راي رئيسي

أين ينتهي الدين .. أين تبدأ السياسة؟

حاولنا في الحلقات السابقة أن نمسك بسؤال الهويّة والجوهر، وحاولنا محاصرة الديني والسياسي في نقطة ضوء لاجتراح العنصر المكوّن للفاعلين الأساسيّين في تشكل الجماعة السياسية: رجل القيمة من جهة ورجل المصلحة من الجهة الأخرى.

يحمل الأوّل مشروع الخلاص الفردي والجماعي بمطلق حاجتنا للحريّة والخلود ويحمل الثاني مشروع المصير العام بمطلق حاجتنا للأمن والعدالة. ولم تكن العلاقة بين المشروعين متكاملة على ما يفترض نظريّا، بل كانت مناطق التقاطع على مسرح التاريخ هشّة وأحيانا متوترة حدّ التشنّج المفتوح على التحارب والتنافي.

تستمدّ العلمانية مشروعيتها كآخر نسخة تقدّمها العقلانية السياسية لرسم حدود الفصل والوصل بين الديني والسياسي ومن قبلها بين الزمني والروحي ومن تحتها بين الذاتي والموضوع.

وبالحاصل والمحصول فقد نجحت العقلانيّة الغربيّة في الاستقرار على فكرة بناء مجال عام غير طارد للدين ولا ضدّ الدينانة.

زحزحة المتدين من الحيّز السياسي إلى الحيّز المدني مسار ترتيبي معقّد تاريخيا لإعادة نظم العلاقة بين الدين والسياسة، لم يحسم سؤال العلاقة فلسفيّا ونظريّا ولكن اجتراح فكرة المجال l’espace لرسم حدود التمايز بين مطلب المتديّن الدائم في أن تكون السياسة أكبر من مجرد مشروع إدارة للوجود الاجتماعي ونزوع السياسة المتجدّد لتأميم الرمزي لصالح مطمحها في التحكّم في المصير العام.

ما دشنته العلمنة مع فلسفة الأنوار هو تحديدا فسخها لتمثيلية المقدس في المجال السياسي ولبس حضور المقدس في السياسة.

فالسياسة إذا نظرنا إليها كمشروع تعايش اجتماعي في حاجة متجدّدة لترميز حضورها كدالة أخلاقيّة تتجاوز حاجة الجسد الاجتماعي للاستقرار والنمو والتقدم لتستغرق حاجة الدولة للميتافيزيقا أو لتحتيّات قيميّة ورمزية تتجدّد عند لحظة تجدّد شرعية الدولة.

ماركس عندما قال أن السياسة هي الشكل المدنس للدين كان ينبّه إلى أن السلطة هي بالنهاية بنية ميتافيزيقية كامنة قبل أن تكون تمثيلا تاريخيا.

وربما سبينوزا هو من ألهم نيتشه صرخته المعروفة “إلاهي كيف تتركنا ألفي عام دون دين” عندما يؤكد أن الواقع إذا انحرف وانداح نحو الفوضى يخترع المخيال كرنافالا رمزيا غالبا ما يكون في شكل دين.

السياسة والدولة في حاجة متجدّدة لترميز مطلوبها التاريخي في صياغة مشروع الخير العام الآن وهنا. ولم يسجل التاريخ السياسي للأمم والشعوب قديما وحديثا قيام دولة من دون دين، فالاتحاد السوفياتي الذي نصّص دستوره على إلحاد الدولة انتهى إلى تحنيط لينين ليقف عند حدّ دين الفراعنة المتعلّق بفكرة خلود الموتى.

خلاصاتنا من كل السابق أن العلمنة التي تمثلها العقل كتسوية تاريخية متوازنة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحيّز الخاص والحيز العام وبين المجال الذاتي والمجال العام وبين الديني والسياسي بالنهاية ليست إلّا محاولة لفك خيوط التشابك بين استراتيجية المتديّن في خلق عالم بريء يكتفي بمخزون الأخلاق لإدارة وجوده الاجتماعي وبين استراتيجية السياسي الذي ما فتأ يؤكّد أن عالما بدون سلطة ماثلة وممثلة مجرّد فكرة طريفة وعميقة وليس حقيقة.

مسار اكتمال الدين في التاريخ هو نفسه مسار نفي للسياسة واغتيال ناعم لفكرة الدولة وبما أنّ الدين لا يكتمل في التاريخ فإن السياسة ستستمر في انتاج دينها الصغير إذ تؤكد على فكرة الخير العام كحدّ جاذب نحو الجوهر الميتافيزيقي للعبة الهيمنة والسلطة المكلفة بإدارتها.

لا أدري مدى السذاجة أو مدى الذكاء التي أوحت للإنسان أن يحوّل الخطأ إلى ذنب وكيركيغارد عندما يعيد قراءة عنف مشهد التضحية بإسماعيل ينبه أنّ المتديّن ليس فقط فوق الأخلاق بل ضدّها وذلك بنزوعه المتجدّد لتحويل الخطأ إلى خطيئة ودفع الخطيئة إلى حدود الذنب.

قبل سبينوزا جيوردانو برينو، وربما من وحي جنون اختراع فكرة الذنب اقترح اقتلاع الدين من المجال المعرفي وحشره في زاوية الأخلاق.

ورغم محاولة اسبينوزا لإقناعنا أن سرديّات الأنبياء لا يجب مقاربتها وتأويلها من زاوية الحقيقة بل من لازمة الخضوع الطوعي المطلوبة للتعايش، فإنّ المتدين مازال يصرّ على فاعلية التسليم بمنظومة الإيمان كحدّ طارد لمنزعنا الغريزي نحو القسوة وكحدّ جاذب لفطرتنا نحو الرحمة.

على قاعدة أخلاقية صلبة يفصل ويقابل برجسون بين نمطين من الدين، الدين المتجمّد الذي يحيل على المجتمعات المغلقة، والدين المتحرّك أو الديناميكي الذي يحيل على المجتمع المفتوح وإذ يعتبر الإيمان خطأ جميل ينبّه إلى القوّة الرمزية الرهيبة للدين في قمع نوازع البشر الطبيعية للظلم والتظالم.

التأويل الاجتماعي للدين ولفكرة الإيمان ممكنا عند حدّ الأخلاق، وممكنا عند حد المصلحة أيضا، فاستدعاء البعد الأفقي للمجتمعات اليوم يحيل على ما يسمّيه ماكس فيبير “بجماعات المشاعر”communauté émotionnelle” ودورها في لحم الرابط الاجتماعي أو الوطني بقيم أعمق من فترة العقد الاجتماعي.

فالدين ليس منظومة قيم متعالية فقط بل هو أساسا رابطة شعورية مركزة في نسيج المجتمعات تنتبه السياسة زمن الحروب والأزمات لدورها الوظيفي العميق في الحفاظ على الوجود الاجتماعي.

تتساند في عالم ما بعد الحداثة قيم العقل والدين في تجميع شتات الروح والجسد وما فكرة الوصل والفصل بين الديني والسياسي سوى تسوية تاريخية مفتوحة على الصراع والتنافي كما هي مشرّعة على التعايش والتكامل وأحسب أن محاولات المتدين للجمع بين السلطة على الروح والسلطة على الجسد قد وصلت إلى نهايات الطريق تماما كما منزع السياسة لتأميم الفضاء الحميمي وإلحاقه بالمجال الاجتماعي تعيش آخر فصولها التاريخية رواية تسوية جديدة لعلاقة الدين بالسياسة لن تخرج عن إطار تحسين شرط تموقع الإيمان في عالم العقل من جهة وتسليم العقل بالحدّ الابستمولوجي بين مطلق القيمة (الدين) ونسبية الاتيقا (السياسة) من جهة أخرى.

الذنب في قاموس المتديّن يتحوّل إلى خطأ في قاموس السياسي، تمحوه التوبة بالإيمان، أو تعالجه العدالة بالقانون في الحالتين ننسى قصة الفصل والوصل ونستحضر سردية إعادة توزيع المواقع والأدوار بين استراتيجية تأنيس مزدوجة تتبادل فيها الأدوار السياسة والدين من أجل عالم أكثر طمأنينة بمطمح المتدين وأكثر انتاجا بمطمح السياسي… وما يزال الحوار مفتوحا ويخطأ من يعتقد أن العلمنة واللائكية هي نهايات التفكير في صداع العلاقة بين الديني والسياسي فالإنسان بالنهاية كائن ديني بقدر ما هو كائن اجتماعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق