راي رئيسي

أزمة كوفيد 19..
إنقاذ منظومة الصحة العمومية من الانهيار مسألة أمن قومي

(1)

منذ أكثر من شهر، باتت مواقع التواصل الاجتماعي كئيبة حزينة يلفّها السواد ويعمّها الحداد وأخبار الوفيات، فما من عائلة تونسية إلا وفقدت أحد أقربائها، أو جيرانها، أو معارفها، وما من قرية أو مدينة إلا وفقدت أحد أبنائها، وبشكل غير مسبوق باتت عيون التونسيين شاخصة تتأمل الأرقام والإحصائيات والتقارير التي تصدرها وزارة الصحة في حالة من الخوف والارتباك وبات الجميع يتساءلون حول مآل الأوضاع بالبلاد. يتساءلون إلى أين نحن ماضون؟ وهل نحن قادرون على تجاوز هذه المحنة؟ وبأي ثمن؟ وما السبيل لإنقاذ أرواح التونسيين خاصة في ظل حالة العجز والتخبط الذي تعيشه الدولة؟ وكيف يمكن أن نقاوم هذا العدو المتغطرس بهذه الأوضاع المتردية للغاية التي تعرفها مؤسساتنا الاستشفائية التي أوشكت أن ترفع الراية البيضاء استسلاما وعجزا وضعفا ووهنا؟

الحقيقة الجليّة التي لا مراء فيها تتمثل في أن الأزمة الصحية الخطيرة التي تمر بها بلادنا منذ مطلع السنة الحالية بسبب انتشار فيروس كورونا، والتي ما فتئت تتصاعد يوما بعد يوم تؤكد اننا في بلادنا نعول تعويلا تاما على قطاع الصحة العمومية كقطاع حيوي وأحد أبرز مقومات أمننا القومي رغم ما يعانيه هذا من ضعف في الموارد واهتراء في البنية التحتية وضعف في التجهيزات وهجرة للكفاءات إما للخارج أو للقطاع الخاص الذي يوفر مداخيل أفضل وطروف عمل أليق للكادر الطبي وشبه الطبي.

وقد كشفت الأزمة الخطيرة التي نعيش تفاصيلها بوضوح اتّساع الهوّة بين الجهات في علاقة بموقعها من الخارطة الصحية العوراء المتضخّمة المتورّمة شمالا وشرقا والمتخفّفة العارية غربا وعمقا في خارطة البلاد، كما أبانت عن استفحال للفساد وسوء التصرف في الموارد وتدهور للخدمات واستهانة بالحق في الحياة والحق في الصحة اللذين يضمنهما منطوق الدستور ولا تضمنهما الممارسات اليومية التي تخلو في أحايين كثيرة من اللمسة الحانية الإنسانية التي تحل محلها اللامبالاة والمحسوبية وضيق صدور بعض القائمين على القطاع وهي أوضاع أدت إلى صعوبات كبيرة في التعامل مع الأزمة والتكفل بمصابي الكوفيد19 رغم المجهودات والتضحيات التي يقوم بها إطارات وأعوان الصحة ليلا نهارا.

 

 

(2)

في هذا السياق أصدر ائتلاف المجتمع المدني للدفاع عن المرفق العمومي للصحة وهو ائتلاف يضم اكثر من 40 مكون من مكونات المجتمع المدني من بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة والجمعية التونسية للدفاع عن المرفق العمومي للصحة وحقوق مستعمليه والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رسالة جد هامة مفتوحة الى السلط العمومية أكد فيها أن المؤسسات الصحية العمومية في بلادنا باتت تعيش وضعية عجز مالي شبه تام جراء:

– ضعف الميزانية المخصصة لوزارة الصحة التي لم تمثل إلا 5,54 % من مجمل ميزانية الدولة سنة 2020.

– ضعف الميزانيات المخصصة للأدوية خاصة في الخط الأول وللبرامج الوقائية وللصيانة والتجهيزات بما فيها أسرّة الإنعاش ووسائل النقل الصحي.

– عدم خلاص مستحقات المستشفيات الجهوية والجامعية والصيدلية المركزية لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض التي ما انفكت تتراكم وبلغت حوالي ألف مليون دينار سنة 2020.

– الموارد الهزيلة التي خصصت لحساب دعم الصحة العمومية والتي حددت بـ 45 مليون دينار في ميزانية سنة 2021.

واعتبارا لأن دعم المرفق الصحي العمومي بات اليوم وأكثر من أي وقت مضى من أوكد الأولويات، فإنه وفي الظرف الذي سيشهد مناقشة مشروع قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2021 من قبل مجلس نواب الشعب لابد من توفير اعتمادات لا تقل عن 500 مليون دينار اتخاذ قرارات عاجلة تضمن تحقيق عديد الأولويات التي من أهمها:

– توفير الأدوية في الخط الأول وتطوير وتيرة العيادات الطبية في مراكز الصحة الأساسية وتقريب أهم الخدمات الصحية للمواطنين.

– انتداب الإطارات الصحية ذات الضرورة المؤكدة والعاجلة، وحل معضلة عزوف الأطباء عن العمل بالقطاع العمومي بما في ذلك المراجعة الجذرية لحوافز العمل في المناطق الداخلية.

– إدخال تحسينات مؤكدة في البنية التحتية والتجهيزات بما في ذلك تطوير عدد أسرّة الإنعاش ووسائل النقل الصحي.

– التسريع في وتيرة إنجاز مشاريع تطوير البنية التحتية خاصة في الجهات الداخلية بما في ذلك بعث الاقطاب الصحية، مع مراجعة الإحداثات المبرمجة سابقا لمراكز استشفائية مختصة إضافية في إقليم تونس الكبرى.

– توفير موارد ملائمة لحساب دعم الصحة العمومية وذلك بـتعميم المعلوم الذي أقره الفصل 59 من قانون المالية 2019 بنسبة 1% من رقم معاملات المصحات الخاصة ومسدي الخدمات الصحية باستثناء الصيدليات الخاصة على شركات توريد أو صنع أو توزيع الأدوية والمعدات واللوازم الصحية، وكذلك على كل المؤسسات الصناعية الملوثة للبيئة.

– تخصيص المعلوم على الاستهلاك الموظف على كافة المواد المضرة بالصحة كالتبغ والمشروبات الكحولية والمشروبات الغازية لفائدة حساب دعم الصحة العمومية.

– ضبط آليات ناجعة وجدولة زمنية معقولة لاسترجاع المستشفيات والصيدلية المركزية مستحقاتها لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض.

– اعتماد الحوكمة المفتوحة والشفافية التامة في كل ما يتعلق بميزانية وزارة الصحة والصناديق والحسابات المخصصة لها، بما في ذلك صندوق 1818 الذي ينبغي القيام بالنشر المفصل والمحين آليا لكل المعطيات حول مداخيله ومصاريفه، والإسراع باقتناء التجهيزات والمعدات المبرمجة مع توزيعها حسب مقاييس موضوعية وإنفاذ كافة آليات المراقبة لمختلف مراحل التصرف في الصندوق.

 

(3)

في حواره الأخير للتلفزة الوطنية تحدث رئيس الحكومة هشام المشيشي عن أوضاع قطاع الصحة العمومية مؤكدا ان الدولة بصدد تدعيم أسرّة الإنعاش في المستشفيات واعدا باننا لن نصل إلى مرحلة عدم إيجاد هذه الأسرّة للمصابين ومبشّرا بأنّ الدولة ستتكفل بتكاليف إقامة وعلاج كل مصاب بفيروس كورونا لا يجد سريرا في المستشفيات العمومية ويتم نقله إلى مصحة خاصة مثمّنا من ناحية تعاونها ومحذرا إياها من مواجهتها بالصرامة إن هي تمنعت أو تلكّأت في الانخراط ضمن الجهد الوطني لمكافحة وباء الكورونا.

وبعيدا عن هذه الوعود التي ووجهت بموجة من السخرية لطوباويتها وللانطباع السيء الذي يحمله التونسيون عن المصحات الخاصة التي مثلت لها جائحة الكوفيد19 فرصة لمراكمة الثروة بطرق انتهازية ودون رادع قانوني وأخلاقي وتواترت بشأنها شهادات عديد المواطنين الذين تعرض أقرباؤهم إلى الإصابة بفيروس كورونا والذين كانوا ضحايا لسوء تعامل في بعض المصحات الخاصة وذلك بالترفيع في قيم الفواتير وطلب ضمانات مشطة في وضعيات استثنائية تستوجب تسريع التدخل الطبي مما يقتضي في مواجهة ذلك وقفة حازمة من المجموعة الوطنية وقرارات جادة ونافذة من قبل الحكومة تتمثل أساسا في التسخير الكلي لإمكانيات المصحات الخاصة لمواجهة الوباء لاسيما في المناطق الموبوءة استئناسا بتجارب دول عديدة عمدت إلى تبني هذا الخيار لمعاضدة مجهود القطاع العمومي، كما أنه من الضروري إخضاع العمليات المالية والفوترة والحسابات الخاصة بهذه المصحات خلال أزمة الكورونا للتدقيق من قبل الهياكل الرقابية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق