راي رئيسي

التسريبات.. الغرف المظلمة.. والسفارات..
قرطاج ومحنة الدولة!

بعد الصدمة التي تلقاها الرأي العام التونسي برفض رئيس الجمهورية ختم مشروع القانون الأساسي لتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المتعلق بالمحكمة الدستورية، بعد أن منينا النفس بإنهاء معضلة تأسيس المحكمة الدستورية التي باتت اليوم ضرورة وحتمية لا مناص منها في إطار تناقض وتباين الاجتهادات الدستورية والحاجة الأكيدة إلى محكمة دستورية تنهي هذه الخلافات وتحسم في هذه القضايا الخلافية.. وبعد أن خبّرنا رئيس الجمهورية بنيته في تأبيد عدم تركيز المحكمة الدستورية، وتنصيب نفسه الخصم والحكم، لأنـه يعتبرها عنوانا من عناوين المؤامرة التي تحاك ضده من خارج القصر ومن داخل البرلمان أساسا..

وبعد صدمة كشف نواب وناشطين سياسيين عن انخراط مؤسسة الرئاسة في عرقلة عمل الحكومة، وتهديد المصالح العليا للدولة حيث وصل الأمر حدّ إرسال وفود إلى دول صديقة (قطر وليبيا وإيطاليا)، لإقناعها بعدم مدّ يد المساعدة للدولة التونسية ممثلة في حكومتها، لمراكمة حالة الانسداد التي تعيشها البلاد..

ثم وبعد صدمة التسريبات السابقة التي لم نستفق منها بعد، إذا بنا نصعق من جديد بتسريب صوتي آخر لا يقل خطورة عن التسريبات السابقة..

وكما كشفت التسجيلات الصوتية السابقة عن عرض أموال لجمع الإمضاءات لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي، وعرض مناصب معتمدين وولاة لإمضاء عريضة سحب الثقة، وإقرار بالقيام بالتنصّت على جلسات رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي بمقر البرلمان.. ومساعي لتفكيك كتلة قلب تونس البرلمانية، إلى جانب إبقاء نبيل القروي في السجن.. والحديث عن تدخل الأمين العام السابق للتيار الديمقراطي ووزير الدولة لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد محمد عبو في القضاء، واختراق رئيس الجمهورية للمؤسسة القضائية عن طريق زوجته.

بعد كل تلك التسريبات الخطيرة، استفقنا أول أمس الثلاثاء على تسجيلات صوتية جديدة، فاضحة وعلى درجة من الخطورة، وفي علاقة مرة أخرى بمحيط القصر.. تصريحات تهدد سلامة العملية السياسية وسلامة الانتقال الديمقراطي وأمن الدولة وسيادتها واستقلال قرارها واستقرارها..

التسجيل كشف عن مستشارة للرئيس غبر معلنة لا نعرف عنها شيئا، لا تخرج في الضوء، لا تعمل في وضح النهار، لا نراها تتنقل في ركابه، ولا تتحدث عنه.. مستشارة تعمل في الخفاء وتقوم بدور حاكمة الظل..

حاكمة الظل هذه كما يبدو في التسريبات الصوتية هي المحامية والكرونيكور السابقة مايا القصوري، التي تحدثت في التسجيل عن تدخلها الحاسم في تنصيب رؤساء الحكومات وعزلهم، وفي تأثيرها في سياسات القصر، وتنسيقها المستمر مع مديرة الديوان نادية عكاشة، لرسم سياسات القصر وتوجهاته..  استمعنا أيضا لحديثها عن لعبها دور حلقة الوصل بين السفير الفرنسي والقصر للتنسيق حول تشكيل الحكومات وترشيح الوزراء، وحول التعينات والإقالات..

وفي الحقيقة الصدمة كانت في منحيين: المنحى الأول هو حجم الاختراق المفزع الذي تتعرض له الدولة في أعلى هرمها، وعبر الحديقة الخلفية لقصر قرطاج ومدى التحكم في قرارات وتوجهات القصر السياسية..

والمنحى الثاني، هو اكتشافنا لالتقاء وتقاطع وتطبيع علاقات بين مايا القصوري الوافدة من قاع اليسار الوظيفي، اليسار الذي يشكو فوبيا الهويّة حتى الهوس، والذي يتمعش من العداء لتراثنا ولأصالتنا، القادمة من اليسار الذي يرتهن لكلّ المشاريع المناهضة للثورات وحركات التحرّر ومشاريع الانتقال الديمقراطي، التقاؤها بشخص يقول أنّه ينهل من نهج عمر بن الخطّاب ويعتبره مرجعيّته، ويستهويه المعرّي والبحتري وأبو عامر بن شهيد الأندلسي والمخطوطات الكوفيّة؟

هذه التسريبات التي تعيدنا إلى خلطة القصر ومحنة قرطاج، في الحقيقة تكشف سكيزوفرينيا خطاب الرئيس، الذي كلما خرج علينا إلا وقطّب جبينه واكفهر وجهه وهو يحدثنا عن المؤامرات التي تحاك والغرف المظلمة التي هو كاشفها، والعصابات المتآمرة، وغرف التآمر، فإذا بنا نعرف للمرة الثانية في أقل من شهر أن الغرف المظلمة مكانها قرطاج وليست في مكان آخر.. وأن الدسائس والمؤامرات والصفقات تعقد في القصر لا خارجه، وأن حكّام الظل موجودون في قصره وعلى مقربة منه.. يتآمرون، ينسقون، يخططون، ثم يشيرون عليه.. فلا شعب يريد ولا شباب يريد، بل غرف مظلمة وأجهزة سرية وغرف عمليات وحكام ظل في القصر هم من يريد..

والمفارقة أنهم يروجون إلى أن مأزق البلد هو البرلمان وأنه هو بيت الداء، ومكمن الجرح النازف، وكالوا له ما كالوا من التهم والافتراءات، واليوم يتبين مرة أخرى وبتسريبات جديدة أن المأزق الحقيقي في قرطاج وليس في مكان آخر قرطاج التي يأتينا منها كل يوم صاعقة، قرطاج باتت مكمن الأزمة، وعنوان بارز لمحنة الدولة..

ويكفي أن نخلُص إلى أنّ أخطر ما في هذه التسريبات هي كشفها عن حجم الاختراقات لمؤسسة الرئاسة التي تتحصن بها لتمرير أجنداتها السياسية والاقتصادية والثقافية، ولتحكم تحريك خيوط اللعبة السياسية في تونس بما يخدم مصالح من يقمون بهذه الاختراقات..

وبغض النظر عن مدى مصداقية هذه التسريبات، فإن الأمر يتعلق بصورة تونس وسط محيطها وجيرانها، ومصداقيتها ودور أجهزة الدولة. ولهذا لا يمكن للبرلمان والحكومة أو الأجهزة الأمنية والقضائية أن تتجاهل هذا الموضوع وتلتزم الصمت حول طبيعة هذه التسريبات وهذه الاختراقات الخطيرة..

والمطلوب اليوم هو التعامل بجدية مع كل معلومات مهما كان مصدرها خاصة التي تمس بأمن البلاد، وفتح تحقيق جدي بخصوصها، والمطلوب اليوم رفع حالة اللبس والغموض التي تلف المواطن التونسي بسبب ما يتبادر إلى مسامعه يوميا من تسريبات خطيرة فيها مس من استقرار بلده وأمنه وسيادة دولته..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق