راي رئيسي

أقرتها أوساط القرار الغربية واستبطنتها القوى المعادية للثورة..
النهضة وزعيمها الغنوشي أحد ضمانات الاستقرار السياسي في تونس والمنطقة

كما في كل مرّة دموع خصبة بلّلت أجهزة التلفزيون، بكائيات ولطميات حملت كمّا هائلا من الرسائل الخطيرة والملغومة، فمنظومة الإعلام مدفوعة الأجر والتي تعمل تحت إمرة أطراف سياسية معينة وبأجندات محددّة لا تستطيع أن تتطهر من لعنات منطق الغنيمة السياسية والاستثمار الحزبي، حتى وهي تتعاطى مع مصاب ينهش الأوطان ويمزق أوصالها.. ففي الوقت الذي تراق فيه دماء زكية من أبناء المؤسسة الأمنية فداء للوطن ووحدته وسلامته، تأتي تحاليل بعض المنابر المأجورة استثمارا رخيصا في الدماء، ونشازا وسط جوقة من الأصوات الوطنية والمسؤولة تتنادى من أجل رصّ الصفوف والتوحّد في مواجهة الإرهاب وتحييده عن كل تجاذب سياسي أو توظيف حزبي ضيّق..

وكما في كل مرّة من أجل تمرير أجندات أخفقت بعض الأطراف السياسية في فرضها في محطات عديدة، اختزلوا كل البؤس والخراب والفوضى والشرور التي يعانيها الشعب منذ ثلاث عقود في حزب حركة النهضة فقرروا إعلان الحرب عليه أرضا وبحرا وجوا..

وهم طبعا حريصون على استصحاب خطاب المخلوع وسياساته في التعامل مع حركة النهضة، باعتبارها ملفّا أمنيا وليست حزبا سياسيا وعمقا اجتماعيا وثقافيا، وفاعلا وازنا في المشهد السياسي. فتحاول كالعادة تلويث الفضاء العام من خلال استغلال المستجدات الأمنية للرجوع ببلادنا إلى خطاب الكراهية والحقد والاستئصال والتشويه، وافتعال القضايا والتلهية عن الأولويات الحقيقية للوطن والمواطن، والاستثمار في الدم بدل المساهمة في بناء تونس وتطوّرها..

وقد سقط عن هؤلاء العابثين أنّ بن علي لم يفلح في الداخل أو في الخارج في الإقناع  باتهام حزب النهضة بالإرهاب، رغم كل التلفيقات والإغراءات على هذا الصعيد. فاحتضنت مختلف بلدان العالم، لا سيما أمريكا وأوروبا، المهجّرين من قيادات النهضة وأنصارها، ولم يستجيبوا لدعاية النظام وبطاقات الجلب ضدهم. لذلك يبدو الاشتغال مجددا على وصم النهضة بالعنف والإرهاب عملا بلا جدوى وتكرارا لما ثبت فشله.

والثابت أنه في هذه المرّة باتت مسلسلات التخوين والترهيب والتشويه مكرّرة ومكشوفة وممّلة بالنسبة لطيف واسع من التونسيين، وأصبحت لعبة توظيف الإرهاب لفرض أجندات وسياسات ومشاريع وبرامج ورؤى وأشخاص بالقوة حمق وغباء وحلم في أذهان الحمقى.. ولعل ردّة الفعل الشعبية التي لمسناها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع التونسي والمقاهي وحتى في صفوف بعض النخب من استهجان وترذيل لبعض الاستنتاجات والتحاليل والسيناريوهات التي أريد تمريرها من خلال بعض المنابر الاعلامية المنخرطة بقوة في المعركة السياسية، لخير دليل على ما ذكرنا..

المهم في كل ما ذكرنا أن كل ما يحدث من عبث وهرج ومرج سياسي اليوم، لا يخرج عن مخططات وأجندات عرابي الثورة المضادة من الداخل والخارج في سعي محموم لا يتوقف لضرب التجربة التونسية وإطفاء شمعة الربيع العربي الوحيدة التي لم تنطفئ وظلت شوكة مغروسة في حلوقهم تقظّ مضجعهم.. فهم طبعا المستفيد الأول من حالة التوتر والخلاف والتنازع السياسي الذي تعيشه البلاد..

في الواقع إنّ الحقيقة الثابتة التي للأسف لا يريد البعض الإقرار بها، هي أن القوى المعادية للثورة التونسية، إنما تتمعش وتجد الأرضية الخصبة لتنفيذ مخططاتها وسيناريوهاتها لضرب التجربة التونسية وإعاقة الانتقال الديمقراطي، في كم الغباء والعبث والانتهازية التي تتعاطى بها بعض القوى السياسية منذ الثورة.. إنما تتمعش من استفحال خطاب الشحن والتخوين والتهييج الذي يتّقد حنقا وغيضا ويعيدنا إلى المستنقع الإيديولوجي بقوة ويعيد التعصّب ليكون هو اللّغة التي يتكلّمها السياسي الهائم على وجهه، وفي قمة سقوط الخطاب السياسي مجددا في النعرات الايديولوجية والشعارات البالية التي تغرقنا من جديد في متاهة التضاد والتجميع على الضد والنفي والتعصّب وحرب الكل ضد الكل..

في الحقيقة إنّ ما نشهده اليوم ليس جديدا وإنما هو سلسلة من التعاطي السياسي الأهوج والمشوه الذي نعيشه منذ مرحلة الترويكا.. تقلبات سياسية في سياق الثورات المضادة، وقد كان استهداف التوافق الوطني بغاية إحداث الشرخ وتعميق التناقض بين التيارات الأساسية للمجتمع من جانب، وبين النخب السياسية والمدنية وكذلك بين القوى والمؤسسات، ومثل هذا الوضع كان كفيلا بإنهاء التجربة التونسية لولا توفر عدة عناصر أنهت احتمالات إجهاض التجربة الديمقراطية.

إذا وفي مقابل ما نشهده من عبث سياسي وارتجال ومراهقة واستهانة بالوضع الحرج الذي تعيشه البلاد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والصحي مع الكارثة الصحية التي نواجهها بإمكانات متواضعة جدا، امام كل هذا الهرج والعبث يتأكد يوما بعد يوم أن تونس ستظل دائما بحاجة إلى حكمة وتعقّل وتربص، إلى ضمانة للاستقرار إلى من يخرج في كل مرة ليذكر الجميع أنّ معركتنا الحقيقية التي يجب أن نخوضها اليوم هي كيف ننتشل الاقتصاد التونسي من حد الإفلاس وكيف نواجه الكارثة الصحية التي تحاصرنا من كل صوب، كيف ننصف الجهات المحرومة والسبيل إلى تمتعها بحقها في التصرف في ثرواتها، كيف نقلّص من نسب البطالة ونخلق آليات جديدة للتشغيل، وكيف نضع حدّا لارتفاع الأسعار المطرد ونحدث توازنا بين ارتفاع الأسعار وبين الطاقة الشرائية للمواطن ونحمي قفته، وكيف نجلب الاستثمار ونحرر السوق ونحارب البيروقراطية الإدارية ونفك القيود التي تعرقل الاقتصاد، ونحسن البنى التحتية المترهلة والمنفرة للمستثمر..

نحن في خضم كلّ هذه المعارك العبثية والمتطرفة، نظل بحاجة إلى من يشدنا إلى الوسط، مستحضرا الأولويات الوطنية، مجتهدا في بيان معالم معالجتها، متمسّكا بالأجندة الوطنية ومعانقا لمشاغل الناس..

والسؤال هنا متى يتواضع بعض الموتورين ويقرّون بأنّ هذا الطرف كان دائما موجودا من خلال ترسيخ لغة الانسجام والتفاهم، ومسلك الجماعة والمساحات المشتركة الوسطى، حيث يمكن أن يلتقي الجميع عندما تتعقد الأمور ويقع الانسداد الذي ينذر بالكارثة.. نعم كان دائما موجود من خلال صوت الحكمة والرصانة والانصات للجميع وتقرب وجهات النظر المتباعدة؟؟ من خلال قدرته العجيبة على تقديم التنازلات من أجل مصلحة المجموعة الوطنية -وهذا سيكتبه التاريخ –  ومن خلال لعب دور أب العائلة الذي يختلف معه الأبناء ويتخاصمون معه ويقاطعونه أحيانا، ولكنهم في كل مرّة يلجؤون إليه ويستعينون برصانته وتوازنه وانفتاحه، برغم جرعة الاقصاء الكبيرة التي يحملونها له لأنه لا ينتمي إلى عائلتهم الفكرية؟

فوسط هجمة شيطنة تكاد تكون يوميّة، محليا وإقليميا، ضد حركة النهضة وأساسا ضد زعيمها راشد الغنوشي، لأنها تدرك جيدا أنه يمثّل ضمانة أساسية وصمّام أمان لنجاح الانتقال الديمقراطي ومسار الثورة في تونس. فإنّ الرجل ما يزال صامدا ماسكا على قناعاته ومبادئه مصرّا على المضي قُدما في استكمال ما بقي من لبنات الانتقال الديمقراطي وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة ونقل بلاده إلى أفق جديد من التقدّم الحضاري والاقتصادي والاجتماعي في ظل دولة مدنية عصريّة ديمقراطية عادلة، تحفظُ التعايش بين كلّ الفرقاء.

ومن خلال تتبع صيرورة التحولات السياسية المذكورة آنفا في تونس، إلى حدود تشكيل حكومة المشيشي وما رافقها من خلافات مبطنة بين الفرقاء السياسيين، كان لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في اللحظات الحرجة لمسار الانتقال الديمقراطي بتونس، فعالية كبيرة في حلحلة الأوضاع وإدارة التوافقات لتجنيب التجربة الوليدة مأساة الانهيار. وينبغي أن نسجل هنا أنه في لحظات الاضطراب حيث تتعدد العناصر المتدخلة والعوامل المؤثرة، بين ما هو داخلي وما هو خارجي، تكون الحاجة ماسّة لعقل سياسي بارد بعيد عن الانفعالات، يمارس السياسة بواقعية وعقلانية في التفكير، وينظر باستشراف لمدى استراتيجي بعيد وليس أمام ناظريه أو في انسياق لعواطفه. ولو كان مثل هذا النمط من التفكير والممارسة السياسية منتشرا في الدول الرئيسية التي جرى بها الربيع العربي، لما حدثت الكثير من الآلام التي جعلت التكلفة باهظة.

هذا التفكير العقلاني البارد في قضايا السياسة، يستصحبه معه راشد الغنوشي منذ لحظات مبكرة في رسم معالج تجربة الإسلام السياسي بتونس، حيث شغلت تفكيره إشكالية الحرية والديمقراطية والمواطنة، وليس الشريعة والدين والهوية كما أسئلة الإسلاميين حينها، إذ يعتبر الغنوشي أن “قضية الحرية السياسية والفكرية أولوية الأولويات، ومنها ينطلق البناء الجديد في نظره.

إن راشد الغنوشي يُنظر إليه في الأوساط الغربية والدول المتقدّمة شرقا وغربا ومن مراكز التفكير العلميّة على أنّه رائد تحديث الممارسة السياسيّة في المنطقة العربيّة وزعيم التيار الديمقراطي بها ومنظّر لتعايش الدين الإسلامي مع قيم الحريّة والديمقراطيّة وتعايش القوى الإسلاميّة مع منافسيها في الضفَّة المقابلة من قوى علمانية ويساريّة وليبراليّة، وهي تدرك جيدا أنه ضمانة الاستقرار السياسية في تونس..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق