الافتتاحية

أي دور لسعيد والغنوشي ؟
هل يفجر تشكيل الحكومة التناقضات داخل النهضة؟

– محمد الحمروني –

 

1

المحدد الرئيسي للمشهد في البلاد وداخل حركة النهضة في الفترة القادمة سيكون مرتبطا بكيفية إدارة رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي ملف تشكيل الحكومة، وكيفية تعاطيه مع الحركة التي كلفته..

والسؤال الذي يطرح هنا هو التالي: هل سيكون هذا التعاطي في إطار خط واضح باعتباره شخص مستقل، تمرّ علاقته بالنهضة عبر القنوات الرسمية؟ أم أنه سيدخل في لعبة الشقوق وسيحاول اللّعب على التناقضات، وربما يقع استدراجه إلى هذه اللعبة وهو ما من شأنه أن يعيد البلاد إلى معركة الشقوق التي عاشها النداء وكانت لها تداعيات خطيرة على أداء الحكومة وعلى الوضع العام ككل؟

نطرح هذه الاسئلة بعد أن بات معلوما اليوم أن تشكيل الحكومة، لم يعد شأنا خاصا بالحبيب الجملي، ولا هو مجرد معركة بين الأحزاب، بل بات جزءا أصيلا من التجاذبات الداخلية داخل النهضة، وهناك من يذهب أبعد من ذلك ليدفع بهذا الامر إلى حد اعتباره جزءا من معركة خلافة الغنوشي على رأس الحركة.

ويصبح الأمر أكثر تعقيدا، عندما يتحوّل الصراع الداخلي في حركة النهضة، إلى لعبة حزبية تغري بعض القوى باللعب على تناقضات الحركة الداخلية بهدف توجيه خيارتها أو التحكم فيها إن لزم الأمر.

 

2

العلاقة مع قلب تونس، سواء كان قلب تونس في الحكم بشكل علني ومكشوف، أو خيّر البقاء في الخلف، هي من هذا القبيل، فقلب تونس لديه مخطط لاستهداف الغنوشي، وهو يريد أن يكون اللاعب الأساسي في الحكم، وفي البرلمان، ويعمل على أن يدير النهضة مستغلا الصراعات التي يعمل على تفجيرها داخليا..

المهم ومهما كانت نوايا كل طرف سياسي يخوض اليوم مفاوضات مفتوحة مع رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي، سواء كانت حركة قلب تونس أو التيار الديمقراطي أو حتى حركة الشعب أو تحيا تونس، فإنّ كل ما يحدث في قصر الضيافة يلقي بضلال ثقيلة على الحوار داخل مؤسسات حركة النهضة ويؤثر بشكل كبير في بلورة وصياغة المواقف داخلها..

المقلق في هذا الأمر  هو أنّ هذا التباين الحاد في المواقف سيؤثر بالضرورة في نسق وديناميكية تشكيل الحكومة، في اتجاه مزيد من الغموض والتعثر  والضبابية وخاصة مزيد من البطئ.. ولعلنا نعود لنجد أنفسنا أمام حالة أشبه بحالة الانسداد التي عاشتها بلادنا خلال حكم النداء سنوات 2016 – 2017 -2018 عندما أثّرت الصراعات وحروب الشقوق داخله على الأداء الحكومي وعلى البلاد ككل.

لذا لا يمكن لنا كمتابعين ومنشغلين بالشأن العام ومهمومين بهذا الوطن، إلا أنّ نطلق صفارة انذار  لتنبيه الحزب الذي طالما كان الرافعة السياسية الوحيدة تقريبا للاستقرار في البلاد، إلى مخاطر الانزلاق إلى معارك التموقع وحروب الشقوق، لأنها لا تهدد فقط حالة الاستقرار العام بالبلاد، بل تهدد أيضا انتقالنا الديمقراطي ككل، ونُذكّر الجميع بأن منطق الحكمة والرصانة والمسؤولية التي تحلت بها النهضة منذ 2001 إلى يومنا هذا هو الذي جنب البلاد الكثير من الهزات وسمح لها بان تقف بوجه الأعاصير..

 

3

أمام كل ذلك فإن رئيس الدولة لن يبقى متفرجا على حرب الشقوق داخل النهضة وعلى سعي قلب تونس للهيمنة  – ولو من وراء ستار –  على المشهد السياسي، وهذا جوهر الخطاب الذي ألقاه الرئيس في ذكرى الثورة في 17 ديسمبر.. فالخطاب وعكس ما تصور البعض لم يكن متشنجا ولا متوترا.. وسعيّد له مسؤولية كبرى باعتباره رئيس دولة، وهو ليس بأبله ولا أحمق، ولا هو بالبسيط..

سعيد نجح في أن ينتصر على منظومة كاملة قديمها وجديدها، بما في ذلك النهضة وتحيا تونس وقلب تونس  لذلك هو بالتأكيد ليس غبيا، وخطابه في 17 ديسمبر يجب أن يُقرأ بعيدا عن التسطيح والتتفيه..

نقطة قوة قيس سعيد أنه لا يملك أجندة سياسية شخصية أو حزبية خاصة، وكل الدلائل تشير إلى أن الفترة القادمة ستكون فترة قيس سعيد بامتياز، وهو سيستغل المناخ السياسي الذي يبدو مناسبا للغاية بالنسبة له..

فالنهضة تغرق شيئا فشيئا في معركة الشقوق وما يسميه البعض بحرب الخلافة للغنوشي..

وقلب تونس بصدد إهدار فرصة تاريخية منحت له ولرئيسه كي يتخلّص من أخطاء الماضي ويبنى صورة جديدة ويؤسس لعلاقة جديدة مع محيطه السياسي..

والمنظومة القديمة غارقة في حسابات سياسية خاطئة تماما، وهي منشغلة بالأساس بمعركة التموقعات والتوزير والبحث عن صفقات.

في هذا الإطار نعتقد أنه على الغنوشي أن لا يتورط  في كلّ هذا، وعليه أن يبقى على الحياد ويبحث عن توازنات مع قيس سعيد لتجنيب البلاد حالة التيه التي تعيشها.. وهما معا مطالبان بالبحث عن القواسم المشتركة وتجميع التونسيين، وطمأنتهم، وفتح المجال أمام كل القوى للمشاركة السياسية دون إقصاء أو تهميش إلا من تورط في الفساد، أو من يصرّ على خطاب فاشي إقصائي….

ما عدى ذلك سيكون مصير بلادنا كسفينة تائهة في بحر لُجي ظلمات بعضها فوق بعض.. لا يعلم مستقرها ومستودعها.. إلا الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق