راي رئيسيغير مصنف

أحمد المستيري..
أحد آباء الديمقراطية وآخر آباء الثورة في ذمة الله..

كنت آنذاك حدثا، أتطلع مع أبناء جيلي إلى أن نتنفس هواء بنكهة وعبق الحريّة والديمقراطية التي ظلّت حلما عصيّا على أجيال من التونسيين الذين ولدوا في دولة الاستقلال، دولة الرئيس الواحد، فخامة الرئيس المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة، ودولة “يا سّيد الأسياد يا حبيبي بورقيبة الغالي، يا مخلّص البلاد محال ننسى فضلك من بالي”، دولة الحزب الاشتراكي الدستوري التي تجرّم كل فكرة أو مقولة أخرى لا تسبح بحمد الزعيم الأوحد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه “فهمت الحاصل معناها”، وإن لم تفهم الحاصل فمعنى ذلك أن لا مكان لك تحت الشمس التي هي ملك مصادر للرئيس ووزرائه وللجنة المركزية للحزب وللجان التنسيق الحزبي وللشعب والجامعات الدستورية.

الشمس شمسه، والبحر بحره والدولة دولته والتلفزة تلفزته والصحف صحفه لا تصدر إلا إذا كانت صورته في موقع بارز من صفحتها الأولى. بل أن الأخبار وعلى امتداد الصائفة لا تنطلق إلا بتقرير مصور لفخامته وهو يسبح و”يتبحبح” وشعبه الوفي الذي يتلظى بنيران شمس أوسو الحارقة يكتفي بالاستمتاع بمشاهدته، فتنزل عليه صورته وحركاته وهو يسبح على صدره وظهره ولون تبانه الأبيض ومنشفته ناصعة البياض بردا وسلاما.

توجيهات سيادته المستقطعة من خطاباته التي يتغزل فيها بذاته وتجربته وفضله وكفاحه واتصاله المباشر، وعكاظيات الاحتفال بعيد ميلاده الذي يدوم كامل شهر أوت من كل سنة كانت وجبة كاملة الدسم بمدائحها وأذكارها ورقصها وأغانيها وقصائدها المدحية للذات البورقيبية تتداول عليها كل ولايات الجمهورية، وكان لا مناص للتونسيين من استهلاكها بمذاق وجبة الراقو في السجون والمحتشدات التي إن لم تمتع بها أحشاءك لا تجد ما تستهلك غيرها.

في تلك المناخات، كان عجبا، ومعجزة، وجرأة لا مثيل لها أن يعلن أحدهم عن شقّ عصا الطاعة على الزعيم، وأن يغادر حزبه معلنا عن تأسيس حزب آخر، فمن جرّبوا ذلك كانت مصائرهم القبور والاغتيالات، والمحاكمات، والسجون، والأقبية وصباط الظلام والاتهام بالخيانة العظمى وتدبير الانقلابات.

أحمد المستيري سليل العائلة الأرستقراطية، والوزير الذي تقلّب في عديد المسؤوليات منذ أول حكومة بعد الاستقلال، كان بإمكانه أن ينعم بفخامة السلطة والحياة الرغيدة والعيش في ظل الزعيم، ولكنه اختار طريقا آخر أكثر صعوبة وتضحيات، طريق العظماء الذين ينحتون أسماء في تاريخ شعوبهم بأحرف من ذهب.. كانت له الجرأة والشجاعة لأن يفعل ذلك يوم 10 جوان 1978، حين أعلن رفقة مجموعة من رفاقه الذين كانوا ينتمون إلى الحزب الاشتراكي الدستوري عن تأسيس حركة أطلقوا عليها “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين” بسبب اختلافهم مع الخط العام للحزب بعد أن كانوا حظوا بتأييد خلال مؤتمره المنعقد سنة 1971، والذي تم الانقلاب على نتائجه في مؤتمر 1974، واستبعاده ومن معه آنذاك (محمد مواعدة، مصطفى بن جعفر، إسماعيل بولحية، حمودة بن سلامة، عبد الستار العجمي، الدالي الجازي، عمر بن محمود وعبد الحي شويخة).

أعلن أحمد المستيري أن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين تهدف إلى “صيانة كرامة المواطن والدفاع عن حقوقه الأساسية وحرياته العامة مع الذود عن النظام الجمهوري، وجعل الديمقراطية أساس الحياة العمومية في البلاد، وإقرار نظام اشتراكي يرفض استغلال الإنسان للإنسان ويجعل التنمية الاقتصادية في خدمة العدالة الاجتماعية، والعمل على تشييد المغرب العربي الكبير كمرحلة نحو الوحدة العربية”.

في 29 ديسمبر 1977 صدرت صحيفة “الرأي” لسان حال المجموعة المؤسسة للحركة التي كانت أيضا وراء تأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وقد عززت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وجودها على الساحة بإصدار صحيفتين إحداهما بالعربية هي (المستقبل) بداية من غرة ديسمبر 1980 والثانية بالفرنسية تحت عنوان (L’Avenir) بعد حوالي سنة، بداية من أكتوبر 1981.

الحديث عن الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان كان آنذاك ترفا غير مسموح به، ومعجما جديدا يتم تداوله في الساحة التونسية، وكذا كان ظهور صحف تتحدث بمنطق آخر وبخط تحريري يختلف عن صحف العمل والصباح، وتجرؤ على إيراد أخبار من قبيل إدانة التضييق على الحريات وتدين الاعتداء على المواطنين وتدعو إلى التزام التونسي بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

ولا يمكن لأحد أن يجرؤ على إنكار مسألة بالغة الأهمية، وتحول كبير في البلاد يتمثل في فضل أحمد المستيري ومن معه في خلع باب كان مغلقا، هو باب التعددية السياسية وحق التونسيين في التنظم وحرية التعبير، بل لعل من أهم تمظهرات هذا التحول إعلان حركة الاتجاه الإسلامي عن وجودها في 6 جوان 1981 وتقديمها لطلب الحصول على تأشيرة قانونية.

الحدث القادح الأبرز الذي كان فيه لأحمد المستيري ورفاقه دور هام وبصمة جلية وحضور بهي يتمثل في المشاركة في انتخابات 1981، انتخابات الحناء التي استحالت فيها أوراق حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الخضراء إلى أوراق الحزب الاشتراكي الدستوري الحمراء بمفعول التدليس الواسع الذي أقدم عليه أعضاء المكاتب الانتخابية وأعضاء الشعب والعمد بإيعاز من دار الحزب ووزارة الداخلية التي كانت تشرف على الانتخابات.

لقد أقبلت نسبة كبيرة من التونسيين خاصة منهم أبناء المناطق الداخلية التي تسكنها دوما ومنذ فجر التاريخ نزعة الرفض والمعارضة السلطة المركزية، بالإضافة إلى أبناء العائلات المثقفة والجامعيون والطلبة على التصويت بكثافة على الورقة الخضراء طامحين بذلك أن تتلقى البلاد الضوء الأخضر للانعتاق من ربقة الحزب الواحد إلى رحاب الديمقراطية والتعددية، ولكن أركان النظام البورقيبي كان لها رأي آخر، فأشعلت الضوء الأحمر، وأعلنتها رفضا قطعيا لأي مظهر من مظاهر الانفتاح السياسي خاصة وهي منشغلة بمعركة الخلافة، خلافة بورقيبة الذي شاخ وهرم وبدأ الزهايمر والباركينسون يؤثران على سلوكاته ومواقفه وبدأ ذئاب الحزب يضيقون عليه دوائر التواصل ويصوغون مواقفه استبعادا وتقريبا بحسب مصالحهم وتحالفاتهم ومخططاتهم وفوتوا على البلاد فرصة حقيقية يغادر منها بورقيبة الحياة السياسية من الباب الكبير لا ذليلا صاغرا منفيا وحيدا في قصر صقانص بمدينة المنستير.

يقول Francis Ghliles  أحد أهم الباحثين في مركز برشلونة للشؤون الدولية متحدثا عن تلك الفترة، وعن أحمد المستيري: “لقد فهم أحمد المستيري رائد الديمقراطية في تونس جيدا أن استبداد بورقيبة (المستنير) لن يدوم طويلا بسبب الرفض الشعبي المتزايد للحكم المطلق… إن تونس تدفع اليوم ثمنا باهظا لحكم بورقيبة التعسفي لا سيما في العقد الأخير من حكمه. كان من الممكن أن تكون البلاد أكثر أمانا لو أن أحمد المستيري قد خلف بورقيبة خلال حياته وأطلق انتقالا ديمقراطيا كانت تونس في حاجة إليه… كان من الممكن أن تنجو البلاد من اضطرابات كثيرة كان من الممكن تفاديها خصوصا مع الحكم الاستبدادي الذي تلا تلك الفترة ودام طويلا”.

إن أحمد المستيري الذي نشأ في عائلة عريقة من عوائل الحاضرة ودرس القانون بباريس وانخرط مبكرا في الحقلين النقابي والسياسي وكان في فترة اندلاع الثورة المسلحة، وفي غياب قادة الحزب أحد المسؤولين على تنظيم المقاومة. عينه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وزيرا للعدل في أول حكومة إثر الاستقلال وكان أحد أبرز المساهمين في إعداد مجلة الأحوال الشخصية ثم تقلب في عدة مناصب هامة من أبرزها وزارتي الدفاع والمالية قبل أن يلتحق بالعمل في الحقل الديبلوماسي من سنة 1960 الى 1966 سفيرا بالاتحاد السوفياتي ثم بمصر فالجزائر الشقيقة غداة استقلالها إلى أن عين كاتبا للدولة للدفاع الوطني في جوان 1966. وقد كانت المحطة السوفياتية فرصة أتاحت لأحمد المستيري الاطلاع على مساوئ الحكم الفردي الكلياني واستئثار الطبقة الحاكمة بالثروات في مجتمع مقموع ومستضعف مجبر على العيش وفق قيم الاشتراكية المطلقة.

وحين انتقل إلى مصر في فترة كانت العلاقات بينها وبين تونس شديدة التوتر بسبب الخلافات بين بورقيبة وجمال عبد الناصر. أما المحطة الجزائرية فكان خلالها شاهدا على الصراعات والتجاذبات التي نشأت بين القيادتين السياسية والعسكرية وما حف بها من ارتجال وارتباك انعكسا سلبا على استقرار الأوضاع بالجزائر وعلى العلاقات الثنائية بينها وبين تونس التي تجلت خاصة في الخلاف حول رسم الحدود بين البلدين وما عرف بأزمة العلامة 231.

تلك الفترة الهامة من تجربة رجل الدولة أحمد المستيري تبدو جد مؤثرة في مسيرته، بل لعلها زادته قناعة بتلازم البعدين السياسي والاقتصادي في كل عمل تنموي في البلدان حديثة العهد بالاستقلال وبالنهج الديمقراطي والخيار الاشتراكي على وجه الخصوص وهو  ما عبر عنه بوضوح اسم الحركة التي أسسها “الديمقراطيون الاشتراكيون”.

أب الديمقراطية التونسية سيد أحمد المستيري انقطع منذ فيفري 1992 وتزامنا مع حالة الانغلاق السياسي والحملات القمعية التي قادها نظام بن علي ضد كل معارضيه لاسيما منهم الإسلاميون، انقطع عن كل فعل سياسي ولكنه لم ينقطع عن السياسة وظل متابعا لكل ما يجري في تونس وخارجها حتى جاءت الثورة التي باركها وساهم بوفاقيته ومواقفه الوسطية في إنجاحها قبل أن تحرم البلاد من خبراته ومواهبه وقدراته على تسيير الدولة، وتجلّى ذلك بصفة خاصة من خلال رفض مقترح حركة النهضة بتكليفه برئاسة الحكومة التي تخلف حكومة علي العريض خلال الحوار الوطني سنة 2013.

أحمد المستيري رجل الدولة وأب الديمقراطية التونسية وآخر آباء هذه الثورة، ارتقى إلى بارئه يوم الأحد 23 ماي 2021 عن سن تناهز السادسة والتسعين مخلفا وراءه إرثا وأيادي بيضاء على البلاد لا ريب أن التاريخ سيعود لها بالدراسة والمتابعة حتى يفي الرجل ما يستحق من تكريم وإنصاف واعتراف بالجميل، وإنما الرجل حديث بعده.

رحم الله سيد أحمد المستيري وغفر له ورزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق