راي رئيسي

الاتحاد العام التونسي للشغل ومعضلة المراوحة بين التذمر والتنمر..

نهاية الأسبوع المنقضي، كانت عاصمة الجنوب صفاقس قبلة للهياكل القيادية النقابية التي تنادت من كافة أرجاء الوطن للمشاركة في هيئة إدارية للاتحاد العام التونسي للشغل ليس من المألوف عقدها خارج العاصمة، ولمواكبة الوقفة الاحتجاجية الأهم من حيث التعبئة منذ سنة 2013 والتي أشرف عليها نورالدين الطبوبي وألقى خلالها كلمة هي الأقوى نبرة والأعنف معجما على الإطلاق منذ توليه منصب الأمين العام. وفي سياق متصل عاشت صفاقس أيضا إضرابا عاما للعاملين في القطاع الصحي بمختلف أصنافهم إضرابا عاما ومسيرة ضخمة جابت شوارع المدينة يوم غرة جوان الماضي.

فما الذي يحدث في صفاقس لتصير عاصمة التحرّكات النقابية خلال هذه الفترة؟ ولماذا تشهد تواترا لتحركات نقابية استعراضية غاضبة؟ وماهي أبرز مضامين بيان الهيئة الإدارية وكلمة الأمين العام؟ وماهي الرسائل التي توجه بها الأمين العام خلال كلمته وإلى أي الأطراف والجهات توجه بها؟ وما علاقة هذه التحركات بالوضع العام بالبلاد؟ وما مدى وجاهة هذه الرسائل مقبوليتها؟

وقبل المضي بعيدا في استعراض الأحداث وتحليل البيان والخطاب لابد من التأكيد بأن الانتماء للمنظمة الشغيلة والانخراط في هياكلها شرف ووسام على صدورنا تقلدناه منذ بواكير الشباب والتزمنا من خلاله بالنضال من أجل قضايا الحق والعدل والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن أجل نصرة قضيتنا المركزية، القضية الفلسطينية.

وسنظل دوما على العهد مع منظمة حشاد التي قاومت الاستعمار والاستبداد وكانت إحدى دعائم الانتقال الديمقراطي، وإحدى القوى الأساسية التي ساهمت في حصول بلادنا على جائزة نوبل السلام لإشرافها على تنظيم الحوار الوطني الذي نزع فتيل الاحتراب الأهلي في تونس وأنقذ الثورة في بلادنا من المضي نحو المجهول صائفة 2013.

والاتحاد وفق وجهة نظرنا قوة تصنع التوازن في بلادنا في مقابل حكومات لا هم لها سوى التفصّي من محدودية خياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتحميل العمال بالفكر والساعد تبعات تلك الخيارات المملاة من قبل صندوق النقد الدولي، وهو الذي ينحاز دوما إلى مطالب “القليل والزوالي “ويعمل على تحسين مقدرته الشرائية وظروف عمله وتنظيم علاقاته مع مؤسسته بشكل يكفل حقوقه ولا يعرضه إلى المظالم.

وفي المقابل فإن الاتحاد وقيادة الاتحاد ليست فوق النقد. والاتحاد ليس معبد أمون الذي يرفل كهنته في نعماء السلطة والجاه والمال والسيارات الفخمة كما أنه ليس سلطة فوق النقد، والنقابيون مواطنون لهم حقوق ولهم واجبات ولكنهم أبدا ليسوا فوق القانون وليسوا فوق المحاسبة، بل لعلهم يجب أن يكونوا أول من يحترم قوانين البلاد ومؤسساتها.

نقول هذا حتى لا يذهب في خلد كل تونسي أيا كان موقعه، وأيا كانت سلطته، بأنه في النهاية مواطن في دولة لها دستور وقانون ومؤسسات، له ما لغيره من حقوق وعليه ما على غيره من واجبات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتفصّى من مسؤولياته إن هو خالف القوانين الجاري العمل بها بأي شكل من الأشكال.

نقول هذا لأننا مع شديد احترمنا لكل المنظمات والقطاعات نشهد بعد الثورة حالة من الانفلات الذي لا يحكمه عقل ولا منطق ولا قانون ولا عرف.

نذكر جيدا كيف اعتصم القضاة بالمجلس التأسيسي لافتكاك فصول لصالح المرفق الذي يشرفون عنها حتى تم تضمينها بالدستور.

ونذكر جيدا موجة الإضرابات التي خاضها المحامون والأطباء من أجل أن تظل المعاليم الجبائية التي يدفعونها جزافية ضعيفة دون ما يتم اقتطاعه من مرتبات أعوان الوظيفة العمومية بكثير، وكأن العمل بالفواتير المرقمة وتحديد المداخيل والمصاريف وقاعدة احتساب الأداءات بدقة جرم لا يجوز ارتكابه في حق هاتين الفئتين “المعوزتين”.

وإن ننسى فلا ننسى تلك الوقفات الاحتجاجية التي انتظمت أمام المحكمة خلال صائفة 2012 للمطالبة بإطلاق سراح الأستاذ الذي ارتكب جرم تسريب اختبارات امتحان البكالوريا باعترافه واعتراف التلاميذ (المنتفعين) بدعوى أنه زميل ونقابي. (وبرا عاد كان خرج الامتحان للوليدات، ياخي هو قتل والا خطف؟).

نفس هذه العقلية نفس هذا المنطق يعود من جديد من خلال حادثة الاعتداء على النائب العفاس الذي نتج عنه إيقاف النقابيين المعتدين الذي يقف الاتحاد إلى جانبهم ويقيم الدنيا ويقعدها من أجل إخراجهم من السجن ” برؤوس مرفوعة ” أحب من أحب وكره من كره.

أصل الحكاية، أن النائب محمد العفاس ينتمي إلى كتلة ائتلاف الكرامة “المشاغبة” التي لايلوك رموزها كلامهم حين يتحدثون عن الاتحاد العام التونسي للشغل فينعتون قياداته رموزه بما لا يجرؤ غيرهم على نعتهم به.

ألم يصف رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف قيادات الاتحاد بـ “المرتزقة” الذين صنعوا ثروتهم من عرق العمال والطبقة الشغيلة، مشيرا إلى أنهم يمنعون كل من حاد عن مواقفهم من انضمامه إلى المكتب التنفيذي للاتحاد ومضيفا أن المنظّمة الشّغيلة ليست نقابة بل حزب سياسي لا وزن له على السّاحة السّياسية ولا يمثّل منخرطيه وأنه كان مناشدا لبن علي مشددا بأن لديه ملفات فساد تخص عددا من قيادات المنظمة الشغيلة سيفضح من خلالها البعض ممن صنعوا ثروتهم بـ “عرق الخدامة “وفق ما قاله.

كلام مخلوف في الحقيقة ينطوي على كثير من العدوانية ومن التجريح غير المألوف وغير المقبول في رموز المنظمة الشغيلة، وهو لا يزيد الأوضاع في بلادنا إلا دفعا نحو مستنقع السب والشتم والتخوين واستحضارا لمعارك نحن في غنى عنها.

لكن هل يبرر ذلك ما حدث لمحمد العفاس النائب بمجلس نواب الشعب ورئيس لجنة الصحة بالمجلس الجهوي بصفاقس الذي طرد من اجتماع بالإدارة الجهوية للصحة انعقد يوم 24 ماس الماضي قبل أن يتعرض إلى اعتداء بالعنف الشديد باللكم واللطم وظهر في فيديو تداولته شبكات التواصل الاجتماعي ممزق الثياب وعليه آثار عنف واضح وصرح فيه أنه تعرض للإهانة والعنف اللفظي والجسدي وتهشيم نظاراته وافتكاك هاتفه الجوال من قبل من وصفهم بالمنتسبين للاتحاد العام التونسي للشغل الذين رفضوا حضوره للاجتماع المذكور على خلفية انتمائه لائتلاف الكرامة حسب قوله.

وقد ودعا البرلمان في بيان صادر عنه حول حادثة الاعتداء النيابة العموميّة إلى فتح تحقيق فوري وتتبع كل من تثبت إدانته، مؤكدا أنّ اللحظة لحظة وحدة وطنيّة وتظافر الجهود وأن من شروط ذلك إتاحة الفرصة لنواب الشعب للقيام بدورهم الوطني على أفضل وجه.

النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية صفاقس 1 أذنت بفتح بحث تحقيقي في الواقعة في تهم الاعتداء بالعنف على شبه موظف عمومي بمناسبة ممارسته لوظيفته، وهضم جانب موظف عمومي بالقول والسب بمناسبة مباشرته لوظيفه باستعمال العنف والسرقة، وذلك حسب الفصول 82 و125 و128 و258 و260 و261 من المجلة الجزائية.

كما أفاد الناطق الرسمي باسم محاكم صفاقس أنه “عهد لقاضي التحقيق الأول بنفس المحكمة للبحث في الموضوع وقد أسند قاضي التحقيق إنابة عدلية للإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية بتونس للبحث بدورها وذلك بإعادة سماع المتضرر والشهود وإجراء المعاينات و التساخير اللازمة في الموضوع كسماع كل من تقوم ضده الحجة وإجراء المكافحات اللازمة” وأسفرت التحقيقات على إحالة النقابيين مبروك شطورو وسامي القريوي وأشرف بلخير على أنظار العدالة وإيداعهم السجن.

قيادة الاتحاد لم تستوعب كيف يحال نقابيون على أنظار العدالة بسبب ما تعتبره “نضالا” ضد فلول ائتلاف الشر كما يصفونه. وهل يعقل أن يحال نقابيون على أنظار العدالة؟ وما هو الجرم الذي ارتكبه هؤلاء حتى يتم إيداعهم السجن؟ وهل أن ممارسة العنف الثوري ضد أحد أعداء الاتحاد جرم يعاقب عليه القانون؟ ألم يكن جديرا بالقضاة أن يخلوا سبيل المناضلين  باللكم واللطم حينما علموا أنهم ينافحون عن الاتحاد ويتصدون للمؤامرات التي تستهدف المنظمة الشغيلة؟

واقعة صفاقس يوم الأحد الماضي تراوح فيها خطاب الطبوبي ونص لائحة الهيئة الإدارية بين التذمر من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومن غياب الانسجام الحكومي، وبين حالة من التنمر ضد القضاء الذي وصفه الأمين العام بأنه مسيس، في سبات عميق أمام ما يقل عن 66 ألف ملف فساد، وأكوام من ملفات الاغتيالات السياسية، والاعتداءات الدموية لروابط حماية الثورة وفق تعبيره، أما أخطر وأسوأ ما قاله الطبوبي في حق القضاء فكان: “إذا كان هذا القضاء المستقل الذي يتحدثون عنه فتبا له على شاكلته هذه” ليستدرك أن تحركي صفاقس يتنزلان في سياق الدفاع عن النقابيين الموقوفين في قضية الاعتداء على النائب محمد العفاس وعن المنظمة الشغيلة في مواجهة الهجمة التي تطالها من قبل أطراف معادية للعمل النقابي، مؤكدا أن التحركين “لا يراد من خلالهما الضغط على القضاء، وإنما البحث عن قضاء عادل ومنصف بعيدا عن المساومات السياسية الخسيسة” ومضيفا أن “القضاء ليس فوق النقد وموش على راسو ريشة” على حد تعبيره.

التنمر طال أيضا مجلس نواب الشعب الذي قال الأمين العام أنه قادم إليه برفقة جيش عرمرم أوله في ساحة محمد علي وآخره في ساحة باردو لتعديل بوصلة، وهو كلام معيب وغير مسؤول لا يمكن قبوله إلا في دولة ضعيفة طال الترهل والوهن مفاصلها حتى باتت لا تقدر على فرض احترام مؤسساتها على الجميع مهما كان موقعهم ومهما كانت أدوارهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق