الافتتاحية

استبشار بانطلاق الحوار.. ولكن..!

1

فيما بدا أنه إعلان رسمي عن انطلاق حوار وطني لتجاوز الأزمة التي تعيشها البلاد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد عددا من رؤساء الحكومات السابقين إضافة إلى رئيس الحكومة الحالية هشام المشيشي لاجتماع بقصر قرطاج بهدف إلى البحث عن أمثل الحلول للأزمة ومثلت هذه الدعوة. بادرة طيبة خاصة وأنها تأتي بعد حالة من الانسداد السياسي دامت طويلا، وبعد أشهر من مقترح الاتحاد العام التونسي للشغل للحوار الوطني، وبعد أن تعطلت دواليب الدولة بفعل التجاذب الحاد بين رأسي السلطة التنفيذية. وأكدت مصادر متطابقة أن الرئيس طرح قبوله بالإشراف على الحوار الوطني خلال اجتماعه الأخير مع الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي. وطلب الرئيس من الطبوبي إبلاغ رسالة إلى مجموعة من الأحزاب مفادها قبوله بالتحوير الوزاري شريطة استبعاد الوزراء الأربعة الذين تعلقت بهم شبهات فساد كما قيل..  وأكدت ذات المصادر عدم وجود أي رابط شرطي بين انطلاق الحوار والتحوير الوزاري.  وينتظر أن يفتح الحوار الوطني أبواب أمل واسعة للتونسيين في تجاوز أوضاعهم الصعبة التي زادتها التجاذبات السياسية حدة خاصة وأن الرئيس وعلى غير العادة بدا هذه المرة أكثر انحيازا للثورة وشعارتها وأكثر وضوحا بخصوص المنظومة القديمة التي اتهمها بالتحكم في دواليب الدولة من وراء ستار وحمّلها مسؤولية الخراب الذي تعيشه البلاد، مُكذبا في الوقت ذاته ادعاءاتها بأن “ما قبل الثورة خير” ومشددا على أن لا عودة إلى الوراء وأن الأرقام التي يقع استعمالها في هذا المجال كاذبة ولا يمكن الوثوق بها.

وفي كلمته التي ألقاها بالمناسبة، طرح الرئيس تصوره للحوار والمشاركين فيه والمراحل التي يجب أن يمرّ بها بما في ذلك مرحلة انتقالية، تمهد لتغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي.. كما أكد أنه لا ينتمي لأي حزب أو ائتلاف أو تكتل سياسي..

2

ولكن الدعوة إلى هذا اللقاء والكلمة التي ألقاها الرئيس بالمناسبة، وتأكيده على قبوله بالحوار، وما فتحه كل ذلك من آمال لدى التونسيين وغالبية الطيف السياسي، عكرتها بعض القضايا التي أثيرت بالمناسبة.. فعلاوة على ما عهدناه في خطابات الرئيس من توجيه للاتهامات في كل الاتجاهات والحديث عن غرف مظلمة، فجر الرئيس قنبلة كبرى بالكشف عن وجود محاولة لاغتياله.  رئيس الدولة أكد أن أطرافا في الداخل نسقت مع أطراف في الخارج في محاولة لاستبعاده من الحكم حتى ولو بالاغتيال وشدد على أنه يعي ما يقول جيدا..  وهذا الأمر أثار صدمة حقيقية لدى الرأي العام..  صدمة أولى تتعلق بخبر محاولة اغتيال الرئيس، وصدمة ثانية بسبب طرح الرئيس أمرا بهذه الخطورة على هامش الحديث عن الحوار الوطني وكأن الأمر مسألة عابرة أو بسيطة، أو مزايدة كلامية على غرار الحديث المرسل عن اللّصوص والمتآمرين والفاسدين.  فهل كان الرئيس يدرك ويعي جيدا وقع تصريحه على البلاد وعلى الحوار الوطني؟ هل فعلا يمكن الحديث عن حوار في وضع يُستهدف فيه الرئيس بالاغتيال؟ هل يريد الرئيس الحوار فعلا؟ أم أنه بدا مرغما عليه؟ لا أحد يستطيع الإجابة عن هذه التساؤلات ولكن الثابت اليوم أن كثيرا من المسائل تتطلب توضيحا من الرئاسة في علاقة بالحوار وما أثير عن التخطيط لإزاحته، وفي علاقة أيضا باللصوص والفاسدين.. لأن الحديث عن عدم الحوار مع اللّصوص والفاسدين في ظل حضور من تعلقت بهم شبهات فساد قوية أدت إلى إسقاط بعضهم من رئاسة الحكومة، أمر يطرح أكثر من نقطة استفهام.

3

وإضافة إلى القضايا المتفجرة المنثورة في طريق الحوار، طرح رئيس الجمهورية في كلمته جملة أخرى من القضايا التي قد تعيق الحوار أو لعلها تمنع انطلاقته الفعلية من الأساس.. قضايا تتعلق بمخرجات الحوار وشروط المشاركة فيه ودور وموقع رئاسة الجمهورية من مجمل العملية.. فالرئيس قال في كلمته أنه يريد حوارا وطنيا مختلفا عن الحوار السابق الذي وصفه بأنه “لا هو بالحوار ولا بالوطني” وفي هذا إساءة بالغة لأحد أبرز طرفي الحوار وهما اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة اللذين نالا جائزة نوبل للسلام تكريما لمجهودهما في الحوار الوطني الذي انتهى إلى استكمال الدستور ومهّد لانتخابات 2014..  كما شدد رئيس الجمهورية على أنه لن يتحاور مع اللصوص ولا مع الفاسدين، وفي ذلك إشارة واضحة لإقصاء بعض الأطراف السياسية من الحوار، استنادا إلى كلام مرسل في الوقت الذي يفترض أن يكون القضاء هو الفيصل في مثل هذه القضايا.

الأمر الأخير ولعلّه الأخطر في ما جاء في كلمة الرئيس أنه حدّد مخرجات الحوار الذي يجب أن ينتهي كما يرى هو بتعديل النظام السياسي والقانون الانتخابي.  فالرئيس لم يكتف بأن جعل من نفسه طرفا في الحوار وليس مشرفا عليه، وجعل نفسه خصما في الوقت الذي يجعل منه الدستور خيمة جامعة لكل التونسيين.. بل ذهب أبعد من ذلك عندما حدد شكل الحوار والمشاركين فيه ومخرجاته، وهي جملة من الشروط والعقبات التي سيكون من الصعب تجاوزها إذا أردنا حوارا فعليا جادا ومسؤولا.. فالحوار سيد نفسه وهو وحده الذي يحدد مخرجاته ويجب أن يكون مفتوحا للجميع إلا من أقصى نفسه والرئيس يجب أن يكون مشرفا على الحوار لا طرفا فيه كي يستطيع إدارة الاختلافات التي ستنجم بين المتحاورين.  التونسيون ينتظرون حوارا وطنيا يفتح لهم أبواب الأمل في غد أفضل، ولكنهم يريدون حوارا دون اشتراطات مسبقة فيها تعسف على الآخرين وعلى الحوار ومخرجاته نفسها.. هذا إذا كان الرئيس يرغب حقا في تجاوز الأزمة، لا مجرد إرسال رسائل إلى بعض القوى الدولية بأنه ليس المسؤول عن حالة العطالة التي تشهدها البلاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق