الافتتاحيةكورونا

التعايش مع كورونا.. التعايش مع الموت..
هل مازال الوضع تحت السيطرة؟

في تصريحاته التي أطلقها يوم الاثنين الماضي على القناة “الوطنية” أكّد وزير الصحة فوزي المهدي أن الوضع الوبائي لم يخرج عن السيطرة، وشدّد على ضرورة أن يتحمّل المواطن المسؤولية، وأن الفترة الحالية تحتّم علينا التعامل مع الفيروس.

وأفاد بأنه يتوفّر حاليا 440 سرير إنعاش في جميع الاختصاصات بالإضافة إلى 250 سرير إنعاش في المصحات الخاصة. وأشار في سياق متّصل، أنه تم تخصيص 90 سرير إنعاش لمرضى كوفيد ويتم حاليا استغلال 60 سريرا.

تصريحات لم تقنع الكثير من التونسيين بل لعلها زادت من مخاوفهم، فعلاوة على أن لقاء الوزير مع الوطنية وهو أول لقاء إعلامي له، كان ضعيفا وباهتا، وأظهر بوضوح الفرق بين وزير سياسي ووزير تكنقراط، فقد أثارت تصريحاته ردود فعل مشككة بل وساخرة أحيانا من بعض المعلقين في بعض البرامج الاذاعية والتلفزية.. وخاصة قوله أن الوضع تحت السيطرة في الوقت الذي يشهد الجميع تقريبا بداية عجز كامل للمرفق الصحي على التعامل مع الوباء..

فعندما يموت مواطن بغض النظر عن كونه استاذا أو عاملا يوميا، بعد أن ظل 6 ساعات تقريبا أمام مستشفى عبد الرحمان مامي المخصص لحالات الكوفيد، ثم يخرج الوزير ليتحدث عن أن طاقة الاستيعاب في المستشفيات لم تبلغ طاقتها القصوى..  وعندما يطلق استعجالي فطومة بورقيبة بالمنستير الذي تم اختياره كمركز وطني للكوفيد صيحة فزع، بعد أن بلغ عدد المصابين في هذا الاستعجالي 10 حالات لم يجدوا لها أسرة شاغرة من بينهم 5 حالات حرجة جدّا، والعدد مرشح للتطور في أي لحظة. مع العلم أنه تم تسجيل إصابة أحد الأطباء بالكوفيد  وهناك 4 أطباء آخرين مشتبه في إصابتهم أيضا.

فهل يمكن أن يصدّق أحد بعد ما نسمع وما نشاهد يوميا كلام السيد وزير الصحّة، والمواطنون يعانون يوميّا صعوبات في نقل مرضاهم إلى المستشفيات بسبب غياب سيارات الإسعاف، واستحالة توفير واحدة في الحالات الاستعجالية حتى من خلال الشركات الخاصة..

يضاف إلى ذلك نقص حاد في التحاليل حتى بالنسبة للمشتبه بإصابتهم بالمرض، والاجراءات الجديدة وفق معايناتنا على أرض الواقع لا تفرض التحليل للمحيطين بالحالات المصابة بل بمن تظهر عليهم الأعراض فقط.. وهؤلاء نسبتهم قليلة جدّا مقارنة بمن يحتمل إصابتهم بالمرض.

إذًا نقص حاد في أسرة الانعاش، نحو 250 سريرا لعشرة ملايين ساكن، وعدد إصابات في ارتفاع كبير، وقد يصل إلى الألف أو يزيد يوميا. نقص إن لم يكن انعدام تام أو شبه تام لسيارات الإسعاف المتوفّرة خاصة بالليل ونقص حادّ في التحاليل..

ما يعني أن البنية الأساسية الصحيّة في بلادنا لا تملك أدنى المقومات لمواجهة الموجة الثانية لكورونا، ورغم ذلك أقدمت الحكومة السابقة حكومة إلياس الفخفاخ على فتح الحدود بحجة إنقاذ الموسم السياحي والكل يعلم أن الموسم السياحي حينها أقفل وانتهى الأمر.. وبحجة أن الوضع الاقتصادي لم يعد يحتمل حجرا صحيا شاملا.. لذلك علينا أن نتعايش مع المرض..

الحقيقة أننا وأمام هذه الوضعية، فإننا مطالبون بالتعايش مع الموت، لأننا يوميا بتنا نسمع بإصابات في محيطنا سواء في العمل أو في أصدقائنا عبر الافتراضي أو غيرها، وهؤلاء ليسوا مجرد نسب وأرقام جافة باردة ميتة، لنتعامل معها بلغة الأعداد دون الأخذ بعين الاعتبار ما تتركه هذه المآسي من لوعة في نفوس العائلات التونسية وهم يفقدون أحباءهم حتى وإن كانوا كبار السن..

ونحن نستغرب محاولة المسؤولين التهوين من الخطر بالادعاء بأن علينا التعايش مع الكورونا الذي سيتحول – حسب قولهم – إلى ما يشبه النزلة الموسمية، وهذا غير صحيح لاننا امام فيروس قاتل واكثر فتكا من كل أنواع الأنفلونزا التي نعرفها.

لذلك وأمام هذه الصورة فأن الحديث عن أن الوضع تحت السيطرة لا يبدو مؤكدا، والإصرار على عدم اتخاذ اجراءات حمائية إضافية، حاسمة وصارمة، هو عبث وهو نوع من المكابرة والانكار لحقيقة الوضع..

والحقيقة أن الأرقام والصور مرعبة، وعجز الدولة أو بالأحرى بداية خروج الأمور عن السيطرة باتت من المعلوم لدى الناس بالضرورة، لذلك على الحكومة (وعلى رئيسها تحديدا) أن تبادر إلى جملة من الاجراءات الاستثنائية، التي تجمع بين المحافظة على حد أدنى من دوران العجلة الاقتصادية، وفي نفس الوقت ضمان الحدّ من الانتشار الكبير والسريع للمرض..

وفي هذا السياق لا يجب وضع حدود أو أسقف أو خطوط حمراء لتلك الاجراءات حتى وإن استدعى الأمر العودة إلى الاغلاق الشامل الذي لا يجب استبعاده كفرضية يمكن الالتجاء إليها عند الضرورة.. ولسنا أفضل من العديد من الدول الغربية التي بدأت في اتخاذ اجراءات وقائية من بينها الغلق الجزئي ..

ففي بريطانيا مثلا “أمر رئيس الوزراء بوريس جونسون الثلاثاء بإغلاق الحانات والمطاعم في وقت أبكر وطالب بالعمل من المنازل كلما أمكن ذلك في محاولة لمواجهة الموجة الثانية لفيروس كورونا.”

وقال جونسون إن القيود الجديدة في أنقلترا قد تستمر لستة أشهر مضيفا قوله “يؤسفني أن أقول إننا وصلنا، كما حدث في إسبانيا وفرنسا ودول كثيرة أخرى، إلى نقطة تحول خطيرة”.

وإضافة إلى غلق المقاهي والحانات الساعة العاشرة مساء سيتم أيضا فرض الكمامات في الأماكن مع فرض غرامات على الشركات والاشخاص الذين ينتهكون القواعد.

في بلادنا أعتقد أننا بلغنا نقطة التحول الخطيرة، خاصة بعد نتائج اليومين الاخيرين (21 -22  سبتمبر) والتي بلغت الإصابات فيها نحو 1219 حالة بما يعني نحو 610 اصابة يوميا وليس هذا فقط المقلق في الامر بل ارتفاع نسبة التحاليل الايجابية إلى ما يقارب 22 في المائة من مجموع التحاليل المجراة في نفس الفترة.. يعني الخمس تقريبا..

قلق يكاد يتحول إلى حالة من الذعر العام، ترجمته العديد من العائلات بالإمساك عن إرسال أبنائها إلى المدارس إلى حد الآن، فيما يتملك الخوف بقية العائلات على فلذات أكبادها، خاصة مع الوضعية المزرية التي تعاني منها المؤسسات التربوية العمومية..

إذا سياسة دسّ الرأس في التراب لم تعد تجدي نفعا اليوم، نحن أمام كارثة صحية مع اتساع رقعة حلقات العدوى في كل الجهات من دون استثناء، أكثر من 500 حالة إصابة في الطاقم الطبي وحالة فزع وهلع تجتاحهم.. البنية الصحية منهارة تماما أمام النسق المتسارع جدا للإصابات ونسق ضعيف جدا للتحاليل.. قلة الأسرة الشاغرة في أقسام الانعاش والحلات الحرجة تموت يوميا إما أمام المستشفيات في انتظار سرير انعاش شاغر أو في منازلها دون مرافقة صحية..

أمام هذه الحالة التي تتحمل الحكومة السابقة وعلى رأسها إلياس الفخفاخ المسؤولية الكاملة عنها بسبب العبث والإجرام الذي اقترفته في حق بلد بأكمله، ما على الحكومة الحالية إلا أن تكون أكثر شفافية وأكثر تصالحا مع شعبها وتصارحهم بحقيقة الوضع وتتخذ الإجراءات الضرورية التي يكون منطلقها صحة المواطن التونسي أولا وآخرا وأن تتصرف بكل حسم وبكل شفافية وبكل مسؤولية.. فحياة التونسي ليست لعبة..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق