الافتتاحية

الإجماع الوطني في اللحظات التاريخية الحاسمة..
هل يلتقط الرئيس الرسالة؟

1

تم يوم أوّل أمس التصويت في قراءة ثانية على مشروع قانون المحكمة الدستورية بأغلبية معزّزة بنحو 141 صوت.. وهو ما يعطي لمشروع تنقيح القانون قوّة ومشروعيّة أكبر، ويجعل الرئيس قيس سعيّد ملزما قانونيا ودستوريا بالتوقيع عليه..

وتعليقا على هذا التصويت دوّن الحبيب خذر المقرّر العام للدستور أن “ردّ الرئيس لمشروع القانون في المرّة الأولى حقّ مخوّل له دستوريّا، أمّا وقد صادق المجلس بثلاثة أخماسه على مشروع القانون فلم يبق أمام الرئيس إلّا ختمه في أجل لا يتجاوز 8 ماي الجاري..”.

وهو ما أكّده أيضا خبير القانون الدستوري جوهر بن مبارك الذي أوضح أن الفصل 81 من الدستور كلّف الرئيس بختم القوانين، ومَنَحه 3 إمكانيات، وهي عرض القانون على الاستفتاء أو الطعن في قانونيته أو استعمال حق الردّ أي ردّ القانون إلى مجلس النواب للمصادقة عليه في قراءة ثانية بأغلبيّة معزّزة.. وهو الخيار الذي ذهب فيه قيس سعيد.

وشدّد بن مبارك على أن الدستور واضح في هذه النقطة ولا يمكن الآن للرئيس ردّ القانون ولا الدعوة إلى الاستفتاء عليه ولا الطعن في قانونيته، وهو مجبر الآن على التوقيع عليه.

 

2

ما يجب الانتباه إليه في هذا السياق هو أن مجلس النوّاب، ورغم حالة التشتّت الكبيرة التي يعيشها، والصراع الكبير أو قلّ التباين الكبير في وجهات النظر بين مختلف كتله، إلّا أنّه وفي الحالات “الحرجة” وفي اللحظات التاريخية التي يتحدّد فيها مصير الوطن ومصير تجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي ينسى الجميع خلافاتهم ويتّحدون خلف موقف وطني جامع تعبّر عنه عادة نتائج التصويت التي تفوق الـ 140 نائبا..

وهو ما وقع أوّل أمس، خلال القراءة الثانية لمشروع قانون المحكمة الدستورية، ولكن وقع أيضا قبله في أكثر من محطة بدءا من إقرار الدستور نفسه سنة 2014 بأغلبيّة 200 نائب من جملة 217 نائب هم مجموع أعضاء المجلس الوطني التأسيسي.. إلى آخر تصويت على الحكومة، وهو التصويت على حكومة المشيشي التي وقع تمريرها بنحو 134 نائبا، والتصويت بعدها على التحوير الحكومي الذي لا يزال معطلا بــ  140 صوتا.

ومثلما وقع من قبل في الحوار الوطني، الذي أنقذ البلاد من حرب أهلية كانت محدقة، وفي مراحل مختلفة من تجربتنا منذ 2011 فإنّ الثابت السياسي الوحيد الذي تؤكده كل تلك الأحداث، هو أنّ النخب السياسية أو جزء منها على الأقل، قد تذهب بهم الخصومة بعيدا، وقد يأخذهم التجاذب السياسي إلى اللعب على حدود الهاوية، ولكن في اللحظة المناسبة تعرف هذه النخب أو بعضها على الأقل كيف تتجنب الوقوع فيها..

وقع هذا من خلال الحوار الوطني ومن خلال لقاء الشيخين رئيس البرلمان الحالي الأستاذ راشد الغنوشي والمرحوم الأستاذ الباجي قائد السبسي، حين قرّرا في لحظة حاسمة من تاريخ البلاد وقف مهزلة التهارج السياسي والجلوس على نفس الطاولة والتوافق على ما ينفع الناس..

ووقع أيضا في محطّات أخرى، عندما رفضت زعامات سياسية هامة الانجرار وراء دعوات القتل والفتنة وإسقاط الدولة التي كانت تدعوا لها وتحرّض عليها بعض القوى تحت خيام اعتصام الرحيل.. نذكر هنا الباجي رحمه الله الذي رفض استباحة الدولة من أجل إسقاط حكومة الترويكا، ولكن نذكر أيضا الأخوين نجيب وعصام الشابي وغيرهما الذين رفضوا دعوات الاحتراب الأهلي من أجل إسقاط منظومة الحكم حينها..

 

3

هذا الإجماع في تصويت مجلس النواب، وهذه الروح التي ترفض الانجرار إلى الهاوية، تشكل رسائل مهمة للفاعلين السياسيين البازين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الذي من المفروض أن يقرأ جيّدا هاته الرسائل..

وأعتقد أن دعوته مؤخّرا أو تعبيره عن الاستعداد للحوار، وهي الدعوة التي تأتي متزامنة تقريبا مع تجديد الأمين العام لاتحاد الشغل السيد نور الدين الطبوبي دعوته للرئاسة للمبادرة بإطلاق حوار وطني لا يستثني أحدا.. هذه الدعوة مهمة ويجب تثمينها لانها تمثل فرصة لبلادنا كي تتجاوز حالة العطالة التي تعيشها، وهي ايضا فرصة للرئيس كي يلتحم بالإجماع الوطني وبناخبيه، ولا ينأى بنفسه بعيدا عن مشاغل وهموم البلد..

مشاغل البلاد ليست الانقلاب على المسار ولا تحقيق أوهام بعض الفاشلين في الانتخابات، ولا الاستجابة لرغبات بعض القوى التي تريد الانقلاب على المسار، مشاغل ومشاكل البلاد في التوازنات المالية المختلة وفي الميزانية التي لم نوفّر مواردها بعد، وفي الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، وفي الوضع الوبائي الخطير بسبب الكورونا.

 

4

دعوة الاتحاد للحوار، من جهة، وتمرير مشروع تنقيح قانون المحكمة الدستوريّة، من جهة ثانية، ليست إحراجا للرئيس كما تصوّر البعض، بل يمكن أن تكون فرصة، كي يعيد سعيد ترتيب أولوياته وفق أولويات الوطن لا وفق رغبات التيّار والشعب، ويدرك أن الحلّ في معالجة القضايا الحارقة للبلاد لا في شكلانية قانونيّة مجرّدة.

أعتقد أن الخيارات تضيق علينا جميعا، على تونس وعلى السياسيين وعلى الرئيس أيضا، فبالنسبة لمشروع قانون المحكمة الدستورية هناك أجماع على ان الحلّ الوحيد هو التوقيع على القانون، وبالنسبة للحوار، هناك إجماع على أن لا مخرج للبلاد إلّا بالحوار، وأنّ التعنّت السياسي، ومحاولات التعطيل، لن يخدم أيّ طرف، ولن يخدم تونس التي تعيش أوضاعا اجتماعية وصحيّة صعبة، إضافة إلى ظرف اقتصادي أصعب بكثير.

فالوضع السياسي في بلادنا تحوّل من الأزمة إلى المأزق، ولم تعد هناك هوامش لمزيد من إضاعة الوقت والمناورات على حساب الوطن، ولعلّ سنة ونصف مرّت منذ أنجزنا الانتخابات الأخيرة، كافية ليتأكّد الجميع من أنّ الحل في الانصياع للقانون وللدستور واحترام نتائج الانتخابات.. وأن لا مجال لنهج التعنّت والمغالبة على حساب الوطن.. وأنّ مشاكل البلاد لا تحلّ بالمشاريع الهلامية، وبالانتكاس عن الديمقراطية، بل بالتقاء الجميع صفّا واحدا من أجل هذا الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق