راي رئيسي

أي مستقبل سياسي للرئيس قيس سعيد؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

قيس سعيد رئيس منتخب نعم، ولكنه أيضا وفي نظر الكثيرين مسؤول مباشر ورئيسي على الازمة السياسية الراهنة في البلاد وخاصة في ظل تنامي التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ومما لا شك أن الازمة يتحمل مسؤوليته أيضا أحزاب عدة (وعلى رأسهم حركة النهضة) وأيضا يتجمل المسؤولية بدرجة ثانية أيضا المنظمات الاجتماعية وأولهم الاتحاد العام التونسي للشغل، ولكن السؤال المطروح اليوم هو أي سيناريوهات مستقبلية وأي خيارات متاحة أمام الرئيس الحالي بعد أكثر من عام ونصف من انتخابه؟

 

قيس سعيد” قبل وبعد ان أصبح رئيسا، الحقائق والثوابت والمُتغيّرات

لا يختلف اثنان في أن التونسيين قد اختاروا “سعيد” رئيسا لأنهم شعب نقي السريرة اجتماعيا وأن “سعيد” كان يومها واضح الخطاب صريحا فيما يقول وبلغة سهلة ويسيرة بل هو يومها كان يذهب الى عمق التونسيين ويعبر عن طموحاتهم وعلى ما يخالجهم، حتى أن أطرافا وقوى سياسية لم تستطع أن تسبح ضد التيّار ولا أن تعاكس قواعدها السياسية والاجتماعية فاختارت سعيد رهانا وبالتالي عدم السباحة ضد التيار وكل ذلك مكن “سعيد” من تلك النسبة في الدور الثاني يومها ضد منافسه رئيس “حزب قلب تونس” أي “نبيل القروي”…

وبعيدا عن منطق خبث ماكينة معينة ومفترضة (لا يعنينا هويتها في هذا المقال) في أنها عرفت كيف تُروج لـ “سعيد” منذ نهاية 2013 وأنها رتبت وكيّفت وأسقطت الجميع في حساباتها وأن “الكابوسان” و”قارورة الماء” وغيرهما من الدعابات ما هي إلّا أساليب للترويج والدعاية والوصول لكل الفئات الاجتماعية، فان الثابت أن ارتباك استراتيجيات مُنافسي “سعيد” وعدم واقعيتهم هي من سمحت له بالتموقع في الدور الأول أما في الدور الثاني فان الامر كان يسيرا ليكون “سعيد” رئيسا لطبيعة وضع المنافس يومها قضائيا ودعائيا ومن حيث منطق الاصطفاف وطبيعة مضمون المناظرة التلفزية وأشياء أخرى عديدة ليس المجال مجالها في دراسة الحال.

كما سمحت فسيفساء مكونات الساحتين السياسية والاجتماعية وطبيعة المناكفات القائمة حول تشكيل الحكومة بين أكتوبر 2019 وفيفري 2020 لسعيّد بمساحات ومقدّمات لفهم الإطار السياسي القائم وتغيير فريقه الاستشاري في مرحلة أولى (وهو في رأينا خطا جسيم وسيكون ثمنه باهض مستقبليا وليس الآن)، وليبدأ في تسجيل النقاط على حساب خصومه المرتقبين والذين لم يخترهم وُيعلن عنهم الا في مرحلة متقدمة مع ربيع سنة 2020 وليس جملة واحدة…

كما أن اختيار الفريق الاستشاري في مرحلته الثانية كان مبنيّا على استراتيجيا الجهات المحتوية لأغلب عناصر ذلك الفريق باعتبار أنّ خصوم “سعيد” المُعلنين عشيّة الدور الثاني وبعد إعلان فوزه أصبحوا بقدرة قادر طرفا في الحزام المساند له والواقف بقوّة وراء جزء من فريقه الاستشاري أو بالأحرى محتو للعديد من المستشارين ضمنيا أو فكريا أو علاقاتيا وهو إطار جعل جزء من ذلك الفريق الاستشاري (الثاني طبعا) يغادرون في صمت وينسحبون (ولم نسمع بانسحاب بعضهم إلا في صفحات الرائد الرسمي) …

واستطاع “سعيد” أو بالأحرى فريقه الاستشاري توظيف الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية القاتلة لأطراف سياسية على غرار “حركة النهضة” و”قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة”، فيما استفاد من وظيفية أطراف مساندة له وهي أطراف اختارت أن تكون طيعة في خدمة الرئيس وفريقه الاستشاري ومن ورائه التنسيقيات ولُبَّها اليساري (بقيادة رضا لينين وآخرين) وأيضا بعض متحولين نحوهم بعد أن كاوا معادين له قبل أشهر على غرار بعض وجوه إعلامية وبعض سياسيي السياحة الحزبية وبعض الوظيفيين الفرادى، وبالتالي اكتملت عملية تشكيل ماكينة سياسية رغم اختلاف طبيعة اذرعها ( وهو أمر سينقلب مستقبلا على “سعيد” نفسه)، ولتبدأ تلك الماكينة في الاشتغال بنفس آليات المخلوع أواخر سنة 1989 ولكن بنفس العقلية في زمن غير الزمن (ونجزم أنه وان كان الحصاد اوليا في صالح “سعيد” فانه مستقبلا لن يكون في صالحه لاختلاف حصاد التنسيقيات ومجموع الجمعيات على غرار “مغيّرون” كمثال للذكر لا الحصر وأيضا بقية الشخصيات المصطفة ولأسباب أخرى سنأتي عليها لاحقا)..

ومع اختيار “الفخفاخ” رئيسا للحكومة في نهاية جانفي/نياير 2020 بدأت أولى معارك “سعيد” وتقدماته على حساب الأحزاب والنخب السياسية المقابلة له، كما بدأت وظيفية حركة “الشعب الناصرية” وحزب “التيار” في صب عملها في جبة “سعيد”، ولكن مشكلته الأخير الرئيسية أيضا بدأت في الظهور، لأنه أولا وأخيرا هو من اختار “الفخفاخ” و”المشيشي” وهو أيضا مسؤول عن ذلك وعلى النتائج أيضا، ولأنه سيكون مضطرا لمناقضة مواقفه التي انتخبته أكثر الجماهير على ضوئها، على غرار موقفه من مشكلة “الشاهد” مع “الباجي” (كمثال للذكر لا الحصر)…

مشكلة “سعيد” منذ مارس 2020، أنه بدأ في مُراكمة زوايا خلافات – رغم أنها لم تكن معلنة يومها – مع المنظمات الوطنية وأغلب الأحزاب، وهي خلافات ستتراكم مع التطوّرات الإقليمية، وباعتبار كثرة الرهانات على سعيد شعبيا ليكسب أنصار كثيرين في بديات 2021 ولكنه سيخسرهم عبر مراحل منذ بداية مارس 2021 وستتنامى خسائره خلال الأسابيع القادمة بسبب توظيفه للدين إعلاميا أولا وثانيا لأنه سيصبح في الأذهان سببا في العرقلة وجزء رئيسيا من الأزمة.

لقد تحوّل محيط “سعيد” لقاطرة من مكوّنات “اليسار الثقافي” ومن طرف الخصوم الايديولوجيين للتيار الإسلامي، قد يكسب “سعيّد” مؤقتا نقاطا عديدة في المرحلة الراهنة ولكنه لن يستطيع أن يكون في نفس الموقع لا سياسيا ولا اجتماعيا وستنفض بعض قوى بنهاية طموحاتها الظرفية، وسيكون سعيّد في مرمى سهامها لاحقا ولأنه لن يستطيع الذهاب مع بعضها لخدمة مآربها الحقيقة ولأنها في الأخيرة أطراف وظيفية تصطف في الأخير مع مشغليها الحقيقيين وليس مع “سعيد” أو أي طرف آخر.

وسيكون سعيّد مُجبرا على الإعلان عن استراتيجيته المستقبلية – وهي ستنكشف بالضرورة – وهو ما سيجعله في مرمى عديدين فهو مثلا سيضطر للتراجع بعض خطوات ليُحدّدَ هل هو معني بعهدة ثانية؟ وهنا سينفض من حوله كل انصار الطامحين لمربع 2024 الرئاسي على غرار “عبير” (وهي حليفة صامتة ومؤقتة له) و”جمعة” و”اللومي” و”العكروت” و”الشاهد” وآخرين كُثر (“اللومي” وحزبها و”الشابي” ورفاقه و”المرايحي” ومؤيديه وربما “نزار الشعري” ومن وراءه في الداخل والخارج)، وسيكون سعيد أيضا قبل سهام اطراف محلية أخرى وسندها الاقليمي والدولي إضافة للأطراف الكلاسيكية الني بدأ في التناقض معها مبكرا على غرار أقصى اليسار والإسلاميين وكثير من الليبراليين.

 

التطورات الأخيرة في الساحة السياسية التونسية ومُؤثّراتها الحالية والمستقبلية على أفق “قيس سعيد” السياسي؟

أصبحت اغلب النخب تنظر لـ “سعيد” على أساس أنه جزء من منافسيها سياسيا واجتماعيا وفي كل مسار الانتقال الديمقراطي التونسي فأحزاب وسط اليسار باستثناء “التيّار الديمقراطي” (والذي لم يعد وحدة متكاملة) وأحزاب يمين الوسط ومربعات حزب تونس الإرادة (أنصار الدكتور “المرزوقي” عموما)، أصبحوا جميعا خصوما موضوعيين لسعيد ومناكفين له في قضايا داخلية وخارجية…

وستعمد مكونات اجتماعية على غرار “الاتحاد العام التونسي للشغل” و”اتحاد الأعراف” و”اتحاد الفلاحين” في النظر لـ “سعيد” كمُخاتل سياسي مرحليا وربما استراتيجيا، وستتعامل معه بروتوكوليا باعتباره الرئيس المنتخب، ولكنها ستكون حذرة في الاقتراب منه أو مناصرته في الكثير من المواقف والرهانات مستقبلا لطبيعة رهاناته وحساباته معها سياسيا ولعل حكاية الحوار الوطني وموقفه منه في أكثر من محطة سيبقى عالقا في الاذهان وسيكون معيارا لأي” موقف آخر بين “سعيد” والمنظمات الاجتماعية…

وسيكون مستقبل حزب “قلب تونس” محرار العلاقة بين “سعيد” وحزبي “التيّار الديمقراطي” و”حركة الشعب الناصرية”، أي مدى الذهاب في حكومة سياسية مستقبلا بين ذلك الثلاثي و”حركة النهضة” (وهو أمر سيبقى أملا قائما وترتب له بعض شخصيات في الكواليس…)، ولكنه أيضا قد يسقط كرهان ويكون فقط من الماضي لطبيعة التباينات الداخلية بين الحزبين الأقرب للرئيس (“التيار” و”الشعب الناصرية”) وأيضا بسبب توسع الهوة بين ذلك الحلف الثلاثي القائم موضوعيا (الرئيس والحزبين) من جهة وبين حركة النهضة وحلفائها الحاليين من جهة ثانية وخاصة في ظلّ بقاء المشيشي على رأس الحكومة وهو أمر لا تنازل عليه للطرف الثاني، وفي كل الحالات سيبقى اصطفاف الرئيس وعدم أخذه نفس المسافة على الجميع كان خطأ منذ البداية بل أن الموصلة فيه هو عين الخطأ والذي سيدفع الرئيس مستقبلا ثمنه السياسي…

وعدم قُدرة سعيد على تحمل أعباء الساحة السياسية وعدم تنازله أو بالأحرى تحمل حل المشكلة القائمة والتي وضع فيه نفسه والبلاد، بل أن عدم المبادرة في حلها سيحسب عليه لاحقا أو باعتباره الرئيس المنتخب أولا وثانيا بسبب تنامي تحميله المسؤولية شعبيا بل إن كثير من الصفحات والمناصرين السابقين له يعتقدون أنه مسؤول على تناميها كأزمة وأنه قام بتغذيتها عبر بعض تصريحات له غير مدروسة (والبعض من المتابعين يقول مدسوسة)، بل أن ذلك تم في أكثر من مناسبة ومربع…

والأصل أن يكون رئيس الجمهورية جامعا لا مُفرّقا، وبعض متابعين يقولون أن الرئيس نسي ويتناسى أن النظام الحالي القائم لم ولن يكون رئاسيا خلال عهدته الحالية بأي مقياس من المقاييس، ويؤكد أولئك أن عدم انتباه الرئيس لما حدث من ترتبات بين “الباجي” و”الشاهد” أمر غير مفهوم وهو ما يطرح السؤال الموضوعي: لماذا يُضيّقُ الرئيس على نفسه المساحات؟، ولماذا هو حبيس مربعات مستشاريه المباشرين وهل سأل نفسه لماذا تناقص عددهم من فترة لأخرى، ولماذا لا يستقبل خبراء في اكثر من ملف ليستمع اليهم، ولماذا لا يكونون أعضاء في زياراته الخارجية؟

لماذا يصر “سعيد” على ترذيل الأحزاب و”البرلمان” و”القصبة” (أشخاصا وصلاحيات)؟، ولماذا كل تلك التوترات والرسائل المبطنة والمعلنة؟، وهل البلاد قادرة على تحمل كل هذا التعطيل بغض النظر عن نسب المسؤولية فيه؟، والسؤال الأهم هو: هل ما زالت للإيديولوجيا والركوب عليها مساحات في الأذهان وفي التقييمات الشعبية؟

ما يجب أن يفهمه الرئيس وبعض مقرّبين منه، أن المواطنين لا يُؤمنون إلا بدولة قويّة وموحّدة وخادمة لهم ولمشاغلهم وأمالهم وآلامهم اليومية، وأنهم لن يفرّقوا مستقبلا في المسؤولية بين الرئاسات الثلاث كما يعتقد المحيطين بـ “سعيد”، فهل انتبه الرئيس لذلك أو متى سينتبه تحديدا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق