راي رئيسي

أجندة إسقاط التجربة التونسية في الذكرى العاشرة للثورة.. الخيط الناظم

(1)

من المؤكد أن متابعينا وقراءنا يعلمون علم اليقين أننا ومن خلال مقالاتنا الأسبوعية من أشد المحللين نقدا للأوضاع السائدة، ومن أشد المستائين من الفشل الذريع للتجربة التونسية في علاقة بالملفين الاقتصادي والاجتماعي خاصة، ومن أشدّ الغاضبين على ما آلت إليه الأوضاع ببلادنا عشر سنوات بعد الثورة، منحازين في ذلك لتلك الجهات المفقّرة التي أهملتها دولة الاستقلال ووضعتها على هامش الخارطة، ولآلاف العائلات التونسية المفقّرة التي تعاني من ضيق ذات اليد ولمئات الآلاف من شباب البلاد الذين عيل صبرهم في انتظار مواطن شغل تقيهم مذلّة السؤال، ومذلة اليد السفلى التي تنظر بكل لهفة ملامسة ورقة نقدية هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، ومخاطر التورّط في الحلول اليائسة حين تستوي في أعينهم معادلة الحياة والفناء ويكونون عندها لقمة سائغة في أفواه مافيات المخدرات والحرقة أو في أيدي عصابات الدم والإرهاب.

من المؤكد أيضا أن المطالبة بالحقوق المشروعة من تنمية وتشغيل وإنصاف وعدالة اجتماعية وتمييز إيجابي للمناطق المحرومة وأولوية الجهات التي تحتوي على ثروات باطنية وطنية في الاستفادة من مداخيلها لا يمكن أن تكون جميعها إلا محلّ تقدير وتقديس واحترام لأنها ليست فقط حقوقا أساسية نص عليها الدستور، بل لأنها أيضا من أهم مجلوبات الثورة واستحقاقاتها، ولأن تجريم الاحتجاج الاجتماعي مناقض تماما للمبادئ التي جاءت بها الثورة بل لعلها مقوّم أساسي من مقوّماتها وحدّ أدنى من مكتسباتها، كما أن من ينكر الحق في التظاهر السلمي والاحتجاج السياسي وكل التحرّكات الشعبية، هو بالضرورة ضد أشكال التعبير عن آراء الشارع ومطالبه وضد ثقافة الاحتجاج الشعبي وضد الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق الانسان التي يجب المحافظة عليها والعمل على دعمها بكافة الوسائل القانونية والسلمية فضلا عن أن أي تبرّم لحكومة ما من منسوب الاحتجاجات دليل على عدم تقبّلها وعدم قدرتها على تغيير سياساتها باعتبار أن التظاهر استفتاء مستمر على سياسة الحكومة ومصدر ضغط عليها لتغيير توجهاتها، وكلما كانت أكثر تبرّما من ذلك كانت أسرع لقمع المظاهرات وكافة مظاهر الاحتجاج.

 

(2)

…وبالمقابل، من المريب حقا أن تتصاعد الاحتجاجات والتوترات والإضرابات منذ أكثر من شهر في كل مكان، وفي جلّ القطاعات وخاصة الحسّاسة منها، رافعة في الآن ذاته سقوفا عالية من المطالب، رغم وعي القائمين عليها بدقة الأوضاع المالية والصحية وهشاشة الوضع السياسي بالبلاد.

قطاع القضاة، القطاع المناضل، وأحد أركان السلطة بالبلاد يخوض منذ 16 نوفمبر الماضي إضرابا متواصلا دفاعا عن استحقاقات لا تراجع عنها وفق تصريحات أعضاء جمعيتهم ونقابتهم، استحقاقات تشريعية ومالية وصحية، هي جملة المطالب التي صعّد من أجلها القضاة احتجاجاتهم، ويواصلون على إثرها خوض الإضراب العام.

وتتمثل الاستحقاقات التشريعية في صوغ القانون الأساسي للقضاة يكون بديلا للقانون الحالي الذي يعود لسنة 1967 والذي لم يعد متلائما وحاجات المهنة المعاصرة.

كما يطالب القضاة بصوغ قانون لجهاز تفقد الشؤون القضائية الذي يعود إليه أمر محاسبة القضاة في صورة ارتكابهم مخالفات أو تجاوزات قانونية يكون تحت إشراف المجلس الأعلى للقضاء مستقلا عن وزارة العدل والسلطة التنفيذية.

المطالب المالية تعدّ أيضا وفق نقابة القضاة وجمعيتهم استحقاقاً ملحاً لما يوفّره لمنتسبي القطاع من أمان اجتماعي يضمن لهم حداً أدنى من الاستقلالية في مواجهة الإغراءات التي قد تسيء إلى ميزان العدالة مؤكدين أن إحصائيات جمعتها جمعية القضاة التونسيين تؤكد أن القاضي التونسي هو الأدنى أجراً في المغرب العربي مقارنة بالمغرب وليبيا والجزائر ناهيك عن دول الجوار الأوروبية فضلا عن أن القاضي التونسي مطالب بالانكباب على النظر في معدل أكثر من 130 ملفاً شهرياً دون احتساب للساعات الإضافية التي يمضيها من أجل واجبه ذاك.

إضراب القضاة، الأطول في تاريخ هذا المرفق الحيوي، تسبب في حالة من الإرباك والاحتجاج وتعطيل مصالح المواطنين وادى إلى إطالة مدى إبقاء مئات الموقوفين داخل السجون أسابيع إضافية للحصول على أحكامهم.

وقد عبّر المحامون عن مخاوف من تأثير إضراب القضاة على المرفق القضائي والسلم الأهلي في البلاد في غياب أفق لحلحلة الأزمة خاصة بعد الإعلان عن تواصل الإضراب وأكد عميد المحامين أن تواصل الشلل التام في كافة محاكم البلاد لأكثر من 10 أيام يهيء لتمرّد المتقاضين وإمكانية مرورهم إلى ردود فعل عنيفة نتيجة تأجيل قضاياهم وإمكانية إهدار حقوقهم لا سيما ما يتعلّق منها بالقضايا الاستعجالية، مضيفا أن الموقوفين على ذمّة قضايا جناحية يتم الفصل فيها عادة في 48 ساعة على أقصى تقدير بصدد قضاء عقوبة سجنية اضطرارية مفتوحة إلى حين انتهاء إضراب القضاة معتبرا أن في الأمر مساسا بالحقوق الدستورية للمواطنين.

كما طالب عميد المحامين بفتح حوار وطني شامل حول إصلاح مرفق القضاء، تشارك فيه كل الهياكل المهنية والمنظمات المدنية المعنية من أجل شراكة فاعلة في إقامة العدل، مشيرا إلى أن تواصل هذا الوضع قد يؤدي إلى هدم أسس الدولة وتقويض أسس البناء الديمقراطي.

ويتعلل محامون وحقوقيون كثر بما ورد بالفصل 18 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلّق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة والذي ينص على التحجير البات لإضراب أعضاء السّلك القضائي والقيام بأي عمل جماعي مدبّر من شأنه إدخال اضطراب على سير العمل بالمحاكم أو عرقلته أو تعطيله معللين بأننا حين نتحدث عن القضاء فنحن نتحدث عن سلطة قضائية لا عن مجرد موظفين في إدارة، فهل من حق السلطة أن تضرب؟

وهل يمكن تخيّل إضراب رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو أعضائها عن العمل بصفتهم يمثلون السلطة التنفيذية؟ قطعاً لا، وقياسا على ذلك لا يمكن القضاة بصفتهم ممثلين للسلطة القضائية الإضراب على حدّ قول الرافضين لإضراب القضاة من المحامين خاصة.

 

(3)

مباشرة إثر نجاح أنموذج الكامور الذي أخضع حكومة المشيشي إلى مشيئته، تحوّل نظريا إلى تنظيم يفاوض ويستقوي على الدولة بمشروعية التسمية “تنسيقية”، وكذلك بقدرته على التحشيد والتنظيم والاحتجاج، وبات أنموذجا يستحق المحاكاة والتعميم، فانتشرت بشكل لافت سريع ظاهرة التنسيقيات في كافة أرجاء البلاد للمطالبة بالتشغيل والتنمية والحقّ في الثروات الباطنية تزامنا مع انتشار مدروس لصفحات ومجموعات على الفايسبوك، كان جلّها إن لم نقل كلّها متواجدا في الفضاء الأزرق منذ سنة 2019، مرادفا لحملة الرئيس قيس سعيد خلال الانتخابات الرئاسية تحت مسمّيات متعدّدة على غرار الشعب يريد، وأنصار قيس سعيد، تحوّل بقدرة قادر وبشكل أوركسترالي موجه إلى تنسيقيات، تسندها مجموعات مغلقة بنفس التسميات وبنفس الخط التحريري وبإدارة 3 أو 4 أشخاص ممن قادوا حملة سعيد الرئاسية.

ولئن كان استهجان الأحزاب السياسية لظاهرة التنسيقيات وتوجّسها منها مفهوما لخشيتها من توظيفها في مشروع سياسي ما يقف وراءها، فإن المنظمة الشغيلة الحاضن الأبرز للتحرّكات الاحتجاجية والقاطرة التي تقود المفاوضات الاجتماعية مع الدولة رفضت وبشدة هي الأخرى هذه ظاهرة وعبرت بوضوح عن عدم قبولها بأي تحرّك ينجر عنه تعطل الانتاج ومصالح الدولة والمواطنين لما في ذلك من تبعات تنعكس على صورة الاتحاد الذي اعتبر أمينه العام نور الدين الطبوبي أن التنسيقيات وما يسمى باللجان الشعبية مخطّط لها وخطاباتها توحي بأنّ وراءها أطرافا سياسية مشددا على أن المنظمة الشغيلة لن تبقى متفرجة على انهيار مؤسسات الدولة وضعفها الذي ألقى بظلاله على الوضع الاجتماعي.

 

(4)

في ظلّ الصمت المريب والموقف السلبي للرئيس، وفي ظلّ عديد المؤشرات نستخلص أن طرفا ما يقف وراء التحركات الأخيرة والاحتجاجات التي تعم مختلف مناطق البلاد.

بصمات كثيرة فيه تؤكد أنها تحركات مدروسة بأهداف واضحة المعالم تصبّ كلها في خانة تنفيذ أجندة رئيس الجمهورية لبرنامجه عبر آليات غير مشروعة وتنسيقيات تعمل على استغلال حالة الأزمة التي تمرّ بها البلاد لتفكيك الدولة وإضعافها تحقيقا لأهداف سياسية تسرع من تحقيق الحلم الطوباوي للرئيس ومحيطه على حساب استقرار البلاد وأمنها.

إن الوضع الصعب الذي تمرّ به البلاد، وما يتزامن معه من إضراب تاريخي لسلطة على بقية السلطات التي تشرف على دواليب الدولة، ووقوف أطراف مقربة من الرئيس المنتخب وراء انتشار التنسيقيات التي تشل أهم المرافق الحيوية بالبلاد، ودعوات بعض السياسيين الموتورين على غرار محمد عبّو والصادق شعبان رئيس الدولة للانقلاب على الدستور وتغيير قواعد اللعبة السياسية باستعمال القوّة، وعودة ظهور العمليات الإرهابية الدموية، والإشهار السياسي المفضوح للحزب الفاشي في بعض وسائل الإعلام ومؤسسات سبر الآراء، يؤشر لوجود خيط ناظم يعمل على إسقاط التجربة التونسية على مشارف الذكرى العاشرة للثورة تحت مسميات ومسوغات ظاهرها مشروع وباطنها فوضوي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق