موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

سنة الآمال والمخاطر .. تطورات المشهد السياسي
بين اجتماع قرطاج ومشروع الشاهد وموقف النهضة

افتتاحيّة العدد 89

0 103

– محمد الحمروني –

جاء اجتماع قرطاج الأخير، في وقت دقيق وحساس للغاية، سواء فيما يتعلق بالاوضاع السياسية المشدودة بشكل كبير، أو الحالة الاجتماعية المتوترة، أو الوضع الأمني الذي يشهد له الجميع بالتحسن، ولكن ذلك لا يعني انتهاء التهديدات الارهابية، ونحن رأينا مؤخرا كيف عاد هذا الإرهاب ليطل براسه من جديد في عدد من مناطق البلاد، مستغلا محاولات إرباك المشهد السياسي في بلادنا.

الاجتماع كان هاما، ووقع تثمينه من أكثر من جهة، لأن البلاد، وهي تواجه جملة المخاطر التي أشرنا إليها، كانت بحاجة إلى عودة “العقل” إلى مؤسسات الدولة الرسمية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، التي وللأسف الشديد بدت في الآونة الأخيرة منخرطة في الصراع السياسي في بلادنا، بل أكثر من ذلك، أعطت من خلال تصريحات بعض المستشارين فيها ومنهم سعيدة قراش، الإنطباع بأن مؤسسسة الرئاسة معنية بتصعيد الأوضاع في البلاد، أكثر مما هي معنية بالحفاظ على الهدوء والاستقرار..

صحيح أن البعض غمز إلى محاولة الرئيس تحميل الاطراف المشاركة في الحكم المسؤولية عن تدهور الاوضاع  وإبعادها عنه وعن ابنه، ولكن الصحيح أيضا أن اللقاء مثل فرصة جديدة لتجاوز حالة العطالة السياسية التي شهدتها البلاد

ومن هنا تحديدا جاءت أهمية ذلك الاجتماع، الذي دعا له الرئيس نفسه، والذي يعتبر وفق القانون والدستور المسؤول الأول عن أمن البلاد والعباد.. ما يعني أن الرئيس أعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل ايقاف (قرطاج 2) وأعاد بذلك مؤسسة الرئاسة إلى حيادها المطلوب تجاه كل الاطراف المتداخلة في العملية السياسية..

لذلك أرسل هذا الاجتماع رسالة ايجابية، ستساعد بكل تأكيد على تهدئة مخاوف التونسيين من “حالة الجنون” التي أصابت وللأسف جزءا من الطبقة السياسية في الفترة الأخيرة. وهي رسالة تبقى ايجابية رغم كل ما قيل ويقال عن اللقاء وما عرفه من شد وشذب، وما انجرّ عنه من مخرجات تبدو للبعض غير واضحة ولا يمكن اعتبارها نتائج ملموسة..

صحيح أن البعض غمز إلى محاولة الرئيس تحميل الاطراف المشاركة في الحكم المسؤولية عن تدهور الاوضاع الاجتماعية والسياسية وما تعرفه البلاد من تحركات وتظاهرات. وصحيح أيضا أن البعض غمز إلى محاولة الرئيس إبعاد المسؤولية عنه وعن ابنه رغم أنهما وفق هؤلاء جزء رئيس من الازمة.. وصحيح أيضا أن هناك من ربط بين العودة إلى طاولة المفاوضات وما قيل عن فشل محاولات الدفع بالبلاد الى الفوضى، ولكن الصحيح أيضا أن اللقاء مثل فرصة جديدة لتجاوز حالة العطالة السياسية التي شهدتها البلاد بعد أن تصاعد الخلاف بين رأسي السلطة التنفيذية وتوقفت قنوات التواصل بينهما، وهذا في حد ذاته انجاز كبير..

هناك أمل لعودة المفاوضات بين الاتحاد والحكومة

اليوم هناك أمل في عودة المفاوضات بين الحكومة والاتحاد، ولان الامر تم بتدخل وطلب من الرئاسة و لأسباب يطول شرحها، فإن الأمل كبير أيضا في أن تنتهي تلك المفاوضات إلى حل، ما يعني تخفيفا كبيرا لحدة الاحتقان في البلاد.. وربما – ربما – فتح صفحة جديدة، عناوينها الرئيسية عودة الدفء للعلاقات بين الباجي والغنوشي، وإيجاد حل للأزمة بين رأسي السلطة التنفيذية.. وقد تلعب حركة النهضة دورا محوريا بهذا الخصوص، خاصة إذا ما نجحت في دفع الشاهد إلى الاسراع في توضيح ملامح مشروعه السياسي في الفترة القادمة، وهو ما ألمحت إليه الحركة من خلال بياناتها الأخيرة، وهو ما اعتبره البعض تغيرا في موقف الحركة من الاستقرار الحكومي..

فالاستقرار الذي دعت له حركة النهضة كان في البداية مشروطا بإعلان الشاهد أنه غير معني بالاستحقاقات الانتخابية القادمة والتركيز فقط على العمل الحكومي.. ثم تطور هذا الموقف في أوج الأزمة مع الباجي إلى الاستغناء عن هذا الشرط، وهو ما قيل صراحة في بعض تصريحات قيادات الحركة. وأخيرا، عادت الحركة لتربط الإستقرار الحكومي بشرط يبدو أن له علاقة بما يقال عن ترأس الشاهد لمشروع سياسي جديد..

ولعلنا نفهم ما ورد في بيانات الحركة الأخيرة من هذه الزاوية: ففي بيان الدورة الرابعة والعشرين لمجلس شورى حركة النهضة التي انعقدت يومي السبت والأحد 22 و23 ديسمبر 2018 أكد المجلس على “أهمية الاستقرار الحكومي لمجابهة المخاطر والتحديات الماثلة وضمان المناخ الملائم لاستكمال المسار الديمقراطي مع الالتزام التام بتحييد أجهزة الدولة ومؤسساتها وفي مقدمتها رئاسة الحكومة عن التوظيف الحزبي”.

يبدو الشيخ راشد الغنوشي مصرا على الحفاظ على أواصر العلاقة مع قرطاج واعتبارها “استراتيجية” مع الانفتاح على علاقة “متوازنة” مع القصبة في انتظار توضيح مشروعها السياسي

وهو نفس ما أكدته الحركة تقريبا وبالحرف، في بيان مكتبها التنفيذي المنعقد يوم الأربعاء 26 ديسمبر 2018 ومما جاء في نقطته الرابعة “تؤكد (الحركة) مجددا على أهمية الاستقرار الحكومي لمجابهة التحديات التنمويّة والأمنية الماثلة، إضافة إلى ضمان المناخ الملائم لإرساء سلم اجتماعية قوامها العدل والقانون .. مع الالتزام التام بتحييد أجهزة الدولة ومؤسساتها عن التوظيف الحزبي”.

وكان لافتا تركيز الحركة على تحييد أجهزة الدولة وفي مقدمتها رئاسة الحكومة عن كل توظيف حزبي.. والواضح أن هذا ليس لغوا ولا ثرثرة ولا هو بالكلام المرسل، بل هي رسالة على أن الحركة تتخذ لنفسها سياسة الخيارات المفتوحة، والشيخ راشد تحديدا يبدو مصرا على الحفاظ على أواصر العلاقة مع قرطاج واعتبارها “استراتيجية” مع الانفتاح على علاقة “متوازنة” مع القصبة في انتظار توضيح مشروعها السياسي.. وبذلك تكون الحركة قد خرجت من الزمن الذي تحدد فيها علاقاتها ومواقفها بصفة ما- قبلية، إلى زمن تتفاعل فيه علاقاتها وتتحدد مواقفها، وفق ما يطرح عليها من مشاريع ووفق تطور مواقف شركائها في الحكم وفي البلاد.. على ان ذلك في إطار من التوافق الوطني الجامع باعتباره الاطار العام الذي تتحرك فيه كل القوى السياسية.. والخيار الأمثل للحكم في هذه المرحلة من انتقالنا الديمقراطي..

هذا على ما يبدو خيار النهضة… فيما يظل التساؤل قائما ونحن في مستهل سنة جديدة مليئة بالامال والمخاطر، عن مشروع رئيس الجمهورية وخياراته المستقبلية، ما بين رئاسة الجمهورية ورئاسة النداء… وكذلك مشروع رئيس الحكومة وهل سيظل رئيسا للحكومة أم سيتفرغ لرئاسة مشروعه السياسي الجديد، وبناء على ذلك ستتحدد بقية المواقف، وبناء على ذلك أيضا ستتحدد ملامح المشهد السياسي في بلادنا في أفق انتخابات 2019.

تعليقات
جاري...