الافتتاحية

آخر حلقات الدفاع عن الفخفاخ..
التطبيع مع الفساد أو إعادة الانتخابات؟

مثّلت تصريحات بعض مكوّنات الائتلاف الحاكم، المهدّدة بالذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها، آخر حلقات المناورة والدفاع عن رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في قضية شبهة الفساد المتعلقة به.

وجاء هذا التطوّر الجديد، بعد لغة التهديد والوعيد، لنفس هذه المكوّنات، التي اعتبرت أن الحكومة باقية ومن يريد أن يغادرها فليفعل، وهي لغة ثبت سريعا تهافتها، لذلك وقع التخلّي عنها والمرور لما اعتبر “بُعبُعا” يمكن أن يخيف حركة النهضة وهو التلويح بانتخابات سابقة لأوانها.

النهضة من جانبها ووفقا لبيان مكتبها التنفيذي تبدو مصرّة على موقفها من حكومة الفخفاخ، ومن شبهة الفساد التي تلاحقه، وهي تعتبر أن “شبهة تضارب المصالح التي تلاحق السيد رئيس الحكومة، أضرّت بصورة الائتلاف الحكومي عموما، بما يستوجب إعادة تقدير الموقف من الحكومة والائتلاف المكون لها، وعرضه على أنظار مجلس الشورى في دورته القادمة لاتخاذ القرار المناسب.”

كما عبّرت النهضة عن انشغالها بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الدقيق الذي تعيشه البلاد والذي يفرض تكاتف جميع القوى الوطنية لتجاوز الأزمة، في مقابل رفض رئيس الحكومة الاستجابة لدعوات توسيع الائتلاف الحكومي بما يجعله أكثر تماسكا وانسجاما وقدرة على مواجهة هذه التحدّيات. وأكّدت “قلقها تجاه حالة التفكك الذي يعيشه الائتلاف الحكومي وغياب التضامن المطلوب ومحاولة بعض شركائها في أكثر من محطة استهدافها والاصطفاف مع قوى التطرف السياسي لتمرير خيارات برلمانية مشبوهة، تحيد بمجلس نواب الشعب عن دوره الحقيقي في خدمة القضايا الوطنية.”

ويبدو موقف النهضة واضحا من خلال هذا البيان، حتى وإن لم تعلن عنه صراحة، وهو رفضها استمرار هذه الحكومة على ما هي عليه من شبهات فساد ومن تفكك حكومي وتواطؤ لبعض مكونات الائتلاف الحاكم مع دعوات الاستئصال والاجتثاث والعودة بالتجربة التونسية إلى مربعات الاستبداد مجدّدا..

تبدو النهضة مصرّة على موقفها وهي تنطلق في ذلك من جملة من القناعات أولها أنها لا يمكن أن تتعايش مع الفساد، حتى وإن كان مجرّد شبهة، ولا يمكن التطبيع مع الفساد بحجة موازين القوة المختلة، أو الخوف من المجهول..

الأمر الثاني أن قواعد النهضة لم تعد لها ثقة في عدد من مكونات الائتلاف الحاكم الذين بان بالكاشف “غدرهم وخيانتهم” خاصة بعد تحالفهم مؤخّرا مع خطابات الحقد والكراهية.

الأمر الثالث، إصرار الفخفاخ، على صلفه واستهتاره بالدولة وبالحكم وبشركائه في الائتلاف الحاكم..

في المقابل لا يزال كل من رئيس الحكومة والتيّار والشعب، يستهينون بإصرار النهضة على موقفها، وهم يعتقدون أن ما تقوم به الحركة ليس سوى مناورة غير قابلة للتنفيذ، وأنها لن تذهب إلى حدّ سحب الثقة أو الانسحاب من الحكومة.. وهم يعولون في ذلك على بعض التحاليل المتذاكية لقرارات وتصريحات ومواقف الحركة الأخيرة، وعلى بعض ما يُسرب لهم من داخل الحركة من بعض أنصار الفخفاخ وأصدقاء التيّار..

وهم في اعتقادي لا يقدّرون حجم الغضب من تصريحات رئيس الحكومة الأخيرة، ولا حجم الوجيعة من خيانة التيّار، ولا حجم الإصرار على رفض التعايش مع الفساد.. وسيكون موعد انعقاد مجلس شورى النهضة القادم، مناسبة لتأكيد هذه المعاني، وللتأكيد على أن النهضة لا تخشى الانتخابات وهي كانت دائما المنتصرة كلما عادت الكلمة للشعب.. وأن الذين عليهم الخشية من الصندوق هم الذين فازوا بأكبر البقايا.. والذين أثبتت الأيام الأخيرة زيف إدّعاءاتهم..

أما النهضة فهي تعتقد أن ما وقع في البلاد في الأسابيع الأخيرة، يؤكد صدق خياراتها، وخاصة فيما تعلق بدعوتها لحكومة وحدة وطنية، إضافة إلى قناعتها بأن ما أثير من قضايا مؤخرا كشف زيف ادعاءات خصومها و”أكل” من شعبيتهم مقابل حفاظها هي على الأقل شعبيتها إن لم يكن ارتفاعها وهذا ما تؤشر عليه المعطيات في الواقع وتؤكده عمليات سبر الآراء..

لذلك فإن مقايضة سكوت النهضة على الفساد ومحاولة دفعها للتعايش معه، بالذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها، لن يمر كما أعتقد.. ومخرجات مجلس الشورى القادم يجب أن لا تنزل تحت السقف الذي حدّده بيان المكتب التنفيذي الأخير..  فالنهضة أمام فرصة مناسبة كي تعيد ضبط الموازين التي اختلت في حكومة الفخفاخ.. وأن تصلح الأعطاب التي شابتها منذ تشكلها، أو أن تذهب إلى انتخابات سابقة لأوانها يمكن أن تعيد ترتيب المشهد من جديد، وستكون النهضة في جميع الحالات أكبر المستفيدين.

وقيادات كثيرة من النهضة تعتقد أن الوضع لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه، وهي ترفض أن يقع التعامل مع قضية بحجم الاتهامات التي توجه للفخفاخ وكأنّها قضية عابرة أو تافهة، ولا تستحق حتى مجرّد التوقّف عندها، كل ذلك من أجل بقاء بعض المكوّنات التي صعدت إلى المشهد الحكومي صدفة، وهي تعمل على تأبيد وضعها في الحكومة ووضع اليد على مفاصل الدولة بأي ثمن، حتى وإن أدّى الأمر إلى تبرير الفساد والتحالف مع الفاشية واستبعاد القوى الفائزة بالأغلبية في الانتخابات الأخيرة.

لذلك فإن ذهاب حكومة الفخفاخ، سواء بالاستقالة وإعادة الأمر إلى رئاسة الجمهورية، أو  سحب الثقة وإعادة الأمر للبرلمان، أفضل من استمرارها بهذا الوضع الذي يجعلها ويجعل رئيسها على درجة من الضعف بحيث يكون قابلا للابتزاز من قبل الجميع، وهذا ما تريده الأطراف التي تعتبر أن الحكم غنيمة وفرصة لن تتكرّر للبقاء وللأبد في السلطة دون أي رصيد انتخابي يسمح لها بذلك.

وفي جميع الحالات فان هذه الحكومة ستسقط، إن لم يكن اليوم فبعد بضعة اسابيع، لأنّها لا تملك مقومات الاستمرار، وشبهات الفساد قوية والفخفاخ وفق الكثير من المحللين والمتابعين انتهى سياسيا بغض النظر عن نتائج التحقيقات الجارية الآن سواء البرلمانية أو الحكومية أو القضائية.

تونس لن تحتمل أشهرا أخرى من عدم الاستقرار وغياب الوضوح بخصوص مصير ومآل الحكومة ورئيسها، أالاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي زادتها تداعيات أزمة كورونا صعوبة، لن تنتظر حتى يقرر الفخفاخ “التزحزح” عن مواقفه ومواجهة الاتهامات الموجهة له بالشجاعة المطلوبة.

وفي جميع الحالات لا بد من حل سواء باستقالة الفخفاخ أو إقالته أو الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها، والأمر أصبح ملحا وعاجلا،  بل وحياتيا لتونس وللتونسيين.. فهل تملك الأطراف التي تهدّد بالانتخابات الجرأة على العودة إلى الشعب وتحكيم الصندوق من جديد؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق