راي رئيسيكورونا

أي استراتيجيا وأي قيادة عليا نحتاج حتى نكسب حربنا على الكورونا؟

في تصريح لوكالة فرانس براس منذ أيام، اعتبر مؤرخ العلوم بجامعة بورغوني الفرنسية لوران هنري فينيو أن “انتشار وباء يشكل دوماً امتحاناً لمجتمع وحقبة” مؤكدا أنه أي  الوباء “يهدد الروابط الاجتماعية  ويطلق العنان لشكل خفيّ من الحروب الأهلية التي يكون فيها الجميع حذراً من الجميع، القريب من قريبه والجار من جاره والموظف من زميله” ومضيفا: “في هذه المرحلة، تتجلّى صور هذه الحرب الخفية  من خلال تلك المشاهد غير المألوفة وغير المعقولة لأشخاص يتدافعون في الفضاءات التجارية الكبرى على آخر حزمة من ورق المراحيض” ومختتما بنبرة حائرة وحزينة: “الوضع أكثر مأساوية في إيطاليا، إذ يضطر الأطباء إلى اختيار مريض لإنقاذه بدلاً من مريض آخر بسبب نقص أجهزة التنفس الاصطناعي وأسرة الإنعاش، كما يحصل في زمن الحروب”.

هو تصريح دقيق ولافت شدّني هذه الأيام، وأنا أتابع بشغف وانتباه كبيرين الحرب التي يخوضها العالم كل العالم، وبلادنا بصفة خاصة على العدو الباغي الذي تسرّب خلالنا ينخر أجساد أحبة لنا ويهدد حياتنا، يرغي ويزبد، ويقلب تفاصيلنا وطقوسنا رأسا على عقب، ويرغمنا على أن تعيش على إيقاع لم نألفه، يزرع فينا الشك في كل شيء، والخوف من كل شيء، ويغلق علينا أبواب سجن انفرادي لا نغادره ولا يغادرنا، وحتى إن غادرناه بأجسادنا مجبرين فإنه يظل عالقا بوجداننا وعقولنا يكبّل حركاتنا وسكناتنا ويتحكم في حركاتنا وسكناتنا.

هو عدو غير تقليدي، غير مرئي، قاهر حقق سبقا وسيطرة وسطوة وعنجهية طالت أعتى القوى الاقتصادية والعسكرية والحضارية، وعفر وجهها السمج بالتراب، فغدت في مقدمة العاجزين الذين يسألون غيرهم  إلحافا وطمعا واستجداء ورجاء، وغدا مقياس التقدم والنجاح ضد هذا العدو رهين تحقيق أقل عدد من المصابين ومن المتوفين في هذه الحرب.

 

(2)

من المؤكد أن الحرب على الكورونا أو كوفيد-19 ليست حربا تقليدية بجيش تقليدي وأسلحة وعتاد تقليديين، ذلك أن لكل حرب قيادتها وأدواتها وتكتيكها استراتيجياتها، ولعل أهم عوامل الانتصار على العدوّ معرفته ومعرفة أساليبه ونقاط قوته ونقاط ضعفه، وهو مالم تقصر في القيام به وزارة الصحة وأطباء تونس ووسائل إعلامها من خلال الومضات التحسيسية، والأحاديث المستفيضة التي لم تفارقنا منذ ما يقارب الشهر، تستحثنا على الوقاية وأساليب الحماية والحصانة الذاتية وباتت مفردات كورونا وتعقيم وحجر صحي وكلوروكين وغيرها ملء الأفواه، وملء الأسماع والأبصار، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فقد ازدهرت تجارة مواد التنظيف والتعقيم، وصار التونسيون أشد حساسية من ذي قبل في علاقة بالنظافة وتعقيم الأيدي والعملة وتنظيف الخضر والمأكولات، والحرص على تناول المشروبات الساخنة، وباتت المصافحة مكروهة والاحتضان والقبلات محرمة بعد كانت العلاقات الاجتماعية بينهم تكتسي كثيرا من الحميمية والقرب، وبتنا نلاحظ بانتباه مسافة الأمان التي يتخذها رئيس الدولة من زواره وضيوفه بعد أن كان من أشد المتعلقين  بالمصافحات الساخنة والعناق الوديع الطويل.

كما رصدنا حضورا لافتا لقوارير التعقيم اليدوي في البلاتوات التلفزية، واعتمادا كليا على المصادح الثابتة عوضا عن تلك اللاصقة التي يركبها التقنيون للمنشطين والضيوف في مستهل كل حصة تفاديا للملامسة المباشرة، هذا بالإضافة طبعا إلى توزيع النواب على فضاءات متعددة أثناء الجلسات العامة.

أما في الفضاء العام الذي سنأتي عليه لاحقا فقد شهدنا في عدة جهات حرص رجال الأمن والجيش الوطنيين بمشاركة المجتمع المدني لحث وإجبار المواطنين على التزام مسافة أمان معقولة في صفوفهم وقاية وحماية لهم من العدوى دون أن ننسى ما يأتيه المواطنون في صفوف المخابز والمغازات من احتياطات ومن اعتماد لكمامات وقفازات طبية.

هي عادات صحية جديدة لم نألفها، قد تتأصل فينا بمرور الوقت لإكساب مجتمعنا حصانة ذاتية ضد الأمراض الجرثومية والأوبئة الموسمية لم تكن لتعتمد لولا الومضات التوعوية والنصائح الطبية والبرامج التلفزية والصور والفيديوات التي تعج بها فضاءات التواصل الاجتماعي، وهي السلاح الأول الذي اعتمدته الدولة والمجتمع للوقاية من فيروس الكورونا اللعين الذي لم يتمكن العقل البشري من ابتكار أدوية مضادة له رغم تجارب يتم إجراؤها وأمصال يتم إعدادها في مختبرات كثيرة في كافة أنحاء العالم.

 

(3)

لا ريب أن الوضع الوبائي في بلادنا لم يخرج عن السيطرة، وتحقق فيه المجموعة الوطنية نتائج محترمة للغاية مقارنة بدول العالم من خلال المقاربة الاستباقية التي اعتمدتها حكومة الفخفاخ منذ نيلها ثقة البرلمان في 27 فيفري 2020، وهي مقاربة تفاعلية تتغير وفق تطور الأوضاع، تثبت إلى حد الآن نجاعتها وتحقق نسبة محترمة من الرضى.

وبالمقابل، وحتى لا تنفلت الأمور لا قدر الله وتخرج عن السيطرة لابد لنا من توجيه أصابع النقد إلى بعض إخلالات في الأداء تستوجب تدخلات عاجلة لتعديل الأوتار حتى ننجح جميعا ونسلم جميعا ونغادر دائرة المخاطر بأخف الأضرار.

ولعل أهم ما نراه ضروريا لكسب الرهان وتحقيق الانتصار الموعد توحيد قيادة الحرب على الكورونا دون تنازع في الصلاحيات، أو بحث عن نجومية ومكاسب سياسية وانتخابية سابقة لأوانها، وما يشاع عن وجود حرب باردة بين الرئاسات الثلاثة لا يليق في هذه المرحلة بتجربتنا التي طالما تغنينا بتفردها، وبانها رسمت حدودا واضحة لا تداخل فيها بين كل واحدة من أقطاب السلطة الثلاثة، ونعتقد أن حجم الاتفاق والتوافق بين الرؤساء الثلاثة أكبر بكثير من خلافات في التقدير قد تطرأ هنا وهناك، وهي طبيعية في مثل الظروف التي نعيش هذه الأيام خاصة وأن انخراط السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذه الحرب غير مشروط، واستعدادهما كلا من موقعه ودوره لإنقاذ البلاد والعباد أكيد.

أما المسألة الثانية التي يجب التأكيد عليها فتتمثل في ضرورة توحيد قيادة الحرب على الكورونا ومركزتها في قيادة عليا مقتدرة، وموحدة ومتجانسة في غير تنازع ولا تنافس إلا في خدمة المواطنين تتكون من فريق عمل مصغر تحت إشراف رئيس الحكومة، يكون أبرز أعضائها وزير الصحة ووزير التجارة ووزيرا الدفاع والداخلية ووزير الشؤون المحلية ووزير المالية، يجب أن تكون في حالة انعقاد دائمة آناء الليل وأطراف النهار ترصد وتراقب وتقرر خاصة بعد أن تحصل رئيسها على التفويض الذي طلبه من مجلس نواب الشعب.

هذه القيادة العليا يجب أن تكون مسنودة بقيادة عملياتية ميدانية حازمة وفاعلة لا تأخذها رحمة ولا شفقة بشأن المضاربين والمقصرين والفارين من الحجر الصحي الإجباري، والمواطنين الذين يتدافعون على أكياس الدقيق وعلى مراكز البريد وأولئك الذين يتعمدون التستر على حالتهم الصحية متسببين في انتشار العدوى وكل الذين يتسببون بقصد أو دون قصد في تهديد حياة الناس وأقواتهم دون تعسف أو ظلم أو تجاوز في السلطة فمما يروى عن الشهيد القائد صدام حسين أنه قال يوما في أحد خطاباته الموجهة إلى الشعب العراقي: “لكي تقود يجب أن يؤمن الناس الذين تقودهم بأنك عادل حتى ولو كنت قاسياً حينما يتطلب الأمر القسوة”.

فالنعومة واللين في غير مواضعهما من عوامل الفشل، ولا حاجة لنا لسياسة الأيادي المرتعشة في حرب غير رحيمة وغير متكافئة ضد عدوّ عربيد خطير لا يسعد بشيء سعادته بازدحام الناس ولهفتهم الغبية لأي عذر من الأعذار، وعلى القيادة العليا للحرب أن تبتدع من الحلول ما يجنبنا جميعا خرق السفينة التي إن تسرب لها ثقب أغرقتنا جميعا لا قدر الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق