راي رئيسي

الأحياء الشعبية.. العنوان الخاطئ لصناع الفوضى

إذا تأملنا خارطة التحرّكات الليلية التي شهدتها تونس في الأيام الفارطة بدون سابق إنذار في توقيت يثير أكثر من تساؤل ويطرح أكثر من سؤال نجد بكل وضوح أنها تركّزت في أحياء ذات كثافة سكانية. المشترك الواضح بين هذه التحركات أعمار المشاركين فيها والعنف الذي اتسمت به. هذه التحركات صدمت كثيرا من التونسيين وحاول فريق محاصرتها فيما حاول آخرون تأجيجها، والثابت هنا أنها لم تجد حاضنة شعبية واسعة.

سمعنا مقاربات أمنية وسياسية تحاول التعامل مع الحدث ورأينا نقلا وتوصيفا للأحداث بمفردات تختلف باختلاف الناقل وباختلاف غايته من تسليط الضوء على تفصيل دون آخر بانتقائية مقصودة أو غير مقصودة. عندما نجمع كل هذه الروايات والمشاهد والأخبار لا نتمكن من تكوين صورة واحدة واضحة المعالم بل نبقى بأجزاء غير متناسقة. قد تكون الأحداث مدفوعة دفعا أو مدفوعة الأجر لكن الثابت أنها تطال ثروة استراتيجية حقيقية لتونس. إذا كان الجدل لم يحسم حول ثروات تونس تحت الأرض فالأكيد أن ثروتها فوق الأرض هم أبناؤها وشبابها والقوى الحية التي تسعى دول لا تملكها إلى استقطابها..

الأحياء الشعبية التونسية تعج بشباب المدارس والجامعات ومراكز التكوين الذين انخرطوا في مسار دراسي خططت له الدولة التونسية ولم تخطط لما بعده. خططت لتكوين هذا الشباب ولم تخطط لكيفية الاستفادة منه بعد ذلك لينتج وينخرط في انتاج الثروة. رغم ذلك تعج الأحياء الشعبية التونسية بمبادرات خاصة لتحدّي الظروف الصعبة لكنك تجد أيضا كمّا كبيرا من البطالة وضيقا انضاف إليه التضييق الذي فرضه الوباء. الدولة التي لم تجد حلولا لمشاكل الماضي تواجه مشكلا حقيقيا لمواجهة هذه الضغوط التي تعيشها أحياء كبيرة ذات كثافة سكانية عالية تأسست بدون تخطيط وبنقل عشوائي وتجهيز عشوائي وصحة عشوائية وثقافة عشوائية ومدارس تحاصرها الفوضى.

الذين يريدون توفير مناخات تخدم أجندتهم السياسية راهنوا على إشعال الفتيل هناك باختيار مدروس فاتهم أن هذه الأحياء هي صمام أمان الثورة التونسية وهي التي انخرطت في الثورة منذ عشر سنوات وتصدت لكل محاولات الانقلاب عليها وانخرطت بقوة في الانتخابات مقارنة بمناطق أخرى. الأحياء الشعبية رغم تركيز الضوء عليها ورغم إشعال الفتيل انطلاقا منها لم تنخرط بألاف أبنائها في الاحتجاجات وهذه رسالة يجب التوقف عندها ودراستها جيّدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق