راي رئيسي

اغتيال منظومة القيم والأخلاق..
من المسؤول وإلى أين نمضي؟

اهتز الشارع التونسي خلال الأيام القليلة الماضية على جريمة مروّعة جديدة، أثارت صدمة مجتمعيّة وأمنية كبيرة وخلّفت استياء شعبيا غير مسبوق على وسائل التواصل الاجتماعي.. وقد شهدت تونس في الخمس سنوات الأخيرة، مجموعة من جرائم القتل والاغتصاب التي لم تعرفها البلاد طوال تاريخها الحديث، وهي جرائم لا تمثل حالات نادرة كما كانت سابقا بل صارت تتكرر بشكل لافت، بعضها أصبحت تصيب المتابع بالصدمة بسبب بشاعتها ووحشيتها.. فمن جريمة اختطاف شابة، والتنكيل بجثتها إلى اختطاف طفل وحزّ رقبته بقطعة زجاج، إلى الاعتداء على أستاذ تعليم ثانوي “بساطور” وهو داخل قسمه من طرف تلميذه القاصر ليتركه غارقا في دمه..

جرائم بشاعتها وفظاعتها باتت تحتم علينا أن نتساءل بصوت مرتفع، من يا ترى المسؤول عن إخراج الوحش الذي يسكن هؤلاء، حتى يتحوّلوا إلى جوارح تقتل بدم بارد؟ من المسؤول عن تحويل طفل قاصر إلى مجرم قاتل؟ من المسؤول عن تغيير فطرة شاب ليعتدي على محارمه ويقتلهم بلا شفقة؟

من المسؤول عن صنع حالة الاغتراب النفسي والاجتماعي والأخلاقي هذه، التي أنتجت هذا الكم المفزع من العنف والشذوذ والدمار الروحي والعقلي، الذي نكاد تختنق به؟ من هم صنّاع الجريمة والمُلهمون الحقيقيون لأمثال هؤلاء؟ من اشتغل من أجل إغراق مجتمعنا في مستنقع الجرائم البشعة؟

طبعا لن نتوقف عند تشخيص وحلول النخبة المستنيرة والصفوة المصطفاة وحارسة الوعي، التي قدمت معادلة رياضية وفيزيائية عجيبة، تقوم على تحطيم آليات الدفاع الذاتي في الأسرة والمجتمع ومزيد من الاستلاب يساوي قليلا من العنف والشذوذ الجنسي..  وتتلخص هذه المعادلة في منع تحفيظ القرآن للناشئة لحمايتهم من الفكر الرجعي الظلامي، وتحرير العلاقات الجنسية وتقنين العلاقات الجنسية الشاذة والمشوهة للفطرة، وفك الارتباطات والقواعد الأسرية المعقدة والمتخلفة، وإلغاء أي عقوبة سجنية بسبب تعاطي مخدّر “الزطلة” في الأماكن العامة، وترذيل الأئمة والضالعين في العلوم الشرعية، وتحييد المساجد عن الشأن المجتمعي، وتشجيع ودعم الأعمال الدرامية الفاضحة في إطار حرية الإبداع وتحرير العقول من العادات والتقاليد البالية..

لن نتوقف أكيد عند تشخيص هذه النخبة ولا حلولها، لأنها هي في الحقيقة لعبت بوعي منها أو من دون وعي، دور الخيمة والحاضنة لهذه الأزمة القيمية والأخلاقية التي نعيشها اليوم..

لذا سنحاول بكل موضوعية أن نقدّم التشخيص الحقيقي لهذا الدمار القيمي الذي يهدّد سلامة وأمن مجتمعنا..

 

ثقافة (الإلهاء) وصناعة الفراغ الثقافي

هذه الثقافة خفّضت سقف الوعي الجماهيري، فطغت عليه السطحية والخمول بسبب التكرار الممل للخطاب الفارغ من المضمون الثقافي والفكري والحضاري.. فالمضمون الثقافي المعروض في بلدنا اليوم يفتقد تماما لأي مشروع وطني، أو رؤية فكرية وحضارية تستوعب الجميع وليس في حوزته برامج من شأنها جذب المشاهد سواء كانت ترفيهية، أو تثقيفية، أو تربوية أو سياسية.. هذا المحتوى الثقافي الذي يعرضونه علينا يصنع ثقافة جماهيرية سطحيّة، تتلخّص في الفن الخلاعي والمبتذل، والأدب الركيك الغرائزي الفارغ من الأهداف العليا في الحياة، محتوى يُزيّف وعي الناس، ويخدّر عقولهم، ويسطّح أهدافهم وتطلعاتهم، ويرتكز على عملية الإشباع، ويزيّف وعي المواطن ويشلّ تفكيره ويسلب إرادته..

والحقيقة أن الذي أدّى دور المحامل لهذه الثقافة، هي الأعمال الدرامية والبرامج التلفزيونية.. فصنّاع الدراما التونسية أقسموا على أن يحطموا كل المحاذير والتابوهات والقواعد الاجتماعية وكل القيم والثوابت التي لطالما التزمت بها الدراما القديمة ولو في حدها الأدنى.. دراما السنوات الأخيرة تحفل بمشاهد الحشيش ولف سجائره، ومشاهد الدماء والقتل، والإجرام والإيحاءات والمشاهد الجنسية الفاضحة، وتعجّ بلغة مبتذلة وألفاظ نابية وبمنسوب عال من العنف..

إن شخصية المنحرف وبائعة الهوى وتاجر المخدرات ومتعاطيها و”الباندي”، كما نسميه في لغتنا العامية، أمست شخصيات بطولية وإيجابية وجالبة لتعاطف من يتابعها، فالباندي الحشّاش رجل شجاع وأمين ونبيل وصاحب مروءة، والتي تتاجر بجسدها طيبة القلب حنون مناضلة، ومرتادي الخمارات هم علية القوم وأرقاهم وأثقفهم وأكثرهم قدرا وجاها وعلما.. هذه هي الصورة النمطية الجديدة التي من المفروض أن ترسخ في الأذهان من اليوم فصاعدا، بأمر من صانعي الدراما التلفزيونية..

 

ترسخ هذه الصور النمطية المشوهة في أذهان الأطفال والمراهقين..

إن منتجي هذه الأعمال الدرامية يدركون أنّ هذه المشاهد ستُخزّن بمفعول التكرار في العقل الباطن للإنسان الذي يمثل 90 بالمائة من العقل والمسؤول على مختلف سلوكيات الفرد وتصرفاته، وأنه يكفي تكرر مشهد لثلاث مرات فقط ليصبح قابلا للتخزين.

وأنّه بعد أنّ تخزن هذه المشاهد يتم إعادة برمجتها لتتجسد في سلوك الفرد ومن ثم تصبح عادة مكتسبة ونمط حياتي جديد. ويمسي التخلّص من هذه السلوكات التي تحوّلت بمفعول التكرار إلى عادات مكتسبة أصعب، ويحتاج إلى الكثير من الحصص لإعادة برمجة اللغة العصبية للشخص. ومن ثمة فهم يريدون ترسيخ هذه الصورة النمطية الجديدة التي تصبح فيها بائعة الهوى شخصية إيجابية، ويصبح فيه شرب الخمر سلوك راق وتصرف عادي وطبيعي، ويصبح تاجر المخدرات بارا بوالديه كريما عطوفا وشهما..

فمن ينتج هذه الأعمال ويجزل عليها بسخاء لتعرض في أكثر فترة متابعة للتلفزيون وفي أكثر الأوقات ذروة خلال اليوم، يدرك أن إجراء مسح لعقول أطفال ومراهقين يشاهدون أعمالا درامية تتسم بالعنف، يجعلهم يبدون ردود فعل مماثلة لهؤلاء الذين يرون أحداث عنف حقيقية، وأنّ علماء النفس أثبتوا التأثيرات الرئيسية للعنف الذي تعرضه وسائل الإعلام على الأطفال، فالطفل حتى عمر 6 سنوات يعجز عن التفرقة بين الحقيقي والخيال، لذا غالبا ما يتعاطف مع البطل وقد يبدأ في وضع تبريرات لتصرفاته الخاطئة، وفي كثير من الأحيان يتخيل أنه البطل ويبدأ في تقليده بشكل أعمى.

صناع هذه الدراما يعرفون جيدا أن الدراما سلاح ذو حدين، إما أن تقتل وتدمر وتحبط، وإما أن تبني وترسخ القيم الأخلاقية السليمة، هم يعون خطورة ما يقدمونه خاصة في ظرف مجتمع هش يتعرض لإعلام مدمر من الخارج، يساهم في تدمير موروث من القيم وفي تشويه براءة الأطفال، وتدمير عقول الشباب، وتشوش اتجاهاتهم، ويؤدي أحيانا إلى حدوث مشاكل سلوكية واضطرابات نفسية واجتماعية، بل إن بعضها يُعمق مشاعر سلبية عديدة بما يقدم من نماذج اجتماعية هشة أو غير صحيحة أو مشوهة، أو أنها تساعد على انتشار العنف.

 

الاستلاب والإلحاق الحضاري

نحن نقع في صور من هذا الاستلاب الحضاري ربما دون أن نعمد إليها سبيلا، أو نلقي إليه بالا، فالاستلاب الحضاري كالشرك في أنه “أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء”.. ننجرّ وراءها دون أن نشعر بذلك، ويكون الأبناء والمراهقون هم ضحية هذا الاستلاب، فالبعض ينخرط في استهلاك عادات وتفاصيل لا علاقة لها بواقعنا ولا بمجتمعاتنا، ولا بمعتقداتنا ولا بعاداتنا ولا بموروثنا الثقافي والحضاري.. ويا ليتها كانت عادات إيجابية أو مفيدة، على العكس هي عادات مدمرة لشخصية الأطفال والمراهقين، بل مدمرة للمجتمعات ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة، قد نكتفي بالتعريج على واحدة من بينها، وهي ما يسمى بحفلات “الهالوين”، التي أصبحت الكثير مِن رياض الأطفال والمدارس والفضاءات التجارية الكبرى تنظمها، وهي عيد وثني خطير، وفد علينا من الغرب، وحفل تنكّري يلبس فيه الأطفال أقنعة مخيفة، فيها رموز شيطانية، ومجسّمات للموتى والجماجم، والأخطر من ذلك تشخيص الأطفال لعمليات “قتل” و”ذبح” و”قطع” لأطراف الجُثث، ثمّ أكلها والتمثيل بها.. وتظهر في حفلات الرّعب هذه، الدّماء تتقاطر من الأفواه والأيدي وفي كلّ مكان..

صور تُخزّن في أذهان أبنائنا وتشبعهم عنفا وشذوذا وتطرفا..

 

استقالة الأسرة والمؤسسة التربوية..

الأسرة والمدرسة هما الوعاء التربوي، والثقافي الذي تتبلور داخله شخصية الطفل تشكيلا فرديا، واجتماعيا وثقافيا، وهما بهذا تمارسان عمليات تربوية تثقيفية هادفة من أجل تحقيق نموّ الطفل نموّا سليما..

هذا الأصل في الأشياء، ولكن الواقع اليوم غير ذلك، فبسبب ضغوطات الحياة المعاصرة ومتطلّباتها، نجد العديد من الأسر للأسف قد قدّموا استقالتهم من الفعل التربوي، واكتفوا بتوفير المتطلّبات المادية للأبناء، متجاهلين الدور التربوي المنوط بهم..  فما إن يعود الطفل إلى البيت حتى يتوجه نحو التلفاز، لمشاهدة مسلسلات تفوق سنه بكثير، يتعلم منها كل ما من شأنه تخريب علاقاته الاجتماعية، وتكرّس في نفسه سلوكيات سيئة كالعنف، والشتم، والخيانة والسرقة، وسلوكيات إلى غير ذلك من الأخلاق المشوهة التي تترسخ في نفسية الطفل، كما يقضي الطفل وقتا طويلا مع الألعاب الإلكترونية وألعاب العنف والقتل، دون أدنى رقابة أبوية، وهو ما يبرر بشكل كبير ظهور العنف في سلوكيات الطفل وفي تشتيت ذهنه، ومشاكل التركيز والانطواء والعزلة والشذوذ.. وتصبح المثل العليا بالنسبة للطفل هي تلك الصورة التي ترسخ في مخيلته وتحاكي لاوعيه، مستوحاة من شخصيات “الإنمي” الشاذة والعنيفة والتي لا تؤمن بالأديان، أو البلطجي القوي، أو مغني الراب مدمن المخدرات.

لقد كشفت دراسة ميدانية عملت عليها منظمة “ألبرت أنترناشيونال” عن تفشّي ظاهرة العنف المدرسي وتعاطي المخدّرات في صفوف التلاميذ بعد أخذ عيّنات من ثلاثة معاهد في مناطق دوار هيشر من ولاية منوبة وتطاوين الشمالية وحيّ النور من ولاية القصرين.

اتّخذت المنظمة منطلقا للدراسة من عينة تتكوّن من 1200 تلميذ أعمارهم بين 14 و23 سنة،) 640 ذكور و560 إناث) من المعاهد المذكورة، حيث أثبتت أنّ أكبر نسبة ممارسات للعنف تحدث داخل المؤسّسة التربوية من قبل الإطار التربوي والإداري.

وتوصّلت الدراسة إلى أنّ تعاطي المخدّرات ظاهرة متفشية في الوسط التربوي في صفوف التلاميذ، إذ صرّح 76.1% من تلاميذ معهد دوار هيشر و69.5% من تلاميذ معهد حي النور و56% من تلاميذ معهد تطاوين الشمالية بتعاطيهم مواد مخدّرة داخل أسوار المعهد.

وبحسب الدراسة التي أجريت في جانفي 2021، تعاني مختلف المعاهد من غياب قاعات الأنشطة الثقافية والترفيهية وورشات التنشيط التي تهدف إلى تطوير وصقل ملكة الإبداع لدى التلميذ ودعم قدراته الذهنية أثناء أوقات الفراغ، وهو ما يفسّر عزوف الشباب عنها ومكوثهم لساعات خارج أسوار المعاهد.

وتعتبر الدراسة أنّ كل هذه العوامل توفّر مناخا ملائما لانحراف التلميذ نحو ممارسات خطرة مثل تعاطي المخدرات في أوقات الفراغ.

كما خلصت الدراسة إلى أن غياب التأطير النفسي والمعاملة الحسنة داخل المؤسّسة التربوية، وغياب أخصائيّين نفسيّين واجتماعيين للإحاطة بالتلميذ وتوجيهه، تساهم في جنوح التلميذ نحو العنف والمخدرات..

فإذا أردنا تطويق تسوماني العنف الذي يضرب أبناءنا ويهدّد مجتمعنا، فعلينا أن نقرأ بشكل جيد كل هذه العوامل، فالحلول لا يمكن أن تخرج من هذا التشخيص العلمي والاجتماعي والنفسي، وإلا فطوفان العنف والٌجرام سيجرف الجميع..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق