راي رئيسي

الأحزاب في تونس..
محاولة في فهم الانفجار الكمي

شهدت تونس بعد الثورة انفجارا كمّيا هائلا في عدد الأحزاب، وهو على ما لاحظ وكرّر العديد من المتابعين أمر طبيعي بالنظر للسياق التاريخي المابعد ثوري، حيث تبحث النخب الجديدة عن تسديد مسار إعادة بناء الشرعية السياسية للدول.

لغة الأرقام تقول أن لدينا أكثر من 200 حزب مؤشر لهم رسميا اليوم، وهو رقم صادم لا تبرّره الإحالة على إسبانيا ما بعد فرانكو التي شهدت نفس الظاهرة مثلا. وهو ما يدفعنا للتساؤل عن طبيعة هذا التطوّر الانفجاري لمجتمع الأحزاب في تونس الجديدة، فتفسير الظاهرة بمجرد نزعة المشاركة الرومانسية والأفقية المفتوحة لإدارة الشأن العام بعد تحريرها من الوصاية والاحتكار زمن الاستبداد، لا تكفي في فهم خلفيات وتحتيات الظاهرة.

ولعل ما يدفع أكثر للبحث في خفايا المسألة، هو غياب الكيف أو النوعية في هذا الحطام الكمي المتعاظم في مجتمع الأحزاب. فقد تابع الرأي العام باستغراب صادم تعفن الحالة الحزبية، وسرعة تشكل الأحزاب وتحللها. حتى أننا نكاد نجزم أنّه باستثناء حزب النهضة لا يبدو على أداء وخطاب بقية الأحزاب التي تمكّنت من التموقع في المشهد الرسمي ما يؤشر على قابليتها للحفاظ على الوجود والاستمرار.

لعل مثال حزب نداء تونس يحكي ثلثي القصة بعد أن أفصحت تجربة المؤتمر من أجل الجمهورية عن ثلثها الأول.

فحزب الرئيس المرزوقي وحزب الرئيس قايد السبسي كلاهما تطوّر بشكل مفاجئ واستطاع في وقت وجيز لا يتجاوز بضعة الأشهر من التموقع في قلب المشهد الحزبي بل وتمكن حزب النداء من إزاحة حركة النهضة من الحكم بفوزه بالرئاسيات والتشريعات في 2014.

ولكن ما انتهى إليه الحزبان من تفكك وتحلل في ظرف وجيز يثير أكثر من نقطة استفهام على طبيعة الأزمة البنيوية العميقة لفكرة التنظّم الحزبي ذاتها وصلتها بالبطانة النفسية العامة للتونسيين.

استدعاء الأسباب التقليدية لأزمة الأحزاب لا يفسر لوحده الظاهرة، وتقديري أن الزعامتية وغياب الديمقراطية والمراقبة والمحاسبة. والتداول على المسؤولية الحزبية والشفافية، وغيرها من العناوين الصغيرة لأزمة الأحزاب، لا تكفي كلها مجتمعة لتفسير الظاهرة وهو ما يدفعنا إلى النبش فيما وراء الأسباب البارزة المتعلقة جلّها بتقنيات وآليات التسيير الحزبي.

نلاحظ بداية في هذا السياق وبالعودة إلى تاريخنا السياسي الحديث، أن تونس عرفت تأسيس حزبين وازنين تمكنا من اختراق عالم النخبة (الامتداد العمودي) وعالم الجمهور (الامتداد الأفقي) وهما حزب الدستور في بداية القرن الماضي زمن الاستعمار، وحزب النهضة الإسلامي الذي تأسّس على قاعدة النقيض الأيديولوجي والسياسي لحزب الدستور. ونلاحظ في هذا السياق أن الحزبين تأسّسا على قاعدة “ما فوق سياسية”، فالحزب الذي ورثه بورقيبة وتحوّل إلى حزب الدولة، لم يتأسس في أرض السياسة وعلى قاعدة المشروعية البرامجية للتنافس على الحكم، بل تأسس على معنى او قيمة التحرر من الاستعمار فشرعيته لم تكن سياسية ذات صلة بسؤال تحسين شرط الوجود السياسي والاجتماعي على ما يفترض في ولادة الأحزاب بل كانت شرعيته تاريخية تتصل بسؤال الوجود والمصير الوطني.

نفس الأمر نلاحظه مع حركة النهضة فهذا الحزب الذي قدّم طلب تأشيرته الأولى سنة 1981 باسم الاتجاه الإسلامي تأسس على قيمة الولاء لله ورسوله باعتباره جماعة إسلاميّة مطمحها الأعلى إعادة صياغة الوجود والموجود على قاعدة الرسالة الاسلامية.

لقد كانت “ما ورائيات السياسة” مصدرا لشرعية التأسيس في حالة حزب الدستور وحزب النهضة. فهل يبتعد بنا التأويل قصيا عن الحقيقة إذا أكدنا هنا أن الفضاء الحزبي الوطني لم يشهد إلى حدّ الساعة واليوم ولادة طرف حزبي سويّ ومتوازن ووازن على قاعدة سياسية؟ أي على قاعدة رؤية ومشروع وبرنامج سياسي وطني هدفه الحكم وتجويد أداء النخب المؤهلة لإدارة الشأن العام؟

حقيقة فشل التونسيين في امتحان التنظّم الحزبي المعني مباشرة بموضوع الحكم، تطرح أمامنا العديد من الأسئلة التي تلامس حدود الانتربولوجيا، والبحث في طبيعة الشخصية التونسية وتمثّلها الحاد والحدي لفردانيتها. فالتونسي يكاد يكون “الفرد الوحيد” أو “الفرد المطلق” الذي لا يرى من دونه ثان. وفردانيته الحادة ربما تكون من الأسباب العميقة لتفسير وفهم أزمة فكرة التنظم ذاتها والعمل الجماعي في عمومه. ففي الحالتين (حالة حزب الدستور والنهضة) قبِلَ ورضيَ “التونسي” “التضحية” بفردانيته ونسيانها تحت تأثير عنف رمزي ثقيل، متصل في حالة حزب الدستور بواجب التحرر من الاستعمار وسؤال المصير التاريخي. وفي حالة حزب النهضة خضع التونسي للجماعة وقبل بالتنظم الجماعي تحت مطارق سؤال المصير الوجودي بأبعاده الدينية والميتافيزيقية العميقة (الجنة/النار).

وقد أثبتت تجربة ما بعد الثورة نزوع التونسي للتحرر من قوالب التنظّم الجماعي والهروب منها بقطع النظر عن المشروعية الوظيفية الماثلة في ما تقدمه الأحزاب من رؤى ومشاريع وبرامج. فأزمة التنظم الحزبي وظاهرة التطور الكمي لمجتمع الأحزاب التي نعايش بؤسها اليوم لا تتعلق بأزمة أخلاقية أو سياسية عابرة للمشهد الحزبي، بقدر ما تحيل على سؤال انتربولوجي ومن قبله انطولوجي عميق يتصل بالبنية النفسية والشعورية والذهنية للتونسي، التي تشكلت شخصيته بمركزية فردانية حادة تتحرك على تخوم النرجسية المرضية، جوهرها وعي وجوده الاجتماعي من خلال مطلق الأنا الفرد الواحد والوحيد.

تقديري أنّ التطوّر الكمّي للساحة الحزبية لن يتوقف في المدى القريب ليس لحاجة في الواقع الموضوعي، بل لرغبة خالدة لدى أغلب الفاعلين السياسيين في التعبير عن مطامحهم السياسية فرادى..

التشتت والتذرّر في المجال السياسي ليس من مفاعيل الثورة وتاليتها، بل واكب تاريخنا السياسي الحديث. ففد فشلنا مثلا قبل الثورة في الالتقاء الجبهوي رغم صلابة أرضية الالتقاء ووحدة الخصم، والخط النضالي، وكان سبب الفشل غلبة الحسابات الفردية ومركزية الحضور الزعاماتي لأغلب الفاعلين خطابا وأداء، وهو ما تواصل بعد الثورة، وبعد أن توسعت رقعة الفضاء السياسي واستجلبت جيلا جديدا من الطامحين للسلطة، وبعد أن جعلت الديمقراطية الوصول إليها ممكنا لأقل المؤهلين بمقاييس البروفايل السياسي التقليدي، وما حالة بن جمعة والصيد والشاهد إلا المثال الماثل على ممكن الوصول إلى القمة دون المرور بمصاعد الشرعيات التقليدية في المجال السياسي..

أمّ الخلاصات من السابق تقول أنه كلما ولد مشروع زعيم مهما صغر حجمه سنشهد ولادة حزب جديد.

صندوق الاستثناء التونسي لم يفصح عن كل عجائبه

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق