الافتتاحية

أمام حالة “الهيستيريا” السياسية..
هل من عودة إلى العقل؟

الحالة التونسيّة، تجاوزت على ما يبدو حالة العبث، ودخلت فيما يشبه نوبة من الجنون أو “التخميرة” التي فقد فيها الجميع كل محدّدات الاتجاه..

فالأطراف التي يفترض بها الدفاع عن مهنة الصحافة ومتلازمتها الأساسيّة، الحريّة، نجدها تقف بوجه تعديل بعض الفصول من المرسوم 116 وهو تعديل يفتح الباب أمام إثراء المشهد الإعلامي وجعله يعكس حيويّة المشهد السياسي وتنوّعه، وذلك عبر تخفيف وتبسيط إجراءات بعث القنوات التلفزية والمحطّات الإذاعية…

في المقابل نجد الأطراف المتّهمة بمعاداة الإعلام وبالانغلاق، تدافع بشراسة عن التعديل وعن الانفتاح والتنوع.

وخلق هذا الصراع اصطفافا غريبا بين بعض القوى المحسوبة على الثورة، وأقصى الخطاب الفاشي المعادي لها، (التيّار والدستوري الحرّ) في المقابل تلتقي بعض القوى المتحمّسة للانتقال الديمقراطي مع بعض القوى التي يفترض أن يكون جوهر مشروعها معاد للثورة وإفرازاتها المختلفة (الائتلاف وقلب) في مفارقة تونسية أعتقد أنها فريدة في المنطقة والعالم.

حزبيّا لا تختلف الصورة كثيرا، وحالة “الجنون” وفقدان محدّدات الاتجاه التي تعصف ببعض المكوّنات في بعض الأحزاب الوازنة، لا تقل خطورة عما يجري في الساحة السياسية، وهنا نشير طبعا إلى حركة النهضة وخروج بعض الخطابات فيها عن كل ضابط، ودخول البعض مرحلة “خاسرين رابحين ما كمش مروحين” بمعنى “عليّا وعلى أعدائي” دون الأخذ في الاعتبار خطورة المرحلة ودقتها على الحركة والبلاد والمنطقة ككل..

نفس الحالة تقريبا نجدها في حزب التيّار والتطوّرات الدراماتيكية التي يعيشها منذ خروجه من الحكم والهيستيريا التي رافقت عمليّة الخروج من استقالة أمينه العام والممارسات الانتقامية ضدّ بعض الشركاء السابقين في الحكومة وصولا إلى التبجح بعزل وزير الصحة ونحن في أوج المعركة مع كورونا..

ونفس الشيء يقال عن الخطاب الذي رافق العملية كلها وهو خطاب اتهامي جزافي يضع كل التونسيين في خانة الفساد ولا يستثني منهم أحد إلا شخصا أو اثنين من “آل البيت” المعصومين من الخطأ والمنزهين عن الخطيئة..  في طهورية حالمة وكاذبة تنسفها وتُسفّهها نتائج 6 أشهر من الحكم بدءا بقضية الكمامات مرورا بفضيحة وزارة الصناعة ووصولا إلى قضية تضارب المصالح التي وقع فيها رئيس الحكومة السابق.

كل ذلك وغيره بات يوحي بأن الخصومة بين مكوّنات الساحة السياسيّة، أخذت المنتظم السياسي إلى حالة من فقدان التوازن وضياع البوصلة وانعدام القدرة على تقدير المصالح والأولويات، وأخرجته عن كل ضوابط أو أخلاقيات التدافع أو الصراع السياسي النزيه، في وقت تغرق البلاد في كم من المشاكل لا أول لها ولا آخر ..

 

1

الأكيد أن هناك من يريد – عن وعي وتخطيط مسبق – خلط الأوراق  والدفع بحالة “العبث” هذه إلى أقصاها إمعانا في تشويه الثورة وللتأكيد على أنها لم تأت إلا بالخراب، ولكن الأكيد أيضا أن الكثيرين جُرّوا إلى هذه الحالة عن حسن نية ورغبة منهم في الدفاع عن الثورة وعن الانتقال الديمقراطي.. ولكننا وفي الحالتين نحن أمام أخطار محدقة، فحالة الصراع المجنون هذه تدفع ببلادنا مجدّدا إلى حافة الهاوية والاحتراب الأهلي وتجعل الوضع الآن أشبه بما كان عليه سنوات 2012 و2013 حين كنا على شفا حرب أهلية طاحنة لولا أن تداركنا الله برحمته، وقيّض لنا عقولا راجحة، أساسا المرحوم الباجي قائد السبسي والأستاذ راشد الغنوشي..

وكانت أهم مخرجات الالتقاء بين الرجلين ما عرف بسياسة التوافق القائمة على التعايش ونبذ العنف والاقصاء، والقبول بقواسم العيش المشترك، والايمان بأن سفينة تونس تسع الجميع وأنه لا مجال لإقصاء أي طرف من المشهد لا تحت عناوين ثورية ولا باسم الحداثة المغشوشة والتقدمية المزعومة..  ورُفع حنيها شعار “كل من دخل تحت سقف الثورة فهو آمن”.

وعلى غرار هذا التوافق السياسي تشكّلت في البرلمان لجنة التوافقات التي سمحت بتمرير العديد من القوانين المختلف حولها، وبات التوافق مبدأ يميز الاستثناء التونسي.

 

2

العودة اليوم إلى منطق المغالبة بدل التوافق، ومحاولة المرور بقوة، حتى وإن كانت الغاية نبيلة والهدف مشروعا، يفرض علينا جميعا التريث والقيام بمراجعة دقيقة للحسابات ولمقادير الربح والخسارة من كل خطوة أو مشروع نتقدم به.. والمحدّد في هذا الأمر هو الحفاظ على ما يمكن أن نطلق عليه ثوابت الانتقال الديمقراطي التي ترسخت منذ 2014 وسمحت لهذه التجربة أن تستمر وتصل إلى محطة 2019 وسط هذا البحر المتلاطم والأمواج العاتية التي تضرب بلادنا والمنطقة كلها..

فالتحدّيات المفروضة، والإصلاحات المطلوبة، والتي قد تكون ملحّة أحيانا يجب أن لا تجعلنا نضيع البوصلة، لأن المستفيد الوحيد من خلط الأوراق، والعودة إلى منطق المغالبة والتهريج والفوضى، هم أعداء الانتقال الديمقراطي، الذين يعتبرون أن الاستقرار يخدم الثورة .. ونحن جربنا منطق المغالبة “وأعمل كي مرسي وإلا سيب الكرسي” ولم تصل بنا إلى أية نتيجة، بل كادت أن تلقي ببلادنا في الحريق الذي يضرب المنطقة..

في المقابل نحن جربنا سياسة التوافق ونجحنا من خلالها رغم كل ما يقال عن الانبطاح  والتنازلات المؤلمة، وهي كلمة حق أريد بها باطل، رغم ذلك نجحنا في العبور ببلادنا وشعبنا إلى شاطئ السلامة..

 

3

ما نحتاجه اليوم، هو العودة إلى العقل، والعودة إلى سياسة التوافق التي حمت بلادنا وأثبتت نجاعتها في فك الاشتباك وتهدئة الأوضاع، وسحبت البساط من تحت أقدام المتربصين..

تونس بحاجة إلى وريث للباجي رحمه الله يكون مشبعا بثقافة الدولة، وله عقل راجح يعرف كيف يوازن بين مختلف القوى في البلاد، وينأى بنفسه عن السفاسف، ويُغلّب المصالح العليا للدولة على الحسابات الشخصية والصراعات الإيديولوجية.

ويمكن، لرئيس الجمهورية أن يلعب هذا الدور ويملأ الفراغ الذي تركه سي الباجي رحمه الله، وأقول يمكن لأني لا زلت آمل أن يستفيق رئيس الجمهورية من غفوته، ويخرج من جبة المناكف السياسي ليلبس “كسوة” رجل الدولة باعتباره رئيس كل التونسيين لا زعيم أقليّة سياسية تريد الاستقواء بمؤسسة الرئاسة ضدّ خصومها.. ويجعل من هذه المؤسسة خيمة لكل التونسيين، فيها يشعرون بالأمان وإليها يتداعون إن حلّ بهم خطب ما، بدل لغة التهديد والوعيد وخطابات التخوين والتخويف والصواريخ التي لم تنطلق، ويخلق بدلا عن ذلك وبمعية رئيس البرلمان ورئيس الحكومة توافقا جديدا يكون قادرا على حماية تونس من المنزلقات التي يمكن أن تقع فيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق