راي رئيسي

الأزمة على حدّ المأزق .. والدولة لن تسقط

تعدّدت التحاليل في الداخل والخارج لما سمي بالاحتجاجات الليلية، فقد اندلعت أعمال نهب ليلي، واعتداء على الملك العمومي والخاص، ممّا تسبّب في مواجهات عنيفة بين قوّات الأمن والمحتجين، أسفرت لحدّ كتابة هذه السطور إلى إيقاف مئات الشباب أكثرهم من المراهقين.

مدار تحليل الحاصل الفوضوي الليلي الذي شمل أحياء شعبية بالعاصمة، وامتدّ لعدّة جهات توزّع بين زاويتين للرؤية:

  1. زاوية تؤكد على شرعية التحرّكات بحساب انفجار معادلة “الكل حريّة مقابل صفر كرامة” التي استعصت على الحلّ رغم تداول عدّة حكومات على السلطة، وفشلت جميعها في تسطير منوال تنموي يحقق الأدنى أو الأقصى من انتاج الثروة وعدالة توزيعها، ويستجيب للانتظارات الاجتماعية المتراكمة لأغلب التونسيّين، وفي مقدّمتهم مئات الألاف من الشباب المعطل والمحروم والمهمّش.
  2. زاوية ثانية في قراءة الحاصل، تؤكد على التوظيف السياسي للأزمة الاجتماعية الخانقة والمتفاقمة للالتفاف على منجز الثورة السياسي والانقلاب عليه، والركوب على عذابات التونسيين لصالح أجندات دولية وداخلية مشبوهة في الأدنى ومتآمرة ومجرمة في الأقصى.

الأكيد عقلا ومنطقا أنّ قليلا من الحقيقة والموضوعية تكمن في المقاربة الأولى والثانية، وهو ما يدفع لتفكيك الحدث ضمن سياقه التاريخي والسياسي لفهم طبيعته وضبط نسقه وممكنات وآفاق تحوّله من زاوية تاريخية عامة “الاحتجاج الليلي” ليس مستجدا ولا جديدا في الحالة التونسية، فقد شهدت مثلا سنة 1987 مظاهرات ليلية نظّمها الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة اليوم) في مواجهة النظام البورقيبي، وكانت مفاجأة للأجهزة القمعية، وحققت مطلوبها الوظيفي في إنهاك النظام الذي لم يتأخر في السقوط بانقلاب بن علي يوم 7 نوفمبر من نفس السنة، ورغم اختلاف السياق والشكل حيث كانت تلك التحرّكات في سياق نضالي ضدّ نصاب القمع الشامل والدولة البوليسية، ولم ترافقها أعمال النهب والتخريب واللصوصية التي غلبت على تحرّكات اليوم، فإن المشترك بين الأمس واليوم هو “الاحتجاج الليلي”، ورغم أن احتجاج الأمس مفهوما وبل وطريفا يعكس إبداع المخيال النضال السلمي لأشكال نضالية مستجدة ومفاجئة وناجعة، في ظلّ نظام سياسي مغلق وعنيف وقمعي حدّ التوحش، فإنّ “الاحتجاج الليلي” في أيّامنا يبدو غريبا بل وشاذا في ظل نظام ديمقراطي مفتوح يمثل الاحتجاج والتظاهر السلمي من حقوقه الدستورية الدنيا، وإحدى آليات اشتغاله وتوازنه.

عند هذه النقطة أو الحد ينبجس السؤال لماذا الاحتجاج الليلي العنيف؟ ولمصلحة من؟ وماهي آفاق تطوره؟

لنذكر بداية أن الاحتجاج الاجتماعي في تونس ما بعد الثورة ينفجر بشكل دوري وموسمي مع كل شتاء، وتتوزع المواقف السياسية منه بين المساندة بدالة فشل النخب الحاكمة في الاستجابة لسؤال التنمية، وبين محذّر من ركوب معاناة المهمشين والمحرومين والعاطلين للالتفاف على المنجز الديمقراطي والانقلاب على المسار.

فمن زاوية تاريخية نحن إزاء مرحلة بينية متموجة، وأحيانا هائجة، تمثل بؤر الاحتجاج الاجتماعي إحدى تعبيراتها المباشرة، وخط ضغط مستمرّ باعتباره المحرّك الأساسي لثورة 17/14 المجيدة وبأثر الفشل المزمن وأحيانا العبثي للنخب الجديدة التي أفرزتها منظومة ما بعد الثورة.

وخلاصة المقاربة من وجهة نظر تاريخية تؤكد على شرعية ومشروعية عنوان الاحتجاج الاجتماعي بكل صيغه وأشكاله بقطع النظر عن الانحرافات والمنزلقات الممكنة في يومياته، ومحاولات ركوبه وتوظيفه السياسي في رقعة التموقع ولعبة توازنات السلطة العميقة والكامنة والسطحية البارزة. بل لعله من حسن حظ الحالة الثورية التونسية أن سدّت معها كل “النوافذ التقليدية” للردّة ولم يبق للحالمين بالانحراف بها عن مسارها إلّا “مواسم الاحتجاج الاجتماعي الشتوية”.

والسابق ينقلنا إلى زاوية السياسة في فهم الاحتجاجات الليلية السائبة هذه الأيام، فهي كما هو معلوم وبالنظر لحجم التخريب واللصوصية التي رافقتها وضعت المراهنين عليها أمام عقدة أخلاقية و سياسية، رغم حجم التجييش الإعلامي والدعائي الذي سبقها ورافقها.

يشهد كما هو معلوم مجتمع النخبة والسياسة انقسامات عمودية حادّة عبر عنها مسار تهارجي صاخب منذ الثورة يغذيه التخندق الايديولوجي، ويعمقه عدم نضج العقل السياسي اليومي السائد وتحرّكه أطراف كامنة في السوق، وجهات أجنبية غير مرتاحة أو غير مطمئنة لدخولنا زمن الحداثة السياسية.

حالة العبث المزمن التي يشهدها الحيز السياسي والحزبي أغرت العديد من الأطراف بركوب الحدث وجلّهم من الخاسرين من العملية السياسية، أو الحالمين بتصحيح مسار الثورة كما هو حال التنسيقيات المساندة للرئيس قيس سعيد، غير أن منسوب التخريب واللصوصية والبلطجة وضع جميع المراهنين على الاحتجاج الليلي أمام مأزق أخلاقي وورطة سياسية حقيقية فتبنّي اللصوصية وتبرير التخريب سيضع تلك المجموعات والتنظيمات والأحزاب التي نشطت أذرعتها الإعلامية في الترويج للثورة الثانية وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الدولة ومخالبها الدستورية القويّة وفي مقدّمتا الجهاز الأمني الذي لم يتجاوز إلى حدّ الساعة المتاح الدستوري والقانوني في مواجهة المحتجين، وكل أماني المراهنين على “الحدث” هو أن تسقط الأجهزة الأمنية في فخ “سقوط قتلى أو قتيل” ليستخدم قميصا لعثمان، ويوشح بتاج “الشهيد”، غير أن الجهاز الأمني تحلّى لحدّ الساعة بالانضباط والمهنية والالتزام بالقانون، ليضع الجميع في الزاوية الحادّة ويقلّص من ممكنات توسّع التحركات وركوبها السياسي المشبوه.

التاريخ السياسي الحديث في تونس يؤكد أن الدولة كانت دائما غلابة في مواجهة استراتيجيات تقويضها بالعنف السائب، وهذه الحقيقة ربما استحضرها اتحاد الشغل صاحب التجربة الطويلة في إدارة المباراة الاحتجاجية مع الدولة لذلك سارعت قيادته في التبرإ من اللصوصية وأكّدت أن المنظومة القائمة تتسع للاحتجاج السلمي المدني بكل أشكاله الممكنة ولكن في وضح النهار وتحت الشمس.

المطلبية الاجتماعية ستتسع وتتعمق في ظل عجز حكومي متواتر على معالجة الأزمة بعناوينها ومفرداتها المعروفة، ولكن اللصوصية الليلية التي تتلحّف بشرعية المطالب الاجتماعية لا تمتلك مقوّمات الاستمرار ولا تفتح علي حل ولا على تسوية دستورية وسياسية مغايرة للسائد، بل قد تعمق قرف مشهد عبثي بائس تنشط العديد من الجهات في الداخل والخارج لتعميمه على الفضاء المدني بعد أن عصف بالمجال السياسي.

حكومة المشيشي التي بصدد التشكّل أمام تحدّي مصيري وامتحان صعب، جوهره ومداره الخروج من ورطة موسم الاحتجاج الشتوي بأقل الخسائر أولا، وتقديم آفاق حلّ واقعي وناجع ضمن رؤية وبرنامج واستراتيجيا واضحة تبعث الأمل في ممكن تجاوز التونسيين لزمن الوباء و وزمن الأزمة بأقصى مفاعيل النجاح.

الأهم من مناصرة الاحتجاج الليلي أو مناصرته هو سؤال منظومتنا الثقافية والتعليمية والتربوية والتنموية فجلّ المخربين والموقفين من الأجيال التي لم تعرف الثورة وغير معنية بمعانيها ودلالتها، ولا يهمها من بعيد أو قريب حسابات ورهانات الفاعلين السياسيين، وأجنداتهم المعلنة والخفية. هنا.. الصداع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق