غير مصنف

أسبوع آخر للنسيان..
حين تُخرج تونس أسوأ ما فيها..

(1)

جريمة اغتيال: الإعدام دفاعا عن قداسة الحياة

لا حديث خلال هذه الأيام إلا عن الجريمة المروّعة التي هزّت المجتمع التونسي والتي راحت ضحيتها الشابة التونسية رحمة لحمر التي امتدت لها يد آثمة غادرة لمنحرف سكّير عربيد لم يرحم ضعف قوتها ولا قلة حيلتها، فقطف روحها الطاهرة الزكية، وألقى بها في غيابة الجبّ، في قناة للمياه الآسنة بعين زغوان.

روح جميلة أزهقت، وخلفت لوعة ووجعا في قلوب أهلها وأحبتها، وحالة من التعاطف الممزوج بالحنق والغضب تقاسمها كافة أفراد المجتمع التونسي (باستثناء بعض السّاديّين الذين يجدون متعة عند الحديث عن بعض الجرائم الدموية التي تختلط في أذهانهم المريضة بسيناريوهات تحقق لديهم حالة من الإشباع الغريزي المرضي)، وقد تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مسيرات غاضبة تطالب بتنفيذ حكم الإعدام في المنحرف القاتل الذي لم يرف له جفن وهو ينتزع روح الفتاة التي أنهكها تعب الفقر، وتعب البحث عن عمل، وتعب الوقوف ساعات طوالا بموقع عملها الذي تلجه صباحا لتغادره قبل حلول الظلام مخلفة بين جنباته عرقا وجهدا مقابل دريهمات معدودة.

حجم المأساة وفظاعة الجرم الذي ارتكب في حق رحمة التي يكن لها من ذنب سوى أن الأقدار وضعتها في طريق ذاك المنحرف حديث الخروج من السجن والمعروف لدى الوحدات الأمنية بسوابقه العدلية في مجالات السرقة والنهب والعنف، حجم المأساة ومنسوب العنف والدموية التي رافقتها أثارت موجة من الاحتجاجات الساخطة والمطالبة بإعدام الجاني شنقا حتى الموت، بل واتجهت مسيرة رمزية إلى قصر قرطاج مطالبة رئيس الدولة بإنزال أقصى العقوبات على مرتكبي جرائم القتل والاغتصاب دفاعا عن قداسة الحياة، وقداسة الأعراض، وردعا لمن تسوّل لهم أنفسهم إهدار حياة مواطنين أبرياء عزّل تحت تأثير المخدّرات والمسكرات مما أعاد إلى الواجهة جدلا مجتمعيا بين بعض المنظمات الحقوقية وبين الرأي العام الذي تذهب الأغلبية المطلقة من مكوناته في اتجاه إعادة تفعيل تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن المرفق القضائي التونسي.

يذكر أن أحكام الإعدام جمّدت بتونس منذ سنة 1991 في سياق حملة المقبور بن علي لتبييض وجه نظامه الدموي لدى المنظمات الحقوقية التونسية والأجنبية.

إنّ تسليط أقسى وأقصى العقوبات على السفاحين والقتلة والإرهابيين والمغتصبين وعتاة المجرمين يريح المجتمع من أرذل ما فيه من شياطين الإنس الذين لا يراعون في عناصره إلا ولا ذمّة ولا يرحمون صغيره ولا يوقّرون كبيره ولا يميّزون في عدوانهم الآثم بين رضيعة ولا طفلة ولا شابة ولا حتى عجوز ولا كهلا ولا شيخا، كما أنه يرفع الضّيم على عوائل أفقدها تنامي الجريمة أحبتها ظلما وعدوانا، ويشعرها بأن المجتمع لم يتخل عنها، وأن الدولة القوية العادلة قد ادّت واجبها نحوها.

 

(2)

وفاة حليمة: بين لحظات الفقد والوجيعة وعنف تدوينة صحفية

فجر الأحد الماضي تناقلت المواقع والصفحات الحدث الكئيب الحزين، الذي أدمع العيون وجرح المآقي وأوجع القلوب، خبر وفاة حليمة المعالج، أخت ورفيقة وصديقة المناضلين والمناضلات، وأم شباب الثورة من مختلف التيارات المرجعيات، والمناضلة الحقوقيّة الشرسة، والناشطة السياسية والمدونة التي حرمها نظام بن علي من الأمومة التي كانت تقول للشباب الذين ينظرون لها بعين التقدير والإكبار والإعجاب: “لم يهبني الله أبناء بسبب جرائم نظام بن علي في حقي، ولكنه أبدلني بهم خيرا حين وهبني إياكم أبناء وبنات”

كانت إحدى اكتشافات التونسيين بعد الثورة، عرفوها منافحة عن الحلم والفكرة وحقوق المضطهدين، معادية دونما تلكؤ أو تردّد للمنظومة السابقة التي كانت وزوجها من آلاف ضحاياها، وتعرفوا إليها في الصفوف الأولى لكل المسيرات المناصرة للمضطهدين في كافة أنحاء العالم.

كانت هناك تتقدم الصفوف وتصدح بأعلى صوتها حين ارتكب السيسي مجزرة رابعة، وكانت هناك تقف وراء تنظيم مسيرات مساندة الشعب الفلسطيني في كل عدوان ارتكبه العدو الصهيوني في حقه، وكانت هناك حين صب نظام الأسد وحلفائه البراميل الحارقة على رؤوس السوريين وكانت هناك حين ارتكبت جرائم ضد الإنسانية على المسلمين الروهينغا في ميانمار، وكانت هناك أيضا حين اغتال أبو منشار الصحفي عدنان خاشقجي في قنصلية المملكة العربية السعودية بتركيا، وكانت هناك كل مرة مندّدة بالعمليات الإرهابية الجبانة التي طالت الأمنيين والعسكريين والمدنيين، لم تتخل يوما عن واجب المشاركة في كل حراك مدني يدافع عن قضية تؤمن بها.

حلّومة انتصرت في كل معاركها، ولكنها رغم شديد مقاومتها، وقوة عزيمتها، وقوة إيمانها انحنت أمام فيروس كورونا اللعين، لترتقي إلى بارئها راضية بقضائه وحلول أجلها بعد توقعه بحوالي ستة أشهر، إذ دونت على صفحتها يوم 18 مارس الماضي ما مضمونه:

” إذا قدر لي أن أموت بسبب الإصابة بفيروس كورونا (باعتبار أوضاعي الصّحّية المهيّأة لذلك) والموت علينا حق لا مفر منه، فإنني أصفح عن كل من ظلمني، وأٍطلب الصفح ممن يمكن أن أكون قد ظلمت. أصفح وأسامح الجميع عدا بن علي الذي لا أقدر على أن أغفر له. ربنا لا تتوفنا إلا وأنت راض عنا”.

يوم ارتقت حليمة إلى بارئها بكاها الجميع، ورثاها الجميع، وتوجّع لفراقها الجميع، بل أن البعض لم يصدق أنها تغادر دون رجعة، إلى روح وريحان وربّ راض غير غضبان، يومها كان يوما حزينا كئيبا، مرارته في حلوق من عرفوا حليمة وسمعوا عنها كالحنظل، ولكن ما جعل المشاعر تضطرم في صدور أحبة حليمة، هو حجم الحقد والكراهية والأذية والعدوان الصادر عن الصحفية بثينة قويعة التي كشرت عن أنيابها ودونت على صفحتها تدوينة شامتة بشأن الفقيدة، لم تكلف نفسها مجرد انتظار مواراتها الثرى، تدوينة فاجرة ستظل وصمة عار تعفّر وجها، نالت بسببها من التنديد والإدانة من قبل عديد الصحفيين والمدونين الشرفاء، وطالب بسببها الكثيرون بفصلها عن الإذاعة الوطنية التي تعمل بها التي تقتطع ميزانيتها من جيوب دافعي الضرائب.

إنها الأحقاد الإيديولوجية التي تعمي أبصار مرضاها عن الحقيقة والأخلاق والقيم المجتمعية التي تعظم مصيبة الموت، وتحترم مشاعر أهالي الموتى، وتذكرهم بخير، وتتغاضى عن ذكر مساوئهم، وتترفع عن تداول صغائرهم، ولا تلهج ألسنتهم إلا بالدعاء بالرحمة والمغفرة لهم، وهي ذاتها التي تستبيح الأعراض، وتختلق الأكاذيب، وتحرض على الخصوم والمنافسين وتبهم أحياء وتتشمت فيهم أمواتا.

 

(3)

الاعتداء على النائب أحمد موحى: سابقة خطيرة تتخطّى كل الخطوط الحمراء

العدوان الآثم الذي طال النائب عن ائتلاف الكرامة أحمد موحى بواسطة سيف شج رأسه، وأوشك أن يودي بحياته لو لا ألطاف الله، مؤشر آخر عن تنامي ظاهرتي الجريمة المنظمة والعنف السياسي.

وإذا كانت التحقيقات قد انطلقت بعد في تحديد المعتدين وأسباب الاعتداء، فإنها تؤكد مرة أخرى أن حالة الاحتقان والتهارج السياسيين لابد أن تتوقف حالا حتى لا ينحرف المسار ويقود البلاد إلى منعطف خطير هو منعطف العنف والاغتيالات السياسية والاحتراب الأهلي، وهي اخطار محدقة فعلا، وغير مستبعدة في ظل الأوضاع الحرجة التي تمر بها بلادنا.

أسبوع حزين ينقضي بكل أحزانه ومخاوفه وهواجسه التي تتزامن مع انتشار رائحة الموت والمرض في كافة أرجاء الوطن المريض، وهو أسبوع للنسيان والتجاوز شريطة عودة الوعي للطبقة السياسية، وتعافي أجهزة الدولة وقدرتها على مجابهة كل التحديات التي تعيشها البلاد الاقتصادية منها والاجتماعية والأمنية والسياسية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق