راي رئيسي

أفكار متفائلة حول الحوار

يبدو أنّ الأخطر من الأزمة المركّبة والمتراكمة والمتشابكة التي تمرّ بها بلادنا، هو ما نسجّله من سلبية الفاعلين تجاه حالة ترنّح تلك الأزمة. فالمؤشرات الاقتصادية الخطيرة والاختلالات الكبيرة في المالية العمومية، وتأخّر الإصلاحات المتأكدة، تزيد في تراجع تصنيف اقتصادنا عالميا وتضاعف مصاعب الاقتراض لتمويل العجز عشية حوار عسير مع صندوق النقد الدولي مطلع الشهر القادم. والاحتجاجات الاجتماعية التي لم تنقطع، والمطلبية القطاعية المتواترة، تزيد في إرباك الحكومة وتضعها في وضع صعب في معادلة المطالب المشروعة والإمكانيات المحدودة. والانتشار الواسع لجائحة كوفيد-19 في موجتها الثالثة، وارتفاع عدد ضحاياها وبطء التلقيح ضدّها، وبلوغ المستشفيات طاقة استيعابها القصوى، تجعل بلادنا تواجه مخاطر صحية غير مسبوقة.

وتعقّد أزمة التغيير الحكومي وإطالتها، وإضافة عناصر جديدة في التجاذب بين مراكز الحكم في قرطاج والقصبة وباردو، واستمرار رئيس الجمهورية في خيار إرساء مشهد سياسي سريالي بتزعّمه المعارضة وتعطيله دواليب الدولة ونزوعه المتسرّع إلى توسيع صلاحياته باتجاه حكم فردي مطلق، وتغيير طبيعة النظام السياسي عبر احتكار تأويل الدستور، عناصر تزيد في تعقيد المشهد السياسي وارتفاع منسوب المخاوف. وإذ تعود جذور هذه الأزمة إلى سنوات سابقة وحكومات متعاقبة، بما يجعلها مركّبة ومتراكمة، فإنها أيضا تبدو متشابكة، إذ ترتهن فيها الحلول الاقتصادية والاجتماعية للإرادة السياسية، وتهدّد فيها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المُنجز السياسي. وأمام معادلة توازن الضعف وعجز أيّ طرف عن حسم الأمر والتصدّي بمفره للتحديات الجمّة، تتأكد الحاجة إلى حوار وطني، سبيلا وحيدا للخروج من المأزق. فكيف الدفع بهذا الحوار المعطّل بدوره؟

 

غضب شعبي واسع

لا يضيق قطاع عريض من التونسيين من أداء رئيس الجمهورية باعتبار رمز الدولة وضامن وحدتها، الذي تتراجع شعبيته بمنسوب لافت وسريع، بل يضيقون من أداء الطبقة السياسية برمّتها، وخاصة الأحزاب في الحكم وفي المعارضة، التي ينالها الترذيل اليومي وتتراجع حظوظها في نوايا التصويت. ويضيقون أيضا من الأداء الإعلامي الذي تؤكد شهادات صادمة في منابر إعلامية وفي أوساط طبية ما يتسبّب فيه من إشاعة للتشاؤم وتعكير للمزاج ومن حالات عُصابية واضطرابات نفسية ومعاناة لشرائح واسعة من التونسيين. علاوة على الاتهامات الموجّهة للنقابات وما تسبّبه من تعطيلات للعمل والإنتاج وإضرار بالمؤسسات العمومية والخاصة، وليس تدهور سمعة الاتحاد العام التونسي للشغل في سبر الآراء وعدم الرضى عن أدائه سوى عنوانا لذلك. ويأتي تذمّر عموم الناس من إجراءات الوضع الصحي، التي تزيد صعوبات على مردودهم المالي وأوضاعهم الصعبة، وضعف أداء حكومة المشيشي، ليكون عنوانا آخر عن عبء مشاكل ديمقراطيتنا التي صار ينوء بحملها مجتمعنا.

وتدلّ تجارب من تقدّمنا على أنّ الديمقراطية، رغم فضائلها الذاتية، تهترئ أمام عجزها عن حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتحسين أوضاع الناس المادية، وقد تنهار أصلا. وقياسا على من قال أنّ “الأمعاء الفارغة لا تفهم المنطق”، يمكن القول أن الديمقراطية التي لا تغيّر معاش الناس نحو الأفضل لا يرون حاجة لهم بها. وإذ كشفت السنوات الأخيرة قدرة فاعلين عديدين على التعطيل، فإنّها أشّرت في نفس الوقت على عجزهم على حلّ المشاكل وتحقيق التطلّعات والشعارات. ولذلك حين نستحضر الارتدادات السلبية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية على المسار السياسي، نستشعر أكثر فأكثر مخاطر الفوضى وإدارة التوحّش. ولا مصلحة لطرف وطني في سقوط السقف على الجميع. وعليه فإنّ حلولا عاجلة ومثمرة باتت أوكد من التلاوم والاستثمار في الفشل وتحميل المسؤولية لطرف بعينه، علاوة على عدم جدوى دعوة الناس إلى مزيد الصبر.

 

تعجيل الحوار الوطني دون الارتهان لقرطاج

اعتبارا للموقع الرمزي لرئيس الجمهورية بصفته أعلى هرم الدولة، والتزاما بمقتضيات الفصل 72 من الدستور الذي يجعله رمز وحدتها، وضامن استقلالها واستمراريتها، والساهر على احترام دستورها، تبدو مسؤوليته أكبر في إنقاذ الوضع وجمع الشركاء دون استثناء على طاولة الحوار الوطني. وهذا واجبه بصفته رئيس كافة التونسيين ممن يتفقون معه أو يختلفون. وهذا ما دعاه إليه الاتحاد العام التونسي للشغل منذ أشهر من خلال مبادرته في الحوار الوطني، دون أن يجد جوابا واضحا وتفاعلا مناسبا.

ونقولها بوضوح ودون مواربة، أنّه إذا استمر رئيس الجمهورية في عناده الشخصي وخطابه الحربي، وفي صدّ جميع أبواب الحوار للمشاركة في التوصل إلى الحلول الأنجع للقضايا سالفة الذكر، فإنّه يتعيّن بمقتضى عبارته “إشهاد الشعب والتاريخ عليه”، تحميله المسؤولية بوضوح من قبل القوى السياسية والاجتماعية، والمضيّ في صيغة للحوار الوطني المتأكد يتمّ التوافق بشأنها، وعدم الارتهان إلى رئيس الجمهورية بانتظار إشرافه على ذلك الحوار أو مشاركته فيه.

 

خيارات مفتوحة

مع تقديرنا لمكانة مختلف المنظمات الوطنية وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل وأدوارها الإيجابية في الحوار الوطني السابق أو المحتمل، فإنّنا لا نسيئ لأحد حين لا نرتهن هذا الحوار لمبادرة تلك الأطراف، والتي تظل مطلوبة. فالأحزاب السياسية الفاعلة الممثّلة في البرلمان أو غير الممثّلة، معنيّة بالتنادي للحوار والبحث عن كلمة سواء في برنامج للإنقاذ الوطني يستوعب الأزمة في مختلف أبعادها دون استثناء. ولها من المعرفة الجيّدة ببعضها ومن التجارب في العمل المشترك قبل الثورة وبعدها، ما يؤهلها للنجاح في مهمة الإنقاذ رغم حدّة الخلافات والمناكفات. ولا شيء يمنع الأحزاب من إشراك المنظمات، بل لا بدّ من ذلك لإثراء هذا الحوار وتدوير الزوايا وتحميل الجميع مسؤولية النجاح في الإنقاذ.

وإذا تعذّرت مبادرة الأحزاب أو تأخرت، مهما كانت الأسباب، فما الذي يمنع الحكومة من دعوة الأحزاب والمنظمات إلى مائدة الحوار الوطني، وهي الممسكة بالجوانب المهمة من السلطة التنفيذية ذات الصلة ببرنامج الإنقاذ المنشود. وعلى رئيس الحكومة الذي خطا خطوة هامة في حوار بيت الحكمة مع المنظمات، والذي لم يجتمع بمختلف الأحزاب منذ توليه قبل ثمانية أشهر، أن لا يتأخر في دعوة ممثليها وتبادل الرأي معهم وتقويم الخطوة وتعزيزها تباعا. فالوضع ضاغط ولا ينفع معه التردّد أو السلبية المفضية إلى ترنّح الأزمة أو استفحالها.

 

ونظلّ متفائلين..

هذه بعض الأفكار حول الحوار نريدها دعوة صادقة للخروج من السلبية والتشاؤم، وهي مجرّد اقتراحات لا نصادر احتمال ما هو أنجع منها. وتقديرنا أنّ الأزمة المركّبة والمتراكمة والمتشابكة التي تمر بها بلادنا، على خطورتها وتعقيداتها، لا تزال ممكنة التجاوز الإيجابي بأسرع مما نتوقّع. وأظلّ متفائلا بقدرة نخبنا التي نجحت إلى حدّ الآن في تجنيب بلادنا مسارات العنف والاحتراب الأهلي، أن تتعالى عن المعارك الصغيرة وأن تنجح مجتمعة، في وضع برنامج للإنقاذ الوطني وأدوات سياسية لتحقيقه. وما ذلك عليها بعزيز. لكن يظلّ خوفي أن يخذلنا نصف الموقف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق