راي رئيسي

ائتلاف الكرامة..
في رحلة العبور الصعب

حين تحتد الأزمة السياسيّة تفرز غددها المرضية و منها الشعبوية، بهذا تكلّمت ذاكرة أزمة الديمقراطيات في الأزمنة الحديثة.

تَونس الانتخابات الأخيرة لم تشذّ عن القاعدة، فكان صعود قيس سعيّد إلى قرطاج بتزكية حوالي ثلاثة ملايين ناخب، مؤشرا على أن الوهم الشعبوي قد اخترق ديمقراطية فتيّة مازالت تصارع لتستكمل مقوّمات الوجود الهيكلي والاستمرار السياسي. ولم تتأخر الانتخابات التشريعية في رفد الرئاسيات بتأكيد القاعدة، وصعدت بنسبة محترمة ممثلين للخطاب الشعبوي الغرائزي، ومن ضفتين متقابلتين، ضفّة الردة وترذيل الثورة، وضفة الطهورية السياسية والانتصار للثورة.

ائتلاف الكرامة كان القادم الشعبوي الجديد الذي وضع ساقا عقائدية علي يمين النهضة وساقا سياسية على يسارها.

امتطى الائتلاف جواد الخطاب الثوري وقدّم نفسه للناخب كمؤتمن على الثورة المغدورة، فَركز على عنوان السيادة الوطنية، والمطالبة بطرد السفير الفرنسي أو المقيم العام كما يسميه خطابه الدعائي، واستثمر في الدعوة لدكّ حصون المنظمة الشغيلة بالنظر لتغوّلها ودورها التخريبي لمنجز الثورة كما يعتقد.

لم تمضي سنة عن العهدة الانتخابية حتى وجد الائتلاف نفسه في تحالف برلماني معلن مع “النهضة التوافقية” والتي افتك جزءا من قاعدتها الانتخابية، وحزب قلب تونس الذي يمثل منظومة الفساد، والوريث الأكبر لحزب نداء تونس الموسوم بتمثيلية الأزلام.

استغرب المراقبون هذا التحوّل في موقف سيف مخلوف وإخوانه من حزب نبيل القروي، وتعدّدت التفاسير والتحاليل وأغلبها ركّز على تبعيته للنهضة بصيغ مختلفة.

لا تهمّنا كثيرا حقيقة أنّ الائتلاف هو الوجه الثاني للنهضة وكبشها النطاح أو “براشوكها”، فكل هذه المعاني تداعت من وباء التهارش والتهارج الإيديولوجي الحزبي الذي يسم المشهد السياسي ويعكس ضعف ثقافة الاختلاف والتنوع في زمن سياسي جديد يبحث عن استكمال عناصر استقراره التاريخي وثوابت تجذّره السياسي.

ما يهمنا هو التركيز على مسار تراجع الشعبوية، وربما نهايتها على حدود مجتمع الحكم، فالخطاب الشعبوي ببطانته المزايدة بالواجب أو ما يجب أن يكون، يلتقط السهل والبسيط من قاموس الواجب الأخلاقي في معالجة أزمة السياسة، فيركّز على عنوان المؤامرة في تحديد أسبابها، وعنوان التجذّر في معالجة أعراضها.

هذا التسطيح الممنهج في الخطاب الشعبوي هو مكمن قوّة الشعبوية وموطن ضعفها في ذات الوقت.

فاستدعاء الخطاب الثوري بعد الثورة سبق أن قذف بقسوة مؤلمة العديد من رموز النضال زمن الاستبداد، أبرزهم المحامي الشجاع عبد الرؤوف العيادي، ودمّر تجارب حزبية كانت مرشّحة للتموقع المريح في مجتمع الأحزاب كحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وسليله حزب الحراك بزعامة الدكتور منصف المرزوقي، حيث انتهت بسرعة تلك التجارب إلى هامش الهوامش، وأشّرت على قسوة انتقام الحقيقة السياسية من ضرتها الحقيقة الاخلاقية عندما تتجاوز الأخيرة وظيفتها في الشهادة على الموجود لتغتصب وظيفة الحقيقة السياسية في تغيير السائد..

خطاب الحقيقة والقيمة والمبدأ قد يحشد الجمهور وراء الفاعل السياسي الذي يلبس جبّة الواعظ الزاهد والصادق الصدوق، ولكن غالبا ما يسقط في فخاخ المسافة بين الممكن وما يحب أن يكون، تلك المسافة التي تحتكر السياسة إدارتها بدالة الممكن من مطلوب القيمة والأخلاق.

على جسر العبور بين وهم الاعتقاد بتملك الحقيقة، والوكالة على المصلحة العامة تتدخل السياسة لتضع الحدّ بين الحق في الحلم، وواجب النجاعة، فتعرّي استراتيجيات التحيّل والمزايدة بالواجب على حساب المصلحة.

ربما فهم سيف مخلوف وصحبه بسرعة أن السياسة إدارة توازنات ضمن موازين قوّة ماثلة تبحث عن مراكمة الممكن لإنجاز الطموح، لذلك قبلوا تجرّع مرارة كأس الضرورة على أن تنتهي بهم الرحلة على رصيف الضياع، كما حصل مع المرزوقي والعيادي والهمامي وربّما عبّو.

الملاحظ أن لا أحد من رموز الخطاب الطهوري المذكورين أعلاه قدم نقده الذاتي واستخلص درس سقوطه المدوّي من جسر العبور بين حقل القيمة ومربع السياسة، بما يفسّر عجزهم عن إعادة انتاج مشاريعهم في أفق التجديد والتجدّد.

ننتظر من ائتلاف الكرامة أكثر من تدخّلات زعيمه السجاليّة السمجة لنتأكد من أن فوائض البراغماتية الجديدة تعكس مراجعة جدية وعميقة لمقدمات مقاربتهم البسيطة لحالة سياسية مركبة وأحيانا معقدة تتداخل خيوط هندستها والتحكم في ديناميكياتها فواعل داخلية وخارجية بارزة وكامنة تشتغل على موضوع الحكم، وتجدد انتاج آليات اشتغالها بدالة الاستمرار في التحكم في مربع النفوذ الرمزي والمادي.

كان يمكن لسيف مخلوف أن يبقى في موقع المعارضة، والتمتع برفاهة الإدانة الخالدة للسائد، ولكنه اختار أن يكون ضمن حزام برلماني مساند لحكومة المشيشي بما يعني تحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية لتزكية التشكيل الحكومي الجديد، وهذا يستدعي مراجعة جديّة لخط فصيل لا نعرف له هوية سياسية واضحة غير تجميعه للغاضبين من مآلات العملية السياسية بعد الثورة، والمنتمين في عمومهم للتيّار المحافظ القريب من النهضة.

وحاصل المحصول من السابق أن تجربة ائتلاف الكرامة تؤكد صحة المقاربة التي تقول أن الديمقراطية قادرة على ترويض جموح الخطاب الشعبوي بمجرّد مروره على قسوة امتحان الضرورة السياسية وإكراهاتها المرّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق