راي رئيسي

أزمة الأحزاب: بين موت المعنى وفوضى السوق (2/2)

لم يجد خصوم فكرة التنّظم الحزبي صعوبة في الترويج لفكرة نهاية عصر الأحزاب، ليس بالنظر للحظة كونية فارقة تتجه فيها حاسة الانتظام السياسي للتكيف مع حقيقة موت سرديّات تغيير العالم والاكتفاء بمهمّة إدارة الموجود الاجتماعي، بل وخاصة لتكرّر عبثية المحاولات المتتالية لبناء أحزابا وطنية مسؤولة بعد الثورة، وقد كانت نهاية تجربة المؤتمر من أجل الجمهورية ثم نداء تونس أبرز علامات العبث الحزين بفكرة الانتظام الحزبي ذاته.

كان من الطبيعي أن تنتعش الشعبوية في هذا الأفق، وتعلن نهاية “عصر الأحزاب” بجرّة قلم وتخرج من معطفها كل الكوابيس الطوباوية لحلم قديم أفقه موت فكرة السياسة، ونهاية الدولة.

فالفضاء العمومي الذي يتقاسمه الثالوث المقدس لليبرالية العليا (العمل/الاستهلاك/الترفيه) يمثل طاقة جاذبة لكل مشاريع النقض الجذري لتصوّرنا للسياسة واستراتيجياتها وأدواتها في إدارة اجتماعنا المدني.

نؤكد علي هذه الحقيقة ليس قفزا عن المسؤولية الأخلاقية والسياسية للنخب التي عبثت بفكرة الأحزاب منذ الثورة إلى اليوم، ولكن للتركيز على أن أصل الداء تاريخي يتعلّق بصداع كوني ماثل وباحث عن آفاق أخرى للتفكير في سؤال السياسة ذاته، في ظلّ سيولة عالم ما بعد ولادة الانسان التواصلي. في لحظة ما بعد ليبرالية مجنونة ومتفلتة عن محاولاتنا المتكررة لعقلها واستكناه معانيها لترتيب قوالب التعاطي معها.

مفردات أزمة الأحزاب في الفضاء الوطني متعدّدة، ومعروفة الآن لدى الرأي العام، ولن نركز عن كل عناوينها المتصلة بالزعامتية وغياب الرؤى، وتقاليد التسيير الديمقراطي، وضعف ثقافة العمل الجماعي وعبث اللوبيات الظاهرة والكامنة بها، فكل هذا وغيره متداول وأشبع بيانا وتحليلا.

سنركز عن العنوان الأخلاقي ليس من زاوية محافظة ترى في كل الأزمة بعدها الأخلاقوي المباشر بين حدّ الواجب (ما يجب أن يكون) وحد الواقع (ما هو كائن)، بل من زاوية مقاربة أزمة الأخلاقي في الفضاء العمومي عموما، وفي المجال السياسي خاصة، وفي نقطة التقاطع بين الحيّز الحزبي والسوق تحديدا.

ونقصد بالسوق هنا فضاء الانتاج والتبادل المادي الصلب الذي يديره المستثمر في الثروة الرمزية والمادية.

الاقتراب من المشهد الحزبي في زمن الحريّة يحيلنا على حقيقة مفزعة، متصلة بانفجارية كمية سائبة للعناوين الحزبية التي تجاوزت المائتي حزب من جهة وغياب الكيف من جهة أخرى، فباستثناء حزب النهضة الذي صمد أمام “قدر التحلل الحزين” إلى حدّ الساعة، تسابق البقية في تثبيت الانطباع المعمم أن أقصر طريق لاغتيال نبل فكرة الانخراط في الشأن العام هو الالتزام الحزبي.

منطلق الأزمة في الاغتيال الأخلاقي لفكرة الاهتمام بالشأن العام، وفكرة الانخراط في المشاركة في صناعة المصير، وفكرة الالتزام بالانضباط بالانتظام الحزبي. فالتحاليل المتداولة يتنازعها التركيز على حقيقة ضعف الثقافة السياسية وعبثيّة النخب وفوائض انتهازيتها، أما مسالك بحثنا هنا تتجه نحو البحث عن أصل العنوان الأخلاقي ومنبته تحديدا لأزمة المنتظم الحزبي.

هذا المسلك يقودنا من فضاء تمثلات السلطة الهيكلية (الدولة) وفضاء الحكم الرسمي وأدوات الوصول إليه (الأحزاب)، الى مجتمع السلطة الخفيّ أو الكامن ونقصد به السوق. ففي نصاب ديمقراطي ما بعد حداثي أو الترا ليبرالي، دالته الأساسيّة خروج الدولة من السوق، وموت فكرة الدولة الحامية لصالح الجوهر التعديلي لقانون السوق، يبرز فاعل السوق كمركز لموضوع السلطة، باعتباره من يملك ويتحكم في لعبة النفوذ والهيمنة وتقرير المصير العام وما يتصل به من عناوين الاستقرار والأمن و العدالة.

ظاهرة ماكرون في فرنسا مثلا تعبّر بوضوح عن الفاعلية القصوى للسوق في إعادة هيكلة مجتمع السياسة والحكم، والتحكّم في توازناته ومساراته، وإذا كانت ظاهرة ماكرون تعبيرة أمينة عن تطوّر الماثل الديمقراطي الأوروبي والغربي عموما في لحظته المافوق ليبرالية، فإننا في تونس ما بعد الثورة نشهد نفس الميكانيزم في إعادة ترتيب العلاقة بين مجتمع الحكم (الدولة) ومجتمع السلطة (السوق والمجتمع المدني) لكن دون أن نتوفر على سوق سوي ومنتج وفاعل في انتاج الثروة و توزيعها.

فالسوق الذي ورثته الثورة من النظام النوفمبري، هو فضاء مافيوزي تحتكر أغلب قطاعاته حيتان تعوّدت على إدارته بمنطق الاستحواذ والاحتكار والدوس على نواميسه وأعرافه وأخلاقيّاته وفي مقدّمتها التنافسيّة والمردوديّة. فالسوق المؤسس للديمقراطية وفضاءها السياسي التنافسي المفتوح، سوق موبوء بفاعل طارئ وملهوف على الثروة همّه الاستثراء وليس الانتاج، وقد كان من أعمق أسباب سرعة هروب المخلوع، هو صراع أمراء المال الجدد الذين زرعتهم زوجة الرئيس في مفاصل السوق الكبرى.

كان من الطبيعي أن ينهار السوق من دون أخلاقيات التبادل، وكان من المستلزم بقاعدة التداعي أن تنعكس فوضى السوق على الحيز السياسي، إذا تأكّدنا من حقيقة أن كلّ تمثلات الحكم في نصاب ما فوق ليبرالي هي تعبيرا مباشرا عن توازنات السوق ومصالح فاعليه.

حالة حزب نداء تونس تحيل على قسوة المقدّمة التي تقول أنّ أزمة الأحزاب اليوم هي التعبير الأكثر أمانة عن أزمة فاعل السوق.

غياب ايتيقا السوق والدوس على نواميسه وأعرافه انعكس على سطح الفضاء السياسي في دورة عبثية من التشكل والتحلل، أحالت على التسويق البسيط اليوم في خطاب الشعبوية المنتشية لفكرة موت الأحزاب.

العنوان الأخلاقي لأزمة الأحزاب الذي أدّى إلى ترذيلها وتحقيرها ليس سوى الانعكاس الفوقي لأزمة أخلاقيات السوق الذي تحتكره لوبيات تعوّدت على لعبة التحكّم في ماكينات الدعاية وصناعة العرائس المتحرّكة في الفضاء العمومي.

ستحتاج ديمقراطيتنا الوليدة إلى أكثر من الدعوة النبيلة لأخلقة الفضاء السياسي الذي دنّسه كل من هبّ ودبّ من عرائس حيتان السوق ولوبيّاته المافيوزية المهيمنة على أغلب قطاعاته.

في هذا السياق تبدو رغبة الرئيس اليوم في إنهاء عصر الأحزاب استجابة غضبية متشنجة وطوباوية لأنّها ببساطة تقفز على السبب العميق لعبثية المشهد الحزبي، الذي يعبّر بأمانة عن فوضى وعبثية أعمق وأخطر في دهاليز السوق.

فاعل السوق هو من يشكل الأحزاب وهو من يصنع رموزها وهو من يقرّر مصيرها وعنده وفي حجره يجب أن تقرأ حزمة عناوين أزمة الأحزاب في الفضاء الوطني. وما الدعوة المشبوهة اليوم لإلغائها سوى التعبير الأكثر سطحية وسذاجة التشخيص لأزمة مركّبة وعميقة تتقاطع على مفرداتها عناوين أزمة أعمق تتصل بنمط العلاقة الجديدة بين السوق والمجتمع المدني أو الفضاء العمومي وورشة الإصلاح تبدأ من السوق.. أو هكذا نقدّر..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق