راي رئيسي

الانسحاب من مجلس شورى النهضة..
احتجاج على جدول الأعمال أم تمهيد للانقلاب على مخرجات المؤتمر؟

سقوط النظام البائد، فتح باب المشاركة السياسية على مصراعيه. فتكاثرت الأحزاب نتيجة اغتنام فرصة تنظيم أنفسهم سياسيّا وجعل أصواتهم مسموعة في العملية الديمقراطية، حتى فاق عدد الأحزاب المائة.

وفي المحصلة فشلت الغالبية العظمى من هذه الأحزاب الجديدة واقعيا في القيام بأكثر من التسجيل لدى الحكومة، بما أنّها لم تقم بشيء لتثبت وجودها على الأرض. وعلى الرغم من أنّ الكثير من هذه القوى لعبت دورا نشطا خلال الثورة وبعدها إلا أنّها واجهت صعوبة في تطوير هويّات متّسقة، وإنشاء قواعد دعم فاعلة، وبناء قواعد انتخابية صلبة وفي الحفاظ على وحدتها وتماسكها..

باستثناء حزب حركة النهضة الذي سجّل الأداء الأفضل، وهو حزب أنشأ قواعد فاعلة وصلبة ومستدامة على المستوى الشعبي لأكثر من 50 سنة خلت، وطوّر منظومته التنظيمية والهيكلية ورسّخ تقاليد ديمقراطية حزبية داخله وبنى مؤسسات قوية وفاعلة ومنظمة..

وفي الوقت الذي كانت غالبية الأحزاب والحركات السياسية تعاني في تونس من مشاكل بنيوية وهيكلية مختلفة، ظل حزب حركة النهضة مهيكلا يسعى إلى تكريس الديمقراطية الحقيقية مدركا تماما أن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى مع أحزاب هشّة أو تفتقد إلى ديمقراطية داخلية. وقد مثلت مؤتمرات الحزب محطة مهمّة لتقويّة هيئات الحزب وآليات إفرازه للمترشحين بشكل ديمقراطي وهذا ما زاد الحزب قوّة.

هذه المؤتمرات الانتخابية مثلت لحظة تاريخية مهمة داخل حركة النهضة بانعطافها نحو تكريس الديمقراطية الحقيقية واختيار ممثليها على قاعدة التزكية الشعبية واحترام قرار قواعد الحركة ومؤسساتها وتكريس الديمقراطية داخل حزب كبير في البلاد، يعد الرافعة الأساسية في الدفاع عن الانتقال الديمقراطي وحماية الثورة ومبادئها وإنجاح التجربة التونسية الناشئة..

وأعطت النهضة نموذجا لما هو موجود داخل أحزاب الديمقراطيات العريقة، وكيف يجب أن تكون الأحزاب الجادة التي تريد أن تتصدر المشهد السياسي أو يكون لها بصمتها فيه.. فقد أثبتت أنها تكرّس مبدأ الانتخاب من الأسفل حيث ينتخب مسؤولي الحزب ومرشحي الانتخابات من قبل قاعدة الحزب، وهم بذلك يستمدون شرعيتهم من القاعدة ويتحملون المسؤولية أمامها.

وفي الأثناء كان أداء زعيم حركة النهضة خلال السنوات العشر الأخيرة دعامة وسندا قويّا لاتساع إشعاع حركة النهضة في الداخل والخارج وتلميع صورتها..

فالرجل كان دائما موجودا من خلال صوت الحكمة والرصانة والانصات للجميع وتقريب وجهات النظر المتباعدة.. ومن خلال قدرته العجيبة على تقديم التنازلات من أجل مصلحة المجموعة الوطنية – وهذا سيكتبه التاريخ –  ومن خلال لعب دور أب العائلة الذي يختلف معه الأبناء ويتخاصمون معه ويقاطعونه أحيانا، ولكنهم في كل مرّة يلجؤون إليه ويستعينون برصانته وتوازنه وانفتاحه، برغم جرعة الاقصاء الكبيرة التي يحملونها له لأنه لا ينتمي إلى عائلتهم الفكرية.. الرجل كان موجودا من خلال ترسيخه للغة الانسجام والتوافق، ومسلك الجماعة والمساحات المشتركة الوسطى، حيث يمكن أن يلتقي الجميع عندما تتعقد الأمور ويقع الانسداد..

الرجل كان موجودا في ظل كل ما يعانيه المشهد التونسي من تشرذم وصراعات خفية ومعلومة، وتباين حادّ في المواقف حد التنافي وما يعانيه من أزمة ثقة متعاظمة، كبيرا للعائلة الذي يُجمّع ولا يُفرّق، ينفتح على الجميع ولا ينغلق، يشرّك الجميع ولا يقصي أحدا، ينصت للجميع ولا يستثني، يقرّب وجهات النظر ولا يعمق الخلافات والصراعات، يمتص الأزمات ولا يغذيها.. يتعامل بواقعية مع المشهد الحزبي، وهو ما مكّن البلاد من مجاوزة هزات أو خلافات حادة كانت يمكن أن تؤثّر سلبا على المسار الديمقراطي الناشئ ونجح في خلق أشكال من الحوار، وبناء تحالفات بين قوى سياسية مختلفة ومتناقضة، وأحيانا متصارعة بعيدا عن منطق الإقصاء والإلغاء المتبادل.. وضمن بتعاطيه وهو زعيم الحزب الأغلبي استمرارية العملية السياسية في البلاد ومنع انحرافها نحو توجهات سلطوية استبدادية..

ولإنّ تكريس آليات الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب تظل هي الضمانة الأساسية لتكريس ممارسة ديمقراطية على مستوى سياسة الدولة، ولأنّ ديمقراطية الأحزاب هي من تصنع ديمقراطية الدولة والسلطة وأن ما يحدث داخل الأحزاب سينعكس بالضرورة على التمشي الديمقراطي للدولة.. ولأن غيابها قد تترتب عليه آثار سلبية، قد تغير من المشهد الحزبي في البلاد.. ولأنّ حركة النهضة لطالما كانت صمام أمان وضمانة استقرار في المشهد السياسي التونسي خاصة بعد الثورات ومطبات الانتقال الديمقراطي، من حقنا أن نتساءل اليوم ماذا يحدث داخل حركة النهضة؟ وما حقيقة هذا الجدل واللغط الذي تصعّد ليصبح حديث المنابر الاعلامية وصفحات الجرائد؟ هل بات حزب حركة النهضة يشكو أزمة ديمقراطية داخلية حقيقة؟ هل باتت الديمقراطية القاعدية داخل الحزب في خطر؟ أم أنّ الأمر لا يتجاوز فصل من فصول معارك التموقع القيادي الذي يبدو أن لا منأى لأي حزب منه ولو كان منظما ومهيكلا ومنضبطا لمؤسسات تديره؟ أو ربما هي محاولة للاستقواء والمغالبة لفرض سياسات وتوجهات لم تستطع فئة فرضها بآليات الديمقراطية الداخلية؟

خرج علينا ثلة من القيادات صف أول وصف ثاني من حركة النهضة يلوحون بعريضة قالوا أنها تمثل 100 قيادي يرفض خرق الفصل 31 من النظام الأساسي لحركة النهضة والذي يقرّ بعدم إمكانية التمديد لرئيسها راشد الغنوشي بدورة أخرى لرئاسة الحزب..

الأمر بدا غريبا، فلم نشره على الملأ وتحويله إلى قضية رأي عام والحال أن الحزب مقبل على مؤتمر انتخب لأجله لجنتين لإعداد المضموني والمادي، والمؤتمر سيكون سيد نفسه وكل القضايا الخلافية من البديهي أن تناقش داخل المؤتمر وهو من سيحسم في كل التفصيلات.. فلم قفز هؤلاء على المؤتمر وطرحوا مسألة ثانوية وفرعية كان بالإمكان حسمها ببساطة داخله؟ ثم تعمقت حيرة بعض المتابعين بموقف الشورى الأخير وانسحاب ما يقارب الـ 25 عضوا من دورة الاحد الماضي احتجاجا على جدول أعمال الدورة الذي كانوا على علم به قبل بضعة أيام ولم يبد أي فرد منهم لا اعتراضا ولا ملاحظات لمكتب المجلس بل أكثر من ذلك فتح باب النقاش حول جدول الأعمال ولكن المنسحبين قرروا الانسحاب بما يفيد أن قرار الانسحاب كان مقرّرا سلفا.. ثم هرول بعضهم إلى الإعلام بغاية إحداث جلبة إعلامية (faire le buzz)، الإعلام الذي تحدث عن انسحاب ثلث الأعضاء في إيحاء إلى الثلث المعطل أو مدى شرعية الدورة بعدم اكتمال النصاب، فالصورة التي حصلت للوهلة الأولى بمطالعة الخبر دون تثبت وتدقيق تعطي انطباعا أن هذا الانسحاب يعبر عن بوادر انقسام بالضرورة، في حين أنّ حقيقة الوضع تبين أن الانسحاب لم يوقف أعمال الدورة، التي تواصلت بحضور حوالي مائة عضو وتم التصويت على القرارات بأغلبية واضحة.. كما أصدرت الشورى بيانا عبّر عن جملة من المواقف استغرقت بلورتها ساعات طويلة من العمل لتتجاوز مداولات المجتمعين منتصف ليلة الأحد الماضي..

وهنا تفرض علينا جملة من الأسئلة الحارقة نفسها بقوة ولم يعد هناك مجال لغض الطرف عنها، وربما الإجابة عنها سيستجلي الكثيرون حقيقة ما يحدث..

أولا: بالنظر إلى وزن الغاضبين الذي لم يكن قادرا على إيقاف عمل مجلس الشورى وبالنظر إلى أنهم لم يخطؤوا في تقدير وزنهم، إذا فهدفهم لم يكن تعطيل الشورى بل أمر آخر وهنا السؤال ما هدفهم؟

ثانيا: ثم ألا يحيل الانسحاب من الشورى الذي لا هو استقالة ولا هو عمل جدي إلى ما حصل في 2013 في المجلس التأسيسي بعد انسحاب عدد من النواب منه بدعوى نهاية شرعيته والغريب أن الجلاصي استعمل نفس المنطق عندما اعتبر في تصريحه في التاسعة أن مؤسسات الحركة فاقدة للشرعية منذ ماي 2020 لأن المؤتمر بالنسبة إليه يجب أن ينعقد دون تأخير.. ولكن للأسف منسحبو الشورى اصطدموا برئيسها الذي استطاع في كل مرّة أن يضمن تواصل عمل هذه المؤسسة وعدم الاستجابة لدعوات ضرب الرئيس بالشورى وهو ما عقد وضعية المنسحبين وجعلهم يوجهون القصف نحو الشورى ورئيسها مع العجز عن إيقافها..

ثالثا: لماذا يخشى من أطلقوا على انفسهم جماعة 100 العملية الانتخابية في المؤتمر القادم لحزب النهضة؟ ألا لأنهم يدركون تماما أن رصيدهم لا يكفي لاتخاذ قرارات تعبر عن توجهاتهم فأرادوا دخول المؤتمر الحادي عشر بالاستقواء على المؤسسات والمغالبة؟

رابعا: لماذا لا يذهب الغاضبون إلى قواعد الحزب يوضحون رأيهم ويحشدون رأي القواعد لرؤيتهم عوض هذه المناورات والاستقواء بالإعلام وتحول المسألة إلى مجرد خصومة مع شخص وتصفية حسابات؟

خامسا: أليس من الغريب بناء استراتيجية “انشقاق الحركة ونهاية مشروعها السياسي” على استهداف رئيسها من خلال التركيز على نقطة واحدة وهي تطبيق الفصل 31 وتغيير الرئيس، ألم تسقط هذه الاستراتيجية بحوار الجلاصي على التاسعة ليبدو أن وراء قناع الفصل 31 أجندة كاملة قارنها الجلاصي دون وعي بما حصل مع سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث قال أننا نصحنا الشيخ كما نصح بعضهم عثمان لكنه لم يكمل السردية لأن ذاك النصح انتهى بالاغتيال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق