الافتتاحية

أربع سنوات على انطلاق “الرأي العام”..
ويتواصل الحلم.. وتتواصل المعركة..

أربع سنوات مرت الآن على انطلاق تجربتنا الفريدة والمتميزة في الصحافة المكتوبة تحت عنوان “الرأي العام”.. خضنا خلالها أُم المعارك بعد الثورة وهي المعركة الاعلامية، رغم ضعف الموارد ومحدودية الإمكانيات والمحاصرة، وأنجزنا المهمة كما نعتقد ولا زلنا مواصلين..  أربع سنوات لعلها الأصعب في مسيرتنا المهنية، التي انطلقت بداية الالفية الجديدة، ولم ترهقنا خلالها مقارعة الظلم زمن الاستبداد، ولم تضعف من عزائمنا قوى الثورة المضادة بعد 2011، إلى الآن..  قارعنا خلال هذه الفترة مع ثلة قليلة من الصحافيين الشجعان بل والأبطال، آلة التضليل النوفمبرية، التي كانت حينها تهزأ بنا.. ثم قامت الثورة، وخلنا أن مجال الحريات الاعلامية الذي انفتح على مصراعيه، سيضع حدا لصراعنا المرير مع المنظومة القديمة، وكنا نخال حينها أن الثورة مثلت حدا فاصلا نهائيا بين فترتين، ولكننا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام نفس المشاهد سنوات 2004 و2005 و2009.. أي نفس الآلة الاعلامية تتخذ أشكالا جديدة، وتتسلّح بإمكانات مالية أكبر، وبوقاحة أشد، ونجد أنفسنا مرة أخرى مع ثلة قليلة من الإعلاميين نتصدى لها بإمكانات وقدرات تكاد تكون معدومة..

 

1

أربع سنوات وازدادت ستا.. مثلت مرحلة جديدة وفارقة في تاريخ الصحافة الحرة المناضلة في بلادنا بعد الثورة، وشكلت امتدادا لتجارب رائدة بدأت بــــ”الرأي” في الثمانينات ولم تنته بــــ “الموقف” خلال السنوات التي سبقت قيام الثورة.. مرحلة فارقة وامتداد لهذه التجارب وإن بأشكال مختلفة بحكم اختلاف السياقات ولكننا حافظنا على روح وجوهر تلك المشاريع وأهدافها الكبرى وهي مشروع الحرية والديمقراطية والقبول بالاختلاف والتنوع ومناهضة الاستبداد..  ولازلنا إلى اليوم نصارع من أجل نفس هذه الأهداف الكبرى لشعبنا وثورتنا وخلال هذه المسيرة عرفت بلادنا محطات فارقة، كان دورنا فيها محوريا منها:

*  حكم الترويكا: وما عرفته منظومة الحكم حينها من تردد وخوف، رغم أنها كانت مسنودة بزخم ثوري هادر، ورصيد نضالي واسع، وشرعية انتخابية كبيرة، ولكن القائمين على شؤون الحكم أهدروا كل تلك “الفرص” والأرصدة والشرعيات، ووضعوا ثورتنا على طريق الارتباك والتردد والتنازل..  يومها كتبنا عن الأيادي المرتعشة، وعن منظومة الفشل، ونقدنا إخوتنا نقدا شديدا حتى غضب بعضهم منا ولا يزال، وحتى حاول بعضهم شراء مؤسستنا الاعلامية لإسكات صوتنا..

*  اغتيال بلعيد: ثم بدأت محاولات الانقلاب على المسار، وشنّ أعداء الثورة حملات سياسية وإعلامية هوجاء، ودخلوا في اعتصامات ودعوا إلى اسقاط منظومة الحكم التي تشكلت بعد انتخابات سنة 2011، وصولا إلى اعتصام الروز بالفاكهة، والاغتيالات وخاصة منها اغتيال بلعيد وكنا حينها الصوت الوحيد تقريبا المنافح عن الثورة برؤية واضحة وفهم صحيح لطبيعة المعركة و”ضروراتها”، وكان عدد جريدة “الضمير” الذي صدر مباشرة بعد اغتيال بلعيد والغلاف الذي توشح به، فارقا في كشف مخططات الأعداء، وامتصاص “الصدمة” التي كان البعض يريد إحداثها في البلاد.. وأكدنا في ذلك العدد على أن الرصاصات التي أصابت بلعيد كانت موجهة إلى قلب الثورة.. وهو ما أكدته الأيام فيما بعد .. وخاصة بعد تصريحات فوزي بن مراد..

*  التوافق: وكان وصولنا إلى محطة 2014 نجاحا في حد ذاته لأن خصوم الثورة لم تكن لديهم الرغبة في خوض الانتخابات، أولا، لأن مخططاتهم كلها كانت مبنية على الارباك والفوضى وإسقاط التجربة، ولم يكونوا مستعدين لذلك الموعد الانتخابي، ثانيا، لأن قناعتهم كانت كبيرة حينها بأن النهضة ستكون الفائزة.

ثالثا، لأنهم يعلمون أن نجاح المحطات الانتخابية هو تكريس للنهج الديمقراطي في البلاد وللتداول السلمي على السلطة، وهم يخشون من تكريس هذه الثقافة في البلاد لأنها جوهر الانتقال الديمقراطي.

نتائج الانتخابات أفرزت حينها تركيبة متوازنة بين النهضة والنداء، الذي كان يمثل المنظومة القديمة وحلفائها من الثوريين وغيرهم.. وفشلت المحاولة الأولى لتشكيل الحكومة، وكان واضحا أننا نتجه إلى تعايش بين الحزبين الكبيرين.. وهو الأمر الذي كان واضحا منذ لقاء باريس بين الشيخين الاستاذ راشد الغنوشي والاستاذ الباجي قائد السبسي رحمه الله.. لكن التوافق لم يكن ليقبل بسهولة لدى جمهور الثورة، ولدى أبناء حركة النهضة، لذلك رفضته غالبية قواعد الحركة في البداية، وكان الدور الذي لعبته “الضمير” محوريا في توضيح وتفسير الأبعاد السياسية للتوافق والدفاع عن إيجابيته كخيار وحيد حينها لتجنيب بلادنا التحارب الأهلي..

دافعنا بشراسة على ذلك الخيار وعلى سي الباجي رحمه الله وعلى الغنوشي الذي استهدف بسبب ذلك، حتى شُنت علينا حملات شرسة وحاول البعض تشويهنا واتهمنا بالانطباح.. ولم ينتبه إخوتنا وأصدقائنا إلى صوابية ذلك الخيار إلا بعد أن رفض الباجي الانخراط في الأجندات الاماراتية وقام بإعادة السيارة التي أهدته إياها، ويوما بعد يوم تزداد قناعتهم بصوابية ذلك الخيار، حتى أن البعض ممن كان يلومنا أصبحوا وأمام ما نراه من عبث في مؤسسة الرئاسة يترحم على سي الباجي غفر الله لنا وله..

 

2

وإضافة إلى كشف مخططات الخصوم وبيان تهافت حججهم، خضنا معارك تكتيكية دقيقة ساهمت في إضعاف الخصوم وصناعة توجه سياسي عام مناصر لانتقالنا الديمقراطي وبعيد عن خيارات بعض القوى الإقليمية المعادية لثورتنا.. ونجحنا في افشال العديد من الخطط، وخاصة محاولة البعض إعادة البلاد إلى معارك الاستقطاب الثنائي ومحاولة عزل قوى الثورة والاستفراد بكل واحدة منها على حدة.. كانت معاركنا دقيقة وحساسة ونجحنا فيها بأقدار كبيرة والفضل الأكبر في ذلك لمجموعة من الاخوة والاصدقاء شكلنا فريقا كان قادرا على التأثير في الرأي العام وصناعته، وإنارة أصحاب القرار في أعلى مستوى من الدولة.. وكان عملنا على غاية من العمق والفهم الدقيق لمتطلبات المرحلة ما جعل من المادة التي تكتب في الرأي العام أو ما سبقها من تجارب، تحظى باهتمام أعلى هرم الدولة، حتى أن بعض الاصدقاء اكدوا لي أن سي الباجي كان يوزع بعض مقالاتنا على مستشاريه والقريبين منه ويطلب منهم قراءتها..  في بعض اللحظات، وخاصة سنوات 2012 و2013 و 2014 حين اشتدت الحملة الاعلامية على الثورة وأبنائها، كنا أكثر من جريدة أو مقال، وكنا أكثر من خيار سياسي ينافح عن الثورة، كنا بلسما، وجرعة أمل أو دواء يأخذه صباحا من باتوا موجوعين من الأباطيل التي كانت تنثر في المنابر ليلا… وهذه ليست مبالغة ولنا فيها أمثلة لا يتسع المجال لذكرها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق