راي رئيسي

الأزمات الاجتماعية..
بين ما تتيحه الديمقراطية وما تستدعيه الفوضى..

في كلمته الأحد 23 جوان 2019 بالندوة السنوية لحركة النهضة كان الأستاذ راشد الغنوشي رئيس الحركة قد رسم عنوان المرحلة لحزبه وهو “الدفاع عن المستضعفين” بعد كسب معركة الهوية والحرية، وكان أيضا حذر أثناء الحملة الانتخابية أكتوبر 2019 من احتجاجات في الشوارع ضد الفقر والبطالة وسياسات الاستثناء الاجتماعي المتواصلة منذ نشأة دولة الاستقلال.

رئيس مجلس شورى حركة النهضة في حوار مع إحدى القنوات التلفزية وفي تعليقه على دعوة اتحاد الشغل إلى حوار وطني، أكد على أن الحوار يجب أن يكون حول مسائل اجتماعية متعلقة بقضايا معيشية وحاجات الناس ليس في تسويات سياسية لكون الانتخابات قد أفضت إلى تشكيل المشهد وأن إعادة تشكيله لا تكون إلا عبر آلية الديمقراطية وهي الانتخابات.

لا أحد من المعنيين بالشأن الوطني يغفل عن وجود أزمة اجتماعية حقيقية سواء بسبب تعثر المسار الديمقراطي وما يجده من عراقيل أو بسبب جائحة كورونا الذي أثر على كل اقتصاديات العالم وتونس ضمنه، العراقيل التي عرفها المسار السياسي وتجارب الحكم وتواتر الحكومات منذ 2011 تعود لأسباب عديدة منها محاولات جرّ الصراع على السلطة إلى الشارع ومواقع العمل وحَرفه عن مساره الديمقراطي وآلياته الانتخابية.

نحن قبالة مشهد يتداخل فيه المنطقي باللامنطقي والمشروع باللامشروع، فالأزمة الاجتماعية حقيقية واحتجاج الناس منطقي في علاقته بحاجتهم وأيضا في ربطه بالمسار الديمقراطي الذي يسمح دستوره بالتعبير والنقد والتظاهر والإضراب، غير أن اللامنطقي في ما يحصل هو محاولة الانحراف بقضايا الناس الحقيقية المشروعة إلى صناعة مشهد لامنطقي من خلال ممارسات غير مشروعة من حرق وتكسير وخلع واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.

هذا المشهد لطبيعته تلك أنتج ردود فعل مختلفة، بين داعم في المطلق لتلك التحركات بممارساتها المذكورة بتعلة فشل المنظومة الحاكمة وضرورة زوالها، وبين مؤيد لها في المبدأ مع رفض الأسلوب العنيف وتوقيت الخروج ـ ليلا ـ.

الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وجمعية المحامين الشبان وبعض الأحزاب التي أخرجتها الانتخابات من المشهد السياسي أعلنوا دون تحفظ مساندتهم لتلك التحركات في نبرة لا تخلو من تحريض على ائتلاف حكومي يَصِمونه بأكثر من سلبية.

بعض الإعلاميين والأحزاب واتحاد الشغل وعديد من الشخصيات الوطنية كانت مواقفهم موائمة بين الحق المشروع في الاحتجاج من ناحية وضرورة احترام القانون والسلم الاجتماعي وممتلكات الأفراد والدولة من ناحية أخرى.

تصريحات محمد عبو وحمة الهمامي وبعض الشخصيات المحرضة دائما على حركة النهضة اعتبرها مراقبون جزءا من فتيل الحريق الذي كان يمكن أن يتمدد أكثر ويلحق مزيدا من الأضرار بالممتلكات وبالسلم الأهلي.

الذين قبلوا بالمشاركة في المسار الديمقراطي ودخول الانتخابات كان عليهم القبول بنتائج الانتخابات وانتظار محطات قادمة لتدارك أخطائهم وتحسين نسبة حضورهم من خلال ممارسة سياسية تتيحها الحرية وتقتضيها الديمقراطية بدل ممارسة “النكاية” ومحاولة خلق واقع جديد تحت عنوان ثوري أو تصحيح مسار الثورة.

مسار الثورة يحتاج نقدا وتصويبا واحتجاجا سلميا وليس حرقا وتكسيرا ونهبا وتحريضا مبطنا على مقرات الأحزاب.

غضب الناس دفاعا عن حقوقهم هو شهادة على أن عشرة أعوام من أشواق الثورة ـ ورغم التعثر الاقتصادي ـ قد أنتجت جيلا جديدا مُشبعا بروح الروحية لن يسمح بعودة الاستبداد والظلم الاجتماعي، غير أنها قد كشفت أيضا عن “طباع” انقلابية لدى عدد من السياسيين لا ينظرون للديمقراطية سوى على كونها مصعدا لوصولهم هم تحديدا إلى السلطة وإذا فشلوا في امتحاناتها لعنوها وحاولوا الذهاب إلى مسارات أخرى قوامها العنف والفوضى وتخريب السفينة لإغراق الجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق