راي رئيسي

أسطورة الزعيم المنقذ وصناعة الطغاة..
بعد أن حطمتها الثورة تستنجد بها النخبة من جديد..

الزعيم الملهم والقائد المنقذ، الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، الذي يملك سحر البيان، يكشف المؤامرات، ويتغلب عليها، ينتصر على الأعداء ويحمي الحمى.. أسطورة “الكاريزما” الذي سرعان ما يتحوّل إلى طافية ودكتاتور، والتي طالما رسختها نخبة سياسية بمساعدة إعلام الصوت الواحد، للقادة والزعماء في عالمنا العربي سقطت مع ثورات الربيع العربي، ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي لتمثل الصوت الشعبي الذي حطم أو يكاد، أسطورة الكاريزما والقائد الضرورة، عبر حملات من النقد الشديد، والسخرية اللاذعة..

ولكن يبدو أن هناك اليوم من يعمل على الاستنجاد صورة الزعيم الأوحد ومن يعمل على وصناعة صورة كاريزما القائد الملهم من جديد، ويريد أن يعيدها إلى الأذهان، ولكنهم هذه المرة ليسوا البسطاء ولا الأميون من عامة الشعب، بل بعض النخب التي لا تستطيع أن تشتغل وتمرر أجنداتها ومشاريعها وتحقق أطماعها من دون صنم يصنعونه، وببنون حوله قبة خضراء ويدعون الناس ليتبركوا بها ويتعبدونها..

فاستنادا إلى ما نشاهده اليوم من سلوك بعض النخب، يتأكد لنا أن منطق الزعيم المنقذ لم يتغيّر ولم يتحطم في أذهانهم.. فبين من يطلب ودّ مخلّص من خيبات الوضع الراهن وانكساراته، مراهنين على قدراته الخارقة في استرجاع ما ضاع منهم من نفوذ وسلطة، وبين من ينشد من مخلص ملهم حماية النمط المجتمعي الذي يتبنونه من خطر ما يعتبرونه رجعية وظلامية وهددا لحداثتهم، وبين من يتعبد ويتمسح بباب زعيم صنعه بيده، حالما بأن يكون مخلصه من عدوه الازلي الذي عزم على إخفائهم من المشهد العام بأي ثمن.. بين هذا الطرح وذاك تعجز النخبة السياسية التونسية عن تجاوز عقدة الزعيم المخلّص، ولا تكفّ عن صناعة صنم تلتف حوله وتتعبّده. وكلهم يجمعهم إيمان واحد وهو أن تكريس صورة الزعيم الكاريزمي هو جسرهم لتحقيق أهدافهم وطموحاتهم السياسية ولتصفية حساباتهم..

وباتت هذه النخبة تستنسخ تجربة النظام السابق بآليات وطرائق مختلفة.. ورغم أنّ كلا منها يصدح بشعاراته عن الديمقراطية وتطوير الحياة السياسية، لم ينجحوا في التخلص من حاجتهم إلى صناعة قائد وزعيم أوحد يستحضرون به صورة القائد الضرورة أو القائد المخلّص التي ألقت بظلالها المقيتة على المجتمع التونسي طيلة عقود، كما فعلوا في الماضي لمّا حولوا البلاد إلى ساحة لتمجيد القائد أو الزعيم التاريخي رغم كل الإفلاس السياسي الذي كان يتمتع به.

وهم اليوم بسلوكهم الذي نعاينه يثبتون لنا تشبّثهم بثقافة “الزعيم المخلص” رغم ما تستعيده من ذكريات العهود البائدة وتكرار للحكم الفردي، ويغضّون الطرف عن آفاق المرحلة وأبعاد هذه الممارسة الخطيرة في الحكم، ليحصلوا على ما يخططون له وما يتطلعون إليه..

ومع أنهم يعلمون أن التونسيين باتوا يدركون جيّدا بعد تجارب الحكم الديكتاتورية التي ابتُلوا بها خلال القرن الماضي، أنّ حلمهم بالزعيم المخلّص لحياتهم كان وهما كبيرا كان لا بدّ أن يستفيقوا منه، وكان عليهم البدء من جديد بالبحث عن نظام سياسي لا يستند إلى الدكتاتورية أو إلى منطق الإقصاء.

نظام لا يختزل السلطات والإمكانات الهائلة في شخص واحد هو الذي يكرّس الدكتاتورية ويمنع ظهور خيارات الحلّ الأخرى، نظام لا يجد فيه الحاكم قوّته وسطوته في سيطرته على المشاعر والعقول، وفي توهّم المواطنين بأنه الخارق المخلّص من كلّ المشاكل، وفي اختزاله لكلّ السلطات وهيمنته على كل القرارات.

لقد فهم المواطن التونسي أنّه في الدول التي تطبق “الديمقراطية” بدرجات عالية تحلّ المشاكل الصغيرة والكبيرة باقتراح من مؤسسات الدولة والنقابات والاتحادات والأحزاب والهيئات، نعم زعيم الدولة من واجبه قانونيا ودستوريا أن يجد الحلول لمشاكل الناس، ويؤمّن حقوقهم ويسعى لتلبية انتظاراتهم وتطلعاتهم، ولكنه لن يكون الأب المخلص، ولا البطل الخارق، ولا المنقذ الأوحد فريد عصره وزمانه، وبالنتيجة يجب أن لا يختزل بمفرده القدرة على إبداع الحلول أو تقرير مصير البلاد والعباد، وإلا فإنّنا لن ننتج سوى مشروع طاغية أو دكتاتور آخر بحجّة زعيمنا المنجّي من الهلاك..

من أجل هذه القناعات حرص الجميع بعد ثورة الحرية والكرامة من خلال صياغة الدستور على التأسيس لنظام سياسي يقطع كل السبل للاستفراد بالرأي واختزال كل السلط في شخص واحد، وينهي أسطورة الزعيم الأوحد الذي لا يحاسبه أحد بذريعة أنه الملهم والمنقذ والمخلص الذي لا يخطئ..

ولكن هذه النخبة البائسة اليوم وللأسف الشديد لأنها دائما كانت ولا زالت لا ترى غير أطماعها وحساباتها وطموحاتها وخصوماتها وتصفية حساباتها، ولأنها لم تلتقط اللحظة ولا استوعبت المرحلة التاريخية الجديدة التي يمر بها العالم، بدل أن تثق بالمنظومة السياسيّة وتدعمها وتقوّيها، وتصلح في نفس الوقت ثغراتها، وأن تطلب من الحكّام الخضوع لها تماما ولو على علاّتها، لخدمة البلاد والعباد، اختارت أن تثق على العكس بأشخاص الحكّام على علاّتهم، وأن تدعمهم وتقوّيهم على تطويع المنظومة لفائدتهم بتبرير حماية البلاد والعباد.. وقررت ربط تونس بالأشخاص الزائلين يقينا، وتطويع المنظومة السياسيّة للحكم على قياس وهوى ومفهوم شخص واحد، يعتبر نفسه إما أكثر “وطنيّة” أو “عدل” أو “نظافة” أو “طهورية” من الاخرين، وكل ذلك لمجرّد تحقيق أطماع سياسيّة حينيّة..

وبدل أن تمضي في بناء وترسيخ هيكلة الدولة والدستور والقوانين ومنظومة سياسيّة فاعلة ومجرّدة عن الأشخاص والأحزاب، يمكنها أن تدير الشأن العام بنجاعة وفاعليّة وعدالة، وفي فلكها يدور الحكّام ويلتزمون بحدودها، اختارت أن تشرع لأن يأتي كل مرة شخص ويحاول تطويع المنظومة على قياسه مستفيدا من السوابق الماضية كعرف سياسيّ ودستوريّ يؤسّس عليه نزعتنه الاستبدادية وطموحه الدكتاتورية..

فهل يستحق تصفية بعض الحسابات السياسية الضيقة أو تفريغ بعض الهوس بالسلطة والكراسي والمناصب العليا في الدولة والرغبة القاتلة في استرجاع بعض أمجاد رحلت، أو إرضاء لوثات أيديولوجية مرضية تأبى إلا أن تنفي المختلف من الوجود وتستأصل كيانه، هل تستحق هذه الهواجس واللوثات، أن نستعيد نموذج الدولة الفاشلة على كافة المستويات: فشل سياسي من خلال استعادة نموذج جمهورية رعب، تُنتهك فيها حقوق الإنسان، تُصادر فيها الحريات، تمُنع فيها وتُحظر الأحزاب والجمعيات، الحاكم فيها الرئيس وهو فوق السلطات لا يحاسبه برلمان ولا يحاسبه قضاء ولا يحاسبه إعلام، هو فوق الدستور وفوق المنظومات القانونية كلها وبيده كل السلطات تقريبا؟

وفشل اقتصادي، بأن نكون دولة في أسفل سلم التنمية بشهادة كافة التقارير الدولية، نحصد البطالة ونحصد الفقر ونحصد المشاكل الاجتماعية على اختلاف أنواعها؟

وفشل على المستوى الثقافي والفكري، نعيش من خلاله حالة تصحر ثقافي بأتم معنى الكلمة ونعيش تدجين لكل الأوعية الثقافية ومخرجاتها..

هل يستحق نجاحكم في تصفية حساباتكم وتحقيق أطماعكم، أن تعيدونا لزمن لا نفكر فيه كما نريد ولا نقول ما نريد، لا نحلل الأشياء كما نريد، وزمن علينا فيه أن نتعلم النفاق، أون نتعلم الكذب والتزلف، ونتقن الخرس، وإلا فإن مصيرنا سيكون إما السجن أو التهجير أو النفي أو المحاصرة داخل السجن الكبير؟

هل تستحق بعض الطموحات الفردية أن تساهموا في صناعة حاكم إله يعتبر نفسه يعرف كل شيء ويفهم في كل شيء ويفتي في كل شيء، وهو إلى جانب كونه زعيم وطني، هو مفكر سياسي، وفقيه وإمام، لا أحد يقول الشعر والنثر ويمتلك البلاغة مثله، ولا أحد يفهم في الزراعة ويفهم في الصناعة ويفهم في التسويق ويفهم في كل شيء، وكل ذو علم ومعرفة وخبرة واختصاص يأتي من بعده، ومن يخالفه الرأي يصبح إما مشعوذا أو زنديقا أو منافقا أو خائنا عميلا..

هل أنتم مضطرون في كل محطة تاريخية من المحطات الحاسمة التي عاشها هذا البلد أن ترتموا في أحضان حالم بالاستبداد والتفرد بالحكم، تتزلفون له وتتمسحون بأعتابه وتصنعون منه طاغية ودكتاتورا، يكون يدكم التي تبطشون بها وتُصفّون بها خصومكم، وجسركم لتحقيق أطماعكم ونزواتكم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق