أهم الأحداثتقارير

أليس من حق الفلسطينيين الدفاع عن أنفسهم ؟

في العدوان الأخير على القدس و غزة صدرت تصريحات أميركية و فرنسية و غربية مؤيدة للعدوان ، ومعتبرة ذلك حقا للكيان الصهيوني ، و قال الرئيس بايدن ” من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها ّ في حين طالب ماكرون بوقف ارهاب المقاومة دون أن يطلب من الكيان وقف عدوانه ، وهو موقف معروف إذ أن مفاعل ديمونة النووي الصهيوني بنته فرنسا و ليست دولة أخرى .

وهذا الموقف قديم وثابت لدى الغربيين ففي نوفمبر من العام 2012؛ وبينما كانت إسرائيل تشنّ هجومها الغاشم على قطاع غزة، أجرى الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما اتصالًا هاتفيًا مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، حيث أكد أوباما حينها على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، محمّلًا فصائل المقاومة الفلسطينية نتائج ما يحدث، بحسب أوباما: “فقد تحمل الإسرائيليون الكثير من التهديد من الصواريخ التي تُطلق عليهم من غزة لفترة طويلة جدًا، وهذا ما دفع الإسرائيليين إلى اتخاذ الإجراء الذي يقومون به في القطاع”. بعد مرور 9 أعوام تقريبًا، صار نائب أوباما السابق رئيسًا لأمريكا، ومجددًا تكرر الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين، ليتكرر معه الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي الحالي ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو، وخلاله يؤكد بايدن على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ومعربًا عن ثقته في إنهاء سريع للأعمال العدائية التي تقوم بها الفصائل الفلسطينية من أجل سلامة وأمن شعب إسرائيل!، كان من العجيب أن بايدن الذي يضع حقوق الإنسان في مقدمة أولويات أجندته الخارجية لم يلتفت إلى حق الفلسطينيين في الحياة على أرضهم، ولم يذكر بايدن شيئًا عن حقوقهم في العيش بسلام وأمن أو ضرورة إنهاء الأعمال العدائية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية؛ أليس من حق الفلسطينيين أيضا أن يدافعوا عن أنفسهم؟!

يحكم الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي منذ القدم، حالة مزدوجة من المعايير، تقوم على فكرة أن الفلسطينيين يجب أن يخضعوا ببساطة لقتلهم، والاعتداء عليهم، ونزع ملكية أراضيهم ومنازلهم، فعليهم الانصياع للقوانين الإسرائيلية وأحكام محاكمها العسكرية، عليهم أن يرضخوا دون قيد أو شرط، لا مقدسات لهم يجب أن تُصَان، ولا ماضي يجب أن يُحفَظ، وتاريخ يجب أن يُتذَكر، فمنذ اللحظة الأولى للهجوم الإسرائيلي برًا وبحرًا وجوًا على قطاع غزة، كانت الخسائر على الجانب الفلسطيني، سواء من ناحية عدد الشهداء أو الإصابات أو الدمار الذي لحق بالمباني والمنشأت، خير دليل على كذب ادعاء إسرائيل بأن ضرباتها الصاروخية كانت جراحية ومحددة، وأنها تتجنب إصابة المدنيين، خاصةً الأطفال، بل إن إسرائيل ظلّت تروّج لمقولة أن حماس وغيرها من فصائل المقاومة يعرّضون شعبهم للخطر، لأنهم يطلقون الصواريخ من مناطق سكنية، وهو ما يجعل تلك المناطق عرضة للقصف المباشر، وتزعم إسرائيل أيضا أنها تعطي تحذيرات مسبقة بوقت كافٍ لسكان تلك المباني لإخلائها قبل أن تقوم بقصفها، فإذا كانت إسرائيل تفعل كل ذلك حقا؛ فلماذا نرى كل هذه الخسائر المادية والبشرية على الجانب الفلسطيني فقط؟!

في الفيزياء؛ هناك قانون ينص على أن “لكل فعل رد فعل، مساوى له في القيمة، ومعاكس له في الإتجاه”، تفعيلًا لهذا القانون فإن من حق الفلسطينيون أن يدافعوا عن أنفسهم ويردوا على إسرائيل بمثل ما تفعله ضدهم، وهذا الأمر يعدّ منطقيًا لكل ذي عقل وضمير، لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، كان له رأيًا آخر، فبعد أن أدان بأشد العبارات إطلاق الصواريخ من غزة على إسرائيل، ودعوته للفلسطينيين لضرورة وقف التصعيد من جانبهم، راح يؤكد على حق إسرائيل المشروع في الدفاع عن نفسها، وعندما وجه له أحد الصحفيين سؤالًا عما إذا كان الفلسطينيون يشاركون في حق الدفاع عن النفس أيضا، كان رده ملتبسًا، مؤكدًا أن مفهوم الدفاع عن النفس يجب أن ينطبق على أي دولة، فالفلسطينيين ـ من وجهة نظره ـ عديمي الجنسية، وبالتالي كان على الصحفي أن يستنتج ببساطة أن الخارجية الأمريكية لا تمنح حق الدفاع عن النفس للفلسطينيين، لأنهم بلا دولة!، المؤسف أن هذا المعيار المزدوج والظالم تتقاسمه الكثير من وسائل الإعلام الغربية، وفي مقدمتها الأمريكية، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، قامت الصحف الأمريكية الخمس الأكثر انتشارًا، وهى وول ستريت جورنال، ويو إس إيه توداي، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ولوس أنجلوس تايمز، بنشر 343 مقالاً خلال الفترة الماضية، تحتوي على عبارة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” بأشكال وصياغات مختلفة، لكن عند البحث عن أي عبارة تحمل معنى “حق الفلسطينيين في الدفاع عن النفس”، لم تكن موجودة تقريبًا.

في عام 1982، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يؤكد شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال وسلامة الأراضي والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح، من المثير للعجب أن هذا القرار تحديدًا قد أشار إلى الفلسطينيين 11 مرة، ووصفهم صراحةً بأنهم تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية، لكن بالرغم من ذلك فإن إسرائيل ومعها معظم دول العالم وغالبية وسائل الإعلام الغربية ذائعة الصيت، لا تعترف للفلسطينيين بهذا الحق في الدفاع عن النفس، فإنكار أو تجاهل حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم يعني إجبارهم على الخضوع التام لإسرائيل، وأيّ محاولة لمخالفة ذلك تعنيّ تصويرهم كإرهابيين وغوغائيين ولا يستحقون الحياة، وهو ما يعطي المبرر لقتلهم بلا عقاب لقاتلهم، ولا شك أن الصمت المستمر لوسائل الإعلام حول أفعال الاحتلال الإسرائيلي على مر السنين قد ساعد في ترسيخ هذا التصورن ووفر حماية دولية لإسرائيل من المساءلة، وحصانة للقتل والتشويه بداعي الدفاع عن النفس، وهو ما أسقط في النهاية أهمية القضية الفلسطينية من أجندات السياسة الخارجية لغالبية الدول.

بالأرقام؛ ودون احتساب النتائج المؤسفة للاعتداء الصهيوني الراهن؛ سنجد أنه منذ عام 2008، استشهد أكتر من 6000 فلسطيني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، أكثر من نصفهم من المدنيين، ومن بينهم 1250 طفلًا، وفي المقابل فقد تم قتل 251 إسرائيليًا في نفس الفترة، بالرغم من ذلك فإن الضجة الإعلامية التي حدثت حول هذا العدد الضئيل للإسرائيليين قد فاقت بكثير التغطية التي تناولت عدد الشهداء الفلسطينيين، الذين تعامل معهم الإعلام على أنهم مجرد أرقام، في حين كانت القصص الإنسانية والتقارير والأفلام الوثائقية تتناول مآسي أهالي القتلى الإسرائيليين ومدى فقدانهم لهم والفراغ الذي تركوها بعد رحيلهم، ومنذ عام 2009، أدت عمليات الهدم الإسرائيلية لمنازل الفلسطينيين إلى نزوح أكثر من 12 ألف فلسطيني، أكثر من 3 آلاف منهم من القدس الشرقية، وهو انتهاك واضح وصريح للقانون الدولي، في حين لم يفقد أي مستوطن منزله الذي استولى عليه أو قام ببنائه على أرض مغتصبة، وبدون الرجوع إلى التاريخ.. يمكننا تأمل عناوين الأخبار الآن، لنجد أن مجرد سقوط صاروخ للمقاومة على أرض فضاء بالقرب من أي مستوطنة هى كارثة كبرى، ويتم تضخيم الأمر إعلاميًا على أنها مأساة تؤرق أمن وسكينة الإسرائيليين، في حين أن مئات الطلعات الجوية وآلاف القذائف والصواريخ تطلقها إسرائيل يوميًا على قطاع غزة، دون أن يغدو الأمر كونه مجرد أرقام تُنشر بلا ضجيج، مهما كانت فداحة نتائجها.

“لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”، عبارة كررها عدد ليس بقليل من قادة العالم سواء الحاليين أو السابقين خلال الأيام القليلة الماضية، ومن الغريب أن يرى العالم أنه من حق المُعتَدِي أن يدافع عن نفسه، وليس من حق المُعتَدَى عليه أن يدافع عن نفسه أيضا، وهو الأوْلَى بالدفاع عن نفسه بالأساس، إسرائيل لا يمكنها كبح جماح المستوطنين الجشعين الذين يسرقون منازل الفلسطينيين ويطردونهم منها، لكن يمكنها الدفاع عنهم إذا ما حاول الفلسطينيون مواجهتهم دفاعًا عن منازلهم التي يتوارثونها منذ أجداد الأجداد، فموت الفلسطينيين لا يهم حلفاء إسرائيل، بينما حق الصهاينة في الدفاع عن النفس هو حق مقدس مهما كانت الظروف، صحيح أنه بإمكان العالم أن يستنكر همجية إسرائيل وهجومها الوحشي على غزة والقدس والضفة الغربية، لكن هذا الاستنكار أشبه بالهمهمات غير المسموعة في مواجهة التشدق بصوت مرتفع للغاية بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بل حتى محاولة إصدار بيان من مجلس الأمن الدولي يلوم الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، هى معضلة كبرى، فشلت فيها الدول الأعضاء في المجلس حتى الآن، فقط.. لأن الولايات المتحدة لا تريد أن يُلقَى باللوم على إسرائيل!

الرسالة التي يجب علينا أن نؤكدها وننشرها الآن هى أن حياة الفلسطينيين مهمة، وأنهم أيضًا لديهم الحق في الدفاع عن أنفسهم، وإذا كان العالم يصمت ويغض الطرف عن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، وللإنسانية بشكل عام، فمن النفاق مطالبة الفلسطينيين الضعفاء بالالتزام بالهدوء وعدم التصعيد والانصياع لقاتلهم الصهيوني دون حراك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق