راي رئيسي

إلى قُطّاع الطرق..
أبعدوا معارككم الإيديولوجية عن مصالحنا القومية..

زار  وفد تونسي  رفيع المستوى  يترأسه رئيس الحكومة هشام المشيشي برفقة محافظ البنك المركزي والأمين العام لاتحاد العام التونسي للشغل ورئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ورئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، طرابلس نهاية الأسبوع الماضي، للمشاركة في الدورة الأولى للمعرض الليبي التونسي أيام 23 و24 و25 ماي 2021 بطرابلس تحت شعار “منتدى التوأم الاقتصادي نحو إفريقيا”، والذي نظمه مجلس الأعمال التونسي الليبي الإفريقي بالشراكة مع الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة بطرابلس ومركز النهوض بالصادرات الليبي.. وقد توافد على ليبيا، أكثر من 500 رجل وسيدة أعمال عبر 3 رحلات جوية إلى جانب 700 رجال أعمال دخلوا طرابلس عبر المعابر الحدودية.
المعرض يهدف إلى توطيد الشراكة بين الفاعلين الاقتصاديين بالبلدين والعمل على بلورة توجه مشترك نحو إفريقيا جنوب الصحراء ولتكون تونس وليبيا بوابة لعديد الدول في أوروبا وآسيا وأمريكا المهتمة بالسوق الإفريقية.
كما اعتبر فرصة كذلك للفاعلين الاقتصاديين من تونس وليبيا لإعادة التمركز والرفع من نسق المبادلات والاستثمارات بين البلدين..

خلال الزيارة قال رئيس الحكومة الدبيبة: “لن نترك تونس وحيدة تواجه الظروف الاقتصادية التي انتجتها جائحة الكورونا وما خلفته الظروف الاقتصادية والأمنية في المنطقة من تأثير عليها بل سنقوم بعون الله بكل الخطوات الضرورية لمساعدة أشقائنا في تونس وسترون ذلك بحول الله فعلا لا قولا”..

اتفق الرجل مع نظيره التونسي على تنفيذ كل الاتفاقات الموقّعة والتي ستوقع والتي من أبرزها:

توقيع اتفاقيات لتيسير التبادل التجاري والتعاون والنقل البري والجوي والبحري، فتح المجالات الأرحب لتحرير التنقل بالنسبة للجنوب التونسي، فتح المجال لليد العاملة التونسية، فتح رسالة لدى المصرف الليبي لتلبية الاحتياجات من تونس، كما ستمنح لبيا البنك المركزي التونسي وديعة بقيمة مليار أورو.. هذه بعض الاتفاقيات التي أبرمت بين البلدين والتي تحمل آفاقا واعدة للبلدين الشقيقين..

زيارة موفقة بكل المعايير، هكذا قال عنها جلّ الخبراء ورجال الأعمال التونسيين، الذين اعتبروها بوّابة لتونس للخروج والتعافي من الأزمة الاقتصادية لأن السوق الليبية هي سوق رئيسية لتونس.

كما أشاروا إلى أنّ جزء كبيرا من أزمتنا الاقتصادية التي عشناها منذ سنوات سببها أننا افتقدنا الرئة اليمنى لتونس، خاصة وأن ليبيا كانت تلعب دورا كبيرا في معاضدة الاقتصاد التونسي سواء على مستوى الجنوب أو بالنسبة لعديد من المبادلات التجارية وكانت دائما شريكا كبيرا لتونس على مستوى الساحة الاستشفائية وعلى مستوى المسالك الرسمية، وأيضا على مستوى المسالك غير الرسمية التي جعلت تقريبا نصف سكان الجنوب يشتغلون في مجال التجارة.

ويرون أنّ استرجاع نسق العلاقة الاقتصادية لن يكون إلا إضافة نوعية للاقتصاد التونسي في هذه المرحلة التي تعيش فيها تونس تحت وطأة أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وستكون هناك إضافة نوعية لحلحلة العديد من المشاكل على مستوى العمالة وتنمية الصادرات خاصة الصناعية، وعلى مستوى عودة حركة المبادلات خاصة على مستوى السياحة الصحراوية والسياحة بصفة عامة خاصة وأنهم كانوا يمثلون أول جالية سياحية لتونس..

هذا ما تحمله زيارة ليبيا وهذا ما بشرنا به في ظرف خانق تعيشه تونس، فإذا بنا نصعق بوجهة نظر هجينة وغريبة وصادمة تنذرنا من هذه الآفاق وتحذرنا من هذه الشراكة ومن هذا التآزر.. وجهة نظر تحدثنا عن نوايا استعمارية ونوايا هيمنة تختفي وراء هذا الكرم وهذا السخاء وهذا العرفان الليبي.. فليبيا تطمح حسب بعض النخب إلى استعمارنا وبسط نفوذها علينا مستغلة الظرف الصعب الذي نمر به !؟

السيناريو ذاته، يستنسخ من جديد، السيناريو ذاته يذكرنا بما قالته النخبة نفسها تقريبا، حول الدعم القطري والدعم التركي لتونس، فكليهما كانا يخفيان رغبة في استعمارنا والهيمنة علينا..

لما وقعنا مع تركيا اتفاقيات مهمة لتونس، تهمّ التعاون العسكري وبرتوكول مرتبط بها يتعلق بتعزيز التعاون بين البلدين في المجال العسكري وخاصة في مجال التكوين، وأخرى تتعلق بحماية وتعزيز الاستثمارات بين البلدين، وهي مهمة باعتبارها ستساهم في دفع الاستثمار التركي في تونس والشراكة بين البلدين، ثم مذكرة تفاهم في مجال التعاون البيئي، فضلا عن إعراب تركيا عن عزمها الترفيع في وارداتها من المنتوجات التونسية من زيت الزيتون والفسفاط، إلى جانب التأكيد على تثبيت التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وارتفاع حجم التبادل التجاري ليبلغ، نحو مليار دولار، منها 240 مليون دولار صادرات تونسية و760 مليون دولار صادرات تركية نحو تونس.. عندها هاجت نخبة وماجت، وأدبرت واستكبرت وحشرت ونادت، وقادت حملة مسعورة ضد الدعم التركي لتونس والشراكة التونسية – التركية معتبرة أنها تخفي نزعة حب الهيمنة العثمانية ورغبة دفينة لدى تركيا في استعمارنا؟

ثم وفي محطة سابقة، قالوا نفس الشيء عن الدعم القطري لتونس.. قطر التي تعتبر أول مستثمر في تونس بعد الثورة على المستوى العربي وثاني مستثمر على المستوى الدولي.. بنسبة استثمار 43 % من مجموع الاستثمارات الخارجية، وفق إحصائيات رسمية صادرة عن وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، بما يفوق 580 مليون دينار، أي ما يعادل 215 مليون دولار.

قطر صاحبة أضخم وديعة في تاريخ تونس وصاحبة أضخم حزمة دعم في تاريخ تونس بـ مليار و250 مليون دولار، حدث ذلك في عهد السبسي “نداء” وفي عهد محمد الناصر “نداء” وفي عهد يوسف الشاهد “نداء”.. حيث تُقدّر الصادرات القطرية إلى تونس بـ 85 مليون ريال قطري (24 مليون دولار)، في العام 2019، في حين سجلت الصادرات التونسية إلى قطر نحو 85 مليون ريال قطري، وهو ما يعني أن الصادرات التونسية إلى قطر قد سجلت ارتفاعا بنحو 10 أضعاف ما بين 2011 إلى 2019..

وتتوزّع الاستثمارات القطرية في تونس بين قطاعات السياحة والخدمات والاتصالات، إلى جانب استثمارات بنكية، حيث يعمل بنك قطر الوطني التابع لمجموعة “QNB” في تونس منذ العام 2013، كما تعمل شركة الديار القطرية المتخصصة في الاستثمارات العقارية، والتي تعد إحدى الأذرع الاستثمارية لجهاز قطر للاستثمار، على الانتهاء من إنشاء منتجع “أنانتارا توزر” وهو أهم المنتجعات الفاخرة في تونس.

قطر التي تقدر الأصول الاجمالية لجهازها للاستثمار بحوالي 335 مليار دولار، وعليه يعتبر واحدا من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. وتتمركز الاستثمارات القطرية بكثافة في بريطانيا، حيث يملك الصندوق القطري للاستثمار ناطحة السحاب في لندن وحصص في شركة رويال داتش شل للطاقة وشركة سينسبري لمتاجر التجزئة، كما تملك قطر حصصا في فندق “سافوي” بالعاصمة لندن، وفندق إنتركونتيننتال الفاخر ومتجر “هارودز” وبرج بنك “أتش أس بي سي”. ويساهم الصندوق القطري في مجموعة “جي سينسبيري”، ثالث أكبر متاجر التجزئة البريطانية، كما يملك 20 % من مطار “هيثرو”..

وفي ألمانيا تعتبر حصة قطر في شركة فولكسفاغن والتي تبلغ 17 % من إجمالي الشركة، تعتبر الاستثمار القطري الاضخم في مؤسسة واحدة، وذلك بقيمة 11 مليار دولار.

وفي فرنسا استحوذ الصندوق على شركة “لويس فويتون” الفرنسية المتخصصة في المنتجات الجلدية والملابس الجاهزة والأحذية والساعات والمجوهرات، كما اشترى الصندوق حصة مهمة من شركة النفط الفرنسية الشهيرة “توتال” ويعتبر شراء نادي باريس سان جرمان الصفقة الرياضة الأكبر التي أنجزها الصندوق القطري.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية التي دخلتها قطر حديثا بعد أن ركزت لسنوات على أوروبا، فقد رصدت الدوحة غلافا ماليا وقدره 35 مليار دولار للشروع في نشاطات استثمارية واسعة في بروج أمريكا، وسرعان ما تمكن الصندوق من الاستحواذ على نسبة 10% من الشركة العملاقة “إمباير إستيت ريالتي تراست” وقفز الصندوق القطري في زمن وجيز ليصبح رابع أكبر مستثمر في المباني الإدارية بالولايات المتحدة، وأصبح الصندوق شريكا في شركة “بروك فيلد” واحدة من اكبر الشركات العقارية في الولايات المتحدة..
وفي روسيا عقدت قطر صفقة بلغت قيمتها 6.8 مليار دولار، اشترت بموجبها حصة في شركة “روسنفت” الحكومية العملاقة لإنتاج النفط، كما عقدت صفقة ضخمة مع موسكو اشترت بموجبها 25 % من مطار سان بطرسبرغ.

هذه أمثلة بسيطة لما تملكه قطر  في أكثر من بلد في العالم وأمثلة قليلة عن حجم استثماراتها حول العالم، فهل تجرأت أي جهة من داخل هذه الدول العظمى على اتهامها بالرغبة في الهيمنة والسيطرة أو استبطان النية الاستعمارية؟ هل تجرأت أي جهة على تشويه إنجازات اقتصادية كهذه وتقزيمها وتحويلها من منحة إلى محنة؟ قطعا لا..

بل على العكس الكل يرحب ويشجع ويفرش الأرض وردا لتستثمر لديهم قطر، فتتحقق لهم الفائدة.. طبعا لأنه ليس لديهم نخبا تخوض معاركها السياسية والأيديولوجية على حساب الدولة ومصالحا القومية.. لأنه ليست لديهم نخبة عندما تريد ضرب خصم سياسي تضرب الدولة، وعندما تدخل في معركة سياسية مع خصم سياسي أو أيديولوجي، تُقحم الدولة في معركتها، لأن في عقيدتهم وثقافتهم يؤمنون جيدا بأن الدولة تبقى فوق الجميع، ومصالحهم القومية فوق كل الاعتبارات وفوق كل المعارك والحسابات الخاصة.. لأنه ليست لديهم نخبة تعبث بالعلاقات الخارجية وبالأعراف الديبلوماسية، تشوه هذا الشريك الدولي وتدين ذاك وتسعى لفبركة أزمة مع آخر.. نخبة تعبث بمصير بلد وبأمنه القومي وبمصالحه العليا، تتلاعب بمصير شعب ولقمة عيشه المهددة في ظل الظرف الاقتصادي المأزقي الذي نعيشه.. نخبة لا ترى مانعا من تأبيد الأزمة التي تغرق فيها تونس في سبيل تصفية حساباتها السياسية وتحقيق مأربها السياسية الضيقة.. ومن الطبيعي أن تجعل من كل صديق يمد يده إلينا لينتشلنا من الغرق عدوّا تحاربه وتضيق عليه وتنفره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق