الافتتاحية

الثورة السائلة!!
طريق طويل نحو أخلقة الحياة السياسية

1

هذا المشهد المقرف الذي يطل علينا أحيانا من البرلمان، عبر تدخلات بعض أشباه النواب، أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي، التي باتت الجدالات فيها تنهل من الرداءة مباشرة، هذا المشهد مفتعل ومصطنع ويراد له أن يكون كذلك، وهذا المشهد وفي إطار عملية الفرز المتواصلة منذ الثورة إلى الآن سينتهي وهذه الرداءة  هي حتما إلى زوال..

لذلك يمكن أن نتأسف ونتألم لمثل هذه المشاهد، التي تشوه ديمقراطيتنا الفتية، وتسيء لحرية التعبير التي ناضلنا من أجلها طويلا، ولكن وكما قال القرآن الكريم “ولا تهنوا ولا تحزنوا” فلن نهن ولن نحزن، لأننا على يقين أن هذه التشواهات أشبه بالطفح الجلدي الذي يستثير أماكن حساسة من الجسد ولكنه سرعان ما يزول بمجرد استعمال بعض المطهرات.

ومثلما صبرنا على ظواهر مشابهة منذ المجلس التأسيسي إلى الآن، ومثلما تحملنا كثيرا من الرداءة التي طبعت الساحة السياسية، سنصبر على هذا المشهد رغم كل الآلام التي يسببها، للتونسيين والتونسيات، الذين ملوا مثل هذه الظواهر وباتت الخطابات المملوءة حقدا وكراهية تشعرهم بالغثيان..

ولأن الحرية والديمقراطية كالدواء لها منافع كثيرة، ولكن لها أعراض جانبية أيضا، يمكن اعتبار بعض الظواهر في الساحة السياسية مجرد أعراض جانبية ظرفية للحالة الديمقراطية التي نعيش..

 

2

منذ قيام الثورة إلى الآن، تحولت بعض القوى والشخصيات السياسية والإعلامية، من تقديس منظومة الفساد والاستبداد، إلى محاولة ترذيل كل ما جاءت به الثورة، من شعارات وقيم ومعان نبيلة، ومن قدمتهم من شخصيات وقامات وطنية ذات بعد وطني وإقليمي ودولي، لا ينكره إلا جاحد، وذات تاريخ نضالي تنحني أمامه أطول القامات.

جزء من استهداف الثورة كان عبر تسخيف وتبخيس رموزها ونضالاتهم، حتى بات النضال يوزن بالكيلوغرامات.. وكان الهدف واضحا وهو دفع التونسي إلى الكفر بثورته وانتقاله الديمقراطي، وحتى يصبح الماضي الاستبدادي أمله المنشود. وجزء مما يجري اليوم من فوضى مفتلعة في البرلمان ومحاولة التجرؤ على رموزه وعلى رمزياتهم، يأتي في إطار هذه الخطة الجهنمية التي اشتغلت عليها بعض القوى في بلادنا..

واللافت أن هذه السجالات والاختلافات في البرلمان:

أولا، لا تقوم على الحد الأدنى من احترام أدب الاختلاف أو الحوار أو المناظرة..

ثانيا، هي خلافات أساسها الرغبات الشخصية والايديولوجية، ومشبعة بروح الاقصاء ورفض الاختلاف، لأنه لا يوجد أي اختلاف فيما رأينا حول رؤى أو مشاريع أو وجهات نظر.. بل هو تنفيس عن كم هائل من الحقد والكراهية التي تصل بأصحابها حد تمني الموت لخصومهم.

 

3

الغنوشي اليوم بحجمه ودوره السياسي الكبير واشعاعه داخليا وخارجيا بات في دائرة الاستهداف من أجل ضرب هذه الرمزية.. وهي محاولات بدأت منذ عودته إلى تونس عندما هرعت بعض الناشطات إلى مطار قرطاج وكنا نمني النفس بلفت أنظار وسائل الإعلام عن ذلك الحدث المهم.. ولكن طوفانا بشريا جرفهم وكشف حجم وتفاهة تحركهم ذاك ومحاولتهم تلك..

ثم تكررت تلك المحاولات، بعد اغتيال بلعيد ورفع ذلك الشعار الذي حاول الريط بين الغنوشي وبعض الاغتيالات، وتواصلت تلك الحملات المغرضة حتى ترأّس الرجل مجلس النواب، الأمر الذي قال فيه البعض أنه لم يكن يتصور أن يأتي يوم يرى فيه الغنوشي رئيسا لهذا المجلس..

لذلك تُستهدف رمزية الغنوشي اليوم لسببين رئيسيين على الأقل:

الأول، الدور السياسي والدبلوماسي الكبير الذي يضطلع به الرجل، وهو دور من الأوزان الثقيلة التي لم تستطع كل الشخصيات الموجودة على الساحة مجاراته فيه.. حيث بات الغنوشي كما قال بعضهم (كبير العيلة التونسية) وهذه لوحدها بالنسبة لبعض الاستئصاليين كبيرة.. فهم لم يقبلوا به كطرف سياسي إلا عن مضض فكيف وقد أصبح “كبير العائلة”..

الثاني، كون الرجل رئيس لأهم مؤسسة في البلاد وهي مجلس النواب، بما يمثله هذا المجلس من رمزية تاريخية زمن الاستعمار، باعتباره كان أحد مطالب جماهير شعبنا “برلمان تونسي”، وبما يسمح به هذا المنصب من أدوار يمكن للغنوشي أن يلعبها دوليا وإقليميا..

لذلك تُستعمل اليوم كل الوسائل مهما كانت منحطة من أجل النيل من الرجل وتشويهه ومحاولة الحط من قيمته السياسية والاعتبارية.

 

4

في ما تناولناه من دروس في الفلسفة، كانت السياسية تدرّس ضمن محور عام هو الأخلاق، وكان الفلاسفة من أرسطو إلى الفلاسفة المسلمين، يضعون كتاباتهم في السياسة أو ما يُسمى بتدبير شؤون المدينة، ضمن محور الأخلاق، أي أن السياسة والأخلاق لديهم شيء واحد.. اليوم أصبح الأمر بالنسبة لنا معكوس تماما، وكأن السياسة هي المناقض الطبيعي للأخلاق والقيم، وأصبح التجرؤ على كل القيم والقامات والرموز والمعاني ضربا من ضروب الحرية أو الفهلوة السياسية كما يتوهم البعض..

وتفشت هذه الظواهر حتى باتت قاسما مشتركا بين نسبة كبيرة من الفاعلين السياسيين بما في ذلك أصحاب الصفوف الأولى منهم.. وكأننا أمام فعل ممنهج، يذكّر بما تعرّض له بعض رموز الحركة الوطنية من استهداف عبر تسليط بعض السفهاء والرعاع والتافهين عليهم، إلى أن آثروا السلامة وتركوا الساحة لخصومهم.

ولكن الأمر لن يتكرّر اليوم، ولن نسمح بأن يقع تسليط بعض المنحرفين من أشباه السياسيين على ثورتنا وانتقالنا الديمقراطي ليشوهوا تجربتنا وبلادنا.. ويحاولوا خلق فتنة بين القيادات السياسية للبلاد، وافتعال عداوات وهمية بين رأسي السلطة في البلاد..

وسنعمل على أن يكون الصراع والخلاف السياسي قائما على برامج ومشاريع ووجهات النظر، بعيدا عن موجات الحقد والكراهية التي تنضح بها بعض تدخلات أعضاء مجلس النواب.. وسيكون الهدف هو التأسيس لمشروع وطني جامع يحقق أهداف ثورتنا ويساعد على انجاح انتقالنا الديمقراطي ولن يتأتى ذلك إلا بقيادة وطنية حكيمة وجامعة وحاضنة للتونسيين كل التونسيين مهما اختلفت ألوانهم وتنوعت مشاربهم..

هذه القيادة أو مشروع هذه القيادة موجود الآن.. وهناك خشية لدى البعض من أن تخرج هذه القيادة من حالة القوة إلى حالة الفعل… وهذا ما يفسّر كل هذا الحقد والكره الذي تنضح  في بعض المواقف..

إنها حالة من الثورة السائلة، التي تنسف فيها كل الثوابت، وتدكّ فيها كل قيمة، وتضرب فيها المرجعيات كلّها، وهو ما يسمح لبعض الطفيليات بأن تطفوا على سطح الأحداث، وتتضخم أنواتها حتى لتكاد تنفجر، ولكنه طفو ظرفي سرعان ما يتلاشى بعده كما يحدث للزبد تماما وصدق من قال:

“وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق