راي رئيسي

إقالة وزير الداخليّة..
رسالة قويّة مفادها .. لا للعبث بمنظومة الأمن القومي

كما هو متوّقع حالة من الهرج واللغط تفاعلا مع قرار إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي لوزير داخليته أول أمس الثلاثاء، بين من أقام فصلا من البكائيات واللطميات على حاضر تونس ومستقبلها المظلم، بعد فقدانها أحد رجالاتها البررة، ومضى بعيدا في تخوين المشيشي، وغاص في سيناريوهات السوداوية والإحباط، وبين من ذهب بعيدا في سيناريوهات المؤامرة وتنازع الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية.. والمؤسف في المسألة أن لا أحد من هؤلاء حاول النظر إلى ما حدث بعقلانية وتجرد من كل حسابات سياسوية، وابتعد عن التجاذبات ومعركة الاصطفافات..

وطبعا كما تعوّدنا يظلّ التعاطي الإعلامي مع الظاهرة الأمنية في غالبيته متأخّرا عن اللّحظة التاريخية على الأقل في مستوى فهم خطورة هذه المرحلة ودقّتها، وفي مستوى فهم أن الركض وراء الإثارة واللهث وراء السبق الصحفي يجب أن لا يطغى على أولوية الأمن القومي وسلامة المواطنين، وأيضا في مستوى الوعي بأنّ متطلبات الأمن القومي تقتضي أن لا يتم الخوض في مسائل أمنية إلا من جهات رسمية موثوقة ومعتمدة، وأنّ من متطلبات الأمن القومي الكف عن نشر أخبار أو شهادات من شأنها تهديد الأمن وسلامة الأشخاص..

لقد أمسى الأمن القومي في تونس بهذا المعنى وللأسف، مهددا من طرف أطراف تتمعش من الأخبار المثيرة المشكوك في صحتها، ولا تتورع في نشر معطيات سرية – بقطع النظر عن مدى صحتها – من أجهزة سياديّة في استهانة تامة بأمن الشخصيات ومؤسّسات الدولة.

أعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي أول أمس الثلاثاء 05 جانفي 2021 إعفاء وزير الداخلية توفيق شرف الدين من مهامه وفق ما جاء في بيان لرئاسة الحكومة، معلنة كذلك عن تولّي المشيشي نفسه المنصب بالنيابة إلى حين تكليف وزير جديد على رأس الوزارة. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الداخلية المقال كان قد اتخذ قرارا بإقالة 27 قياديا أمنيا و12 إطارا بالحرس الوطني دون علم رئيس الحكومة ولا التشاور معه.

ومع أن هذه تعد ثالث إقالة في حكومة المشيشي، التي وافق عليها البرلمان في سبتمبر الماضي، بعد إقالة وزيري الثقافة والبيئة، فإن التعاطي مع هذه الإقالة كان مختلفا ومفارقا.

فقد أقال المشيشي وزير الثقافة وليد الزيدي، في أكتوبر الماضي، إثر رفضه تمرّده على قرارات حكومية قرارات تتعلق بفيروس كورونا، وتمّ تكليف وزير السياحة حبيب عمار بتسيير أمور الوزارة. وعندها اعتبر الكثير من الملاحظين أن ما قام به وزير الثقافة يعد مظهرا من مظاهر العبث في مستوى تسيير الدولة التونسية معتبرين أنه لا يمكن لوزير أن يتمرد على قرار رئيس حكومته.

كما أقال في ديسمبر الماضي وزير البيئة مصطفى العروي، على خلفيّة ما عرف بقضية “النفايات الإيطالية”، بعد ضبط الجمارك بمدينة سوسة، في شهر جويلية الماضي، حاويات تضم نفايات سامة قادمة من إيطاليا، لا تتطابق مع معايير استيراد النفايات في العالم. وقد تم توقيف الوزير المقال تحفظيا على ذمة التحقيق على ذمة هذه القضية بعد قرار إقالته بفترة وجيزة.. وبارك الكثيرون هذه الخطوة واعتبروها موقفا وطنيا مسؤولا قام به رئيس الحكومة..

ولكن التعاطي بدا مغايرا هذه المرّة رغم أن المسارات الثلاث تقريبا، تبدو متشابهة جدّا وتؤدي منطقيا إلى نفس القرارات..

دعونا بداية نستعرض صلاحيات ومهام رئيس الحكومة وعلاقته بفريقه حسب ما يضبطه دستور 2014، وبمقتضى الفصلين 91 و92.. يضبط رئيس الحكومة السياسة العامة للدولة، مع مراعاة مقتضيات الفصل 77، ويسهر على تنفيذها، ويختص رئيس الحكومة بـ : إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء، إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البت في استقالته، وذلك بالتشاور مع رئيس الجمهورية إذا تعلق الأمر بوزير الخارجية أو وزير الدفاع، حداث أو تعديل أو حذف المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء، باستثناء الراجعة إلى رئاسة الجمهورية فيكون إحداثها أو تعديلها أو حذفها باقتراح من رئيس الجمهورية، إجراء التعيينات والإعفاءات في الوظائف المدنية العليا، وتضبط الوظائف المدنية العليا بقانون.

ويتصرّف رئيس الحكومة في الإدارة، ويبرم الاتفاقيات الدولية ذات الصبغة الفنية، ويسهر على تنفيذ القوانين.

ومن ثمة فجميع الوزراء ملزمون بتنفيذ السياسة العامة للدولة ضمن إطار القوانين التي تحدد مجال اختصاصاتهم، وجميعهم مسؤولون أمام رئيس الوزراء ومسؤولون عن قيام كل منهم بالمهام والاختصاصات المنوطة به، بالتنسيق فيما بينهم كأعضاء في مجلس الوزراء في المسائل التي تقتضي ذلك، وينبغي عليهم أثناء ذلك أن يقدموا إلى رئيس الوزراء وجهات النظر المختلف فيها كتابة وبشكل واضح وشامل. كما يحق لأعضاء مجلس الوزراء عرض أي مسألة ملحة داخلة ضمن مجال اختصاصهم على رئيس الوزراء وطلب الرأي والتوجيه اللازم بصددها.

هذه صلاحيات رئيس الحكومة كما يضبطها الدستور، وهذه حدود صلاحيات فريقه الحكومي ومرجع نظره..

هنا لن نخوض كما خاض الخائضون في أسباب الإقالات التي قام بها وزير الداخلية المقال عن علم ومن دون علم، ووفق معطيات أو وفق تخمينات فردية واجتهادات خاصة، لن نخوض في أسبابها ولا من يقف وراءها ولا لمصلحة من ولا في أي إطار تنزلت ولن ننخرط في سيناريوهات المؤامرات.. ولكننا في المقابل لا نستطيع أن لا نضع نقاط استفهام حول حجم هذه الإعفاءات وحول ثقلها ودقتها وخطورتها وخاصة توقيتها.. لا نستطيع أن لا نتساءل عن الشكل والسياق الذي جاءت فيه “مجزرة” إقالات بهذا الحجم وفي هذا التوقيت الدقيق والمُلغّم الذي تعيشه البلاد وبشكل فردي تماما دون العودة إلى رئيسه المباشر الذي يعتبر مسؤولا أمامه..

دعونا نسجّل هذه النقاط الهامة:

– أولا: الوزير توفيق شرف كان يقوم باجتماعات مع وزراء في حكومة المشيشي، وهذه اللقاءات كانت تتم دون علم رئيس الحكومة مما دعا المشيشي إلى التنبيه عليه مرارا بالتنسيق معه لكن دون جدوى..

– ثانيا: قائمة الإقالات والتعيينات الجديدة التي أعدّها وزير الداخليّة المقال وإن كانت لا تستهدف مدراء مركزيّين وعامّين، فإن حجمها -27 قياديا أمنيا و12 إطارا بالحرس الوطني- لا يمكن أن لا يلفت الانتباه ويثير الريبة لدى الجميع، خاصة عندما تكون قرارات بهذا الحجم أحادية ودون تنسيق..

– ثالثا: رئيس الحكومة المشيشي كان واضحا في التوصية الملزمة التي وجّهها لجميع وزرائه لما شدد عليهم بالعودة إليه في كل التعينات نظرا للوضع الاستثنائي الذي تمرّ به حكومته خاصّة والبلاد عامّة..

– رابعا: طبيعة الأزمة التي تمر بها بلادنا اليوم وحساسية الوضع العام وارتفاع منسوب التوتر والاحتقان ومناخات انعدام الثقة التي تخيم على المشهد العام، تتطلب حكومة متضامنة ومنسجمة وذات مستوى تنسيق عالية، وتؤمن بحتمية العمل الجماعي، وفي صورة خروج طرف منها عن هذا المبدأ يصبح من المنطقي تغييره  بشخص يؤمن بالعمل الجماعي وبالتراتبية في الإدارة وفي السلطة، حتى وإن كانت النيّة سليمة لأنّ الأجواء الدقيقة والمناخات الحسّاسة قد تنسف تماما حسن النيّة..

من هنا تحديدا يكون الوزير المقال توفيق شرف الدّين قد وجّه بنفسه طعنة إلى قائمته ووضعها بالضرورة في موضع شبهة، حين لم يعرضها على مسؤوله المباشر، وحين اعتقد أن تجنّبه المسّ بمناصب عليا واكتفائه بأسماء يمكن معها تجاوز رئيسه المباشر الذي يعود إليه بالنظر بالضرورة تعفيه من العودة إلى رئيس الحكومة حتما..

وإذا وحتى نتجنّب الجدل العقيم واللغط العبثي، ونتوقف عن تسويق سيناريوهات الانقلابات والمؤامرات، ونكف عن التخوين المتبادل وتوزيع التهم والقيل والقال وفتح الملفّات في وقت دقيق تمرّ به بلادنا، على الجميع الالتزام بمنطوق الدستور والالتزام بالصلاحيّات، والتعامل مع الأمر ببساطة وعقلانية وواقعية.. رئيس حكومة مارس صلاحياته، أقال أحد وزرائه الذي اعتبر أنه يرفض التنسيق معه ولا يعود إليه في قرارات مصيرية ودقيقة وان مستوى التنسيق والانسجام بينهما غير متوفرة، نقطة إلى السطر..

لأنّ كل ما يخاض فيه اليوم يقحم المؤسسة الأمنية في أتون تجاذبات ومناكفات سياسية، المفروض أنها يجب أن تظل بمنأى عنها باعتبارها رمزا للأمن الجمهوري وحصنا من حصون الأمن القومي، الذي تقوم فلسفته على الولاء الحصري للجمهورية وللوطن وعلى إنفاذ القوانين على الجميع دون تمييز أو استثناء، وعلى احترام القانون وحقوق المواطنين والمواطنات، وعلى آليات داخلية مضبوطة وعلمية ومنطقية ومنصفة في تعيين المسؤولين والقيادات المركزية أو الجهوية أو المحلية، وعلى رفض جميع التدخلات الحزبية أو السياسية، وأن تظل الخطط والاستراتيجيات والتكتيكات الأمنية كصلاحيات حصرية للخبراء والفنيين وأصحاب الاختصاص صلب الوزارة الأمنية وعلى نظام أساسي يحدد حقوق وواجبات عون الأمن وعلى حماية قانونية له أثناء أو بعد أداء مهامه..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق