسها انتخابات 2019 ومحاولة قطع الطريق على المرشحين المحتملين للفوز بتلك الانتخابات.

هجمة إعلامية منظمة ومنسقة، وتبادل أدوار بين النقابي والسياسي والإعلامي بتحريك واضح من الغرفة السوداء الحقيقية في البلاد، في محاولة لإعادة انتاج نفس الأجواء التي كادت أن تؤدي بالبلاد إلى حرب أهلية، وهي نفس الأجواء التي كانت مقدمة للاغتيالات السياسية ومن بعدها سلسلة العمليات الإرهابية.

هناك هجمة إعلامية منظمة ومنسقة وتبادل أدوار بين النقابي والسياسي والإعلامي بتحريك واضح من الغرفة السوداء الحقيقية في البلاد، في محاولة لإعادة انتاج نفس الأجواء التي كادت أن تؤدي بالبلاد إلى حرب أهلية..

واللافت في هذه الحملة العودة إلى تركيز الهجوم على شخص رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، مرة بالعودة إلى اتهامه بالاغتيالات، ومرة أخرى باتهامه شخصيا بالاشراف على ما يسمى بالجهاز السري الذي بات في آخر “اعترافات” الجبهة مكونا من خمسة أشخاص فقط يترأسهم الغنوشي شخصيا.. وكل ذلك بهدف شيطنة الرجل بعد أن أصبح وفق ما بينته تطورات الأزمة الحكومية الأخيرة، الشخصية الوازنة التي نجحت في تثبيت الاستقرار السياسي عبر ايجاد توليفة حكومية جديدة، رغم كل التهويلات التي أطلقت من أكثر من جهة وحذّرت من دخول تونس في المجهول إذا ما قطع الشيخ توافقه مع نداء حافظ..

الغنوشي يتعرّض مجّددا لحملة من الاتهامات والتشكيك والشيطنة مع قرب الاستحقاق الانتخابي القادم

لذلك يبدو طبيعيا أن يكون الرجل وحده تقريبا في مرمى حجر خصومه السياسيين، ولكن الذي لا يمكن أن يكون طبيعيا في هذه الهجمة هو خروجها بل انفلاتها كليا عن كل ضوابط الاختلاف السياسي المشروع وتحولها إلى حملة شيطنة بلغت لدى البعض -وهذا موثق في بعض التدوينات الفايسبوكية- حدّ الدعوة إلى التخلّص من هذا الخصم بأي طريقة حتى وإن كانت القتل أو الاغتيال، وهذا أمر على الجميع التوقف عنده واستنكاره والعمل على معاقبة مرتكبيه..

نعم من حق الجبهة أن تناور وأن تستعمل آخر أسلحتها، بما في ذلك استثمار رمزية الشهيدين بلعيد والبراهمي، ولكن ما ليس من حقها مطلقا أن تحوّل هذه الحملة إلى مقدمة للعودة إلى الاغتيالات لا قدر الله، ولكن من اليمين هذه المرة، كما صرّح بذلك سابقا زعيم الجبهة الشعبية حمة الهمامي ..

الهجمة على الغنوشي هي في الحقيقة جزء من مخطط شامل بدأت تتوضح معالمه منذ أن دبّ الخلاف بين النهضة والنداء بقيادة الباجي قائد السبسي واعتقاد البعض أن تلك إذن فرصة مناسبة للعودة إلى سياسات الإرباك والفوضى والاستثمار في الاغتيالات ومحاولات تعطيل الاقتصاد عبر شنّ الاضرابات وتعطيل الانتاج والدعوات غير المسؤولة إلى اسقاط الحكومة وربما ثورة ثانية أطلق عليها الأمين العام لاتحاد الشغل ثورة الجياع.. وهي في الحقيقة ثورة مضادة متواصلة منذ 2011 هدفها إنهاء حلمنا الذي انطلق ذات 17/14 من أجل الانعتاق والحرية والديمقراطية.

ولعل البيانات التي صدرت مؤخرا عن الجبهة وعن الوطد وغيرها من فصائل اليسار الذي بات أقرب إلى الفوضوية، تأكيد على أن الاضراب الذي دعا له الاتحاد لا علاقة له بالأجور ولا بالقدرة الشرائية، إنما هو اضراب الجبهة ونداء حافظ وبقية المكونات التي عادت للمراهنة على الفوضى من جديد..

الجبهة تعود للعزف على نغمة الاغتيالات واتهام خصومها السياسيّين

ما يقع اليوم هو عودة إلى العزف على نغمة الاغتيالات، بدعوى الكشف عن الفاعل أو الفاعلين الحقيقيين، ولكننا في الحقيقة إزاء عودة إلى نفس السياسات التي سبقت الحوار الوطني، وإزاء محاولة لخلط الأوراق من جديد تمهيدا للانتخابات القادمة، بعد أن تبين حسب ما صرّح به نائب من نداء تونس في برنامج تلفزيوني، “أن النهضة هي المستفيد الوحيد من الاستقرار”.. والسؤال الذي يوجّه إلى هؤلاء ما بديلكم عن الاستقرار إذا؟ هل هي الفوضى؟ هل هي العودة إلى سياسة وضع العصا في العجلة؟ هل هي العودة إلى الاغتيالات السياسية؟ ألهذا دعوتم عراب الانقلاب في مصر إلى بلادنا؟

للأسف، فان البعض يتوقع أنه يستطيع أن يفعل اليوم ما عجز عن فعله طوال 8 سنوات.. أو أنه بدعم من قوى الشر في المنطقة يمكنه أن يعيد تجربة مصر أو إدخال البلاد في دوامة من العنف والتقاتل الأهلي على غرار ما حصل ويحصل في ليبيا واليمن وسوريا..

يتوقع هؤلاء نجاحهم هذه المرة في ضرب خصمهم السياسي وعزله واخراجه من السياسية تمهيدا لإخراجه من الوجود أصلا.. ولكنهم لا يدركون أن الأوضاع في البلاد والإقليم وحتى في العالم تغيرت.. وأن التونسي بات أكثر إدراكا للمخططات الشيطانية التي عملت وتعمل على ضرب تجربته الرائدة في الانتقال الديمقراطي..

الجبهة وبقية مكونات اليسار التي كانت بشكل أو بآخر، جزءا من منظومة الحكم في العهد البائد، تشعر اليوم بأنها فقدت نصيبها من الحكم بمفاعيل الثورة، وهي تعتبر أن النهضة هي العائق أمام عودتها إلى لعب الأدوار الوظيفية التي كانت تؤديها من قبل

وجزء من الطبقة السياسية بات أكثر وعيا بهذه التحديات، ولعل مشاركة طرف سياسي هو محسن مرزوق كان يعتبر أن المعركة الايديوولجية هي أم المعارك، وانخراط حزب المبادرة بقيادة كمال مرجان في الحكومة، تشير إلى أن وعيا وطنيا عميقا بضرورة انجاح التجربة وانقاذ البلاد، بدء يتبلور بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة أو الهوس بالمعارك الايديولوجية الدنكيشوطية..

الجبهة وبقية مكونات اليسار التي كانت بشكل أو بآخر، جزءا من منظومة الحكم في العهد البائد، تشعر اليوم بأنها فقدت نصيبها من الحكم بمفاعيل الثورة، وهي تعتبر أن النهضة هي العائق أمام عودتها إلى لعب الأدوار الوظيفية التي كانت تؤديها من قبل، باعتبارها أداة من الأدوات التي استعملها الحكم لضرب ومحاصرة النهضة. اليوم النهضة في الحكم، والحلّ بالنسبة لليسار والجبهة تحديدا هو إعادة النهضة الى وضعها السابق، اي اعتبارها ملفا أمنيا متابعا وملاحقا، وحينها تعود الحاجة إلى اليسار بما يمثله من أدوات للصراع الايديولوجي وأذرع إعلامية ومنظمات مجتمع مدني، لاتمام هذه المهة..

الحل ليس في مواصلة هذه المعركة العبثية، بل القبول بالواقع، كما فعل محسن مرزوق، والإقرار بأن النهضة مكون أساسي من مكونات المجتمع التونسي والمنتظم السياسي لهذا البلد، واعتبار أن الدستور قد حسم الصراع الايديولوجي الهووي

ولكن الجبهة تلعب في الوقت الضائع، والزمن الذي كانت قيادات اليسار تُستعمل فيه لتشويه خصومهم من الإسلاميين والادعاء عليهم بالأشرطة وغيرها، ولّى وانتهى، والحل ليس في مواصلة هذه المعركة العبثية، بل القبول بالواقع، كما فعل محسن مرزوق، والإقرار بأن النهضة مكون أساسي من مكونات المجتمع التونسي والمنتظم السياسي لهذا البلد، واعتبار أن الدستور قد حسم الصراع الايديولوجي الهووي بين التونسيين، وان الفيصل والحكم ليس الاستئصال والاستقواء بالخارج او بادوات الدولة الغليظة بل الدستور والقانون..

عدا ذلك ستكون سياسات وخيارات عبثية ومجنونة، تضرّ أصحابها وتزيد في عزلتهم سياسيا وشعبيا.. وربما تزيد من اضاعة الوقت والجهد على التونسيين، لا اكثر ولا اقل.

تعليقات
جاري...