راي رئيسي

الاحتجاجات الاجتماعيّة .. مظالم ومطالب مشروعة ..
إيقاف الانتاج وتعطيل مصالح المواطنين..
هل المطلوب إصلاح الأوضاع الاجتماعية أم إسقاط الدولة؟

– تعطل إنتاج البترول بحقل “قبيبة” بمعتمدية طينة من ولاية صفاقس، المستغل من طرف الشركة النرويجية الناشطة في مجالي البترول والغاز بتونس “بانورو إينيرجي”، بسبب اعتصام عدد من المحتجين على خلفية مطالبتهم بالتشغيل، بعد تعمدهم غلق المنفذ المؤدي إلى موقع الإنتاج، فقد نصب المحتجون خياما منذ الاثنين الماضي، بمدخل الموقع لمنع أي دخول أو خروج منه مما عطل الانتاج، ليجد العاملين في الحقل أنفسهم “محاصرين داخل موقع الانتاج في وضع مخيف ودون أيّة حماية. علما وأنّ الحقل الذي ينتج 3000 برميل من النفط الخام يوميّا يحتوي أيضا على كميات من غاز “هاش 2 آس” سريع الالتهاب، التي يجب على مهندسي الموقع أن يعالجوها ويراقبوها بصفة دائمة تفاديا لأي حادث قد يمثّل خطرا حقيقيا على الجميع..
– اعتصام في المنطقة الصناعية بقابس، عنوانه اعتصام الصمود 2..
– اعتصام آخر في الصخيرة وتعطيل إنتاج ونقل الغاز ما انجر عنه طوابير طويلة وأزمة تزود في صفاقس ثاني أكبر المدن في تونس وفي بقية المناطق..
– اعتصام مماثل في القصرين تحديدا أمام حقل الدولاب للمطالبة بسحب الاتفاق مع تنسيقية الكامور عليهم..
– اعتصام آخر، في معتمدية السبالة والتهديد بغلق فانة الماء..
– اعتصامات في المندوبيات الجهوية للتعليم القيمين والقيمين العامين على خلفية اتفاق 8 ماي 2018 ، لم ينفذ..
– اعتصامات الفنانين في مدينة الثقافة وخيبة أمل في مقترحات الحكومة

– اعتصامات الصحفيين و التهديد بإضراب عام.

– اعتصام رئيسة حزب أمام مقر فرع منظمة دولية بتونس (فرع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) الذي يعمل تحت سقف القانون التونسي وتعطيل أنشطته واحتجاز إطاراته وأعوانه في تحدّي صارخ لحكمي محكمة نافذين..

– والبارحة قفصة تنتفض رفضا واحتجاجا على قرارات المجلس الوزاري بخصوص الجهة.. وتنسيقية الكامور تهدد بالعودة إلى إغلاق الفانا بعد الاتفاق الأخير وتقول أن الفانا ليست بعيدة..

هكذا هو المشهد تقريبا اليوم في تونس. إسهال من الاعتصامات والاحتجاجات، نسبة كبيرة منها تتم بشكل فوضوي وعشوائي وفي تحدٍّ صارخ للقانون وللمصلحة العامة أمام بهتة وغياب مريع للدولة ومؤسساتها..

شعبوية مقيتة تأجج هذه الاحتجاجات، تقف بوجه الدولة والمؤسسات لتحل محلها، كما تقف بوجه كل النخب في المجتمع.. وأخطر ما فيها أنها حركة إلغائية لا تعترف بالآخر وتصبّ كل جهدها لإلغائه وتصفيته بكل الوسائل المتاحة.

تقوم على سياسات وشعارات وحملات تحريض على الدولة ومؤسساتها باسم “الشعب”، لكنها بالنتيجة تؤدي إلى تخريب الواقع السياسي والاجتماعي وإلى هدم مؤسسات الدولة. تريد تجاوز الدولة والدساتير والقوانين باسم إرادة شعبية مزعومة، وطبعا أبرز هذه النتائج الكارثية هي تهديم الدولة.. إن ما نعيشه اليوم هو محاولات متكررة لتحريك الجمهور عبر عاطفته المتطرفة، وبصناعة الأوهام، وتحريضه ضد الدولة ومؤسساتها..

المهم أنّ الحقيقة البازغة بزوغ الشمس في الضحى اليوم، هو أننا قد وصلنا إلى حدّ أنّ عشرة أنفار أو أقل من ذلك قادرون على تعطيل مُنشأ حيوي فقط احتجاجا على عدم ورود أسمائهم في إحدى المناظرات الوطنية.. وصلنا إلى حد أنّ بضعة أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لهم من القدرة ما يجعلهم يقطعون طريق ويغلقونه ويعطلون مصالح العباد ويفرضون عليهم الأمر الواقع فقط بسبب رفع عدّاد ماء لأحد المنازل. وصلنا إلى حد أنّ مصانع تعمل منذ أكثر من عقود وتشغّل الآلاف من اليد العاملة تُغلّق أبوابها ويُرحّل أصحابها بسبب بضعة أنفار قرّروا أن يغلقوها إذا لم يحصلوا على زيادة في الأجر أو الترسيم.

أكيد أنّ الإضراب مكسب يكفله الدستور وحق مشروع لا نزاع فيه، وأكيد أيضا أنّ حالة الخصاصة والتهميش والحيف الاجتماعي الذي تعانيه العديد من المناطق في البلاد منذ عقود كان في غالب الأحيان سببا مباشرا في كثير من الاضرابات والاحتجاجات والاحتقان الاجتماعي، ولكن الأكيد أيضا أنّ الإضراب و إن كان شرعيا، فإن المبالغة في اللجوء إليه والتعسف في استعماله بشكل طوفاني ومتواتر من شأنه تخريب اقتصاد البلاد، فحق الإضراب يجب أن لا يكون بتعطيل العمل وإفساد الاقتصاد.. حق الاضراب يجب أن لا يكون على حساب حقوق الغير.. حق الاضراب يجب أن لا يكون دمارا شاملا للبلاد، حق الإضراب لا يعني فرض عمليّة انتحار جماعي قسري على الجميع..

اليوم نحن أمام حقيقة ثابتة لا مناص منها ولا خلاف، وهو أنّ تونس تتخبط في أزمة خانقة بسبب كثرة الإضرابات والاعتصامات العشوائية التي أنهكت الاقتصاد، وعطلت الإنتاج والتصدير. اعتصامات شملت جل القطاعات الحيوية كالفوسفاط الذي شهد تراجعا في الأرباح بقيمة 700 ألف دولار تقريبا أو يزيد، بفعل تعطيل استخراجه وتحويله وتصديره، من جرّاء الاعتصامات التي يشنها إمّا عاطلون أو عمّال تعرضوا لحوادث شغل أو مطالبون بالزيادة أو متقاعدون يشكون من تدني معاشاتهم، أو محتجون على نتائج المناظرات. ولا أحد منا يستطيع اليوم أن ينكر أنّ الأوضاع التي يعيشها قطاع الفسفاط في غاية الخطورة، وأننا نعاني من توقف عمليات الإنتاج والتصدير وفشل في الوفاء بالتزاماتنا تجاه عملانا الدوليين فيما يخص تزويدهم بهذه المادة.

الحقيقية البينة التي نعيشها اليوم، هو أنّ آلاف الإضرابات والاعتصامات العشوائية التي لا تنتهي أدت إلى تخريب الاقتصاد الوطني وانكماش الاستثمار وتعطيل المرافق العامة والاضرار بمصالح المواطنين، واستفحال عدد العاطلين عن العمل، وإهدار المال العام واختلال التوازنات المالية العامة للبلاد، وأجبرت الحكومات المتعاقبة على اللّجوء إلى الاقتراض العشوائي لتلبية مطلبية مشطة.

الحقيقة الثابتة التي لا مفرّ منها هو تدنّي المؤشرات الاقتصادية الواقعية، معدلات نسب النمو السلبية، تفاقم العجز التجاري الذي جعل البنك المركزي يحذر في أكثر من مرة من جدية المخاطر التي تهدد التوازنات المالية العامة للبلاد، عجز متفاقم في ميزانية الدولة وعجز على تغطيته وإيجاد التمويلات الضرورية له، ونسبة المديونية العالية وتعهدات تونس المنهكة مع الجهات المانحة والمقرضين الدوليين. وهو ما جعل الكثير من الخبراء والمراقبين يتوقعون أن تكون السنة القادمة شاقة وصعبة على تونس بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتردية..

إن المتابع للشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي ببلادنا، لا يستطيع ان يحجب الأضواء الحمراء التي تُطل علينا من البورصة، ومن البنك المركزي، ومن عديد البنوك الخاصة والعامة بالبلاد، ومن مؤسسات تصنيفية دولية وكلها تدق نواقيس الخطر ونحن عن هذا غافلون..

ونعود مرّة أخرى لنقول أنّ المطالب الاجتماعية العادلة مشروعة في معظم الأوقات، وهي عادة تهدف إلى تثبيت حق أو رفع مظلمة حاصلة، وهي دليل على وجود نبض حي في المجتمع ويقظة مجتمعية تحصن من أي استبداد أو حيف يمارس باسم الدولة ومؤسساتها.. ولكن ممارسة هذا الحق إذا أخذ طابع تدميري تُستقدم فيه أخطار واسعة التأثير ضد الدولة وضد مواطنيها، يفقد كل مشروعيته. الأوضاع السيئة موجودة والحيف الاجتماعي واختلال التنمية بين الجهات حقيقة لا يمكن انكارها أو اخفاؤها، لكن إصلاحها لا يكون بإضعاف الدولة وتحدي سلطة القانون. إن تحدي القانون وسيادة الفوضى وغياب منطق المصلحة العليا للبلاد هي من مظاهر تحدي الدولة وخطوة نحو إسقاطها. فإن كانت المطالبة بالحقوق مبرر لتجاوز القانون، فإن سقوط الدولة سيفقدنا كل الحقوق.. فالدولة تظل الخيمة التي يستظل بها الجميع ويجب ألا تسقط مهما كانت الظروف..

إذا لا بد للوضع الاجتماعي أن يهدأ اليوم من الغليان، ولا بد أن نستبدل تعطيل مصالح البلاد والعباد بالحوار الراقي الذي يكون فيه كل طرف مسؤول..

وعلى الدولة أن تخرج من التفاصيل والجزئيات السياسية الغارقة فيها، وتصوب بوصلتها نحو الطوفان الذي قد يأتي على الأخضر واليابس.. عليها أن تقدم رؤية واضحة وواقعية، وقرارات تتناسب مع اللحظة، وعليها أن تكون حازمة في تطبيقها وتتوقف عن تأجيل المواجهة والهروب إلى الأمام حتى أصبح العجز يصنع عجزا جديدا، فكلما ازداد عجزها إلا وازداد التجرؤ عليها، وازداد حبك المؤامرات ضدها، دون خوف من أي عقاب.

إنّ وقف نزيف الاضرابات العشوائية لا يعني أن نمنح “صكّا على بياض” للسلطة التنفيذية، ولا يعني أننا نشرّع ليد تبطش وتظلم وتؤسس لدكتاتورية جديدة، فاليقظة المجتمعية لكل انزلاق محتمل من السلطة يعبر عن نضج ورقي وعي المواطن التونسي الرقيب، ولكن الدولة يجب أن تظل قائمة بسلطتها وبمؤسساتها وبالقانون الذي يحمي الجميع..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق