راي رئيسي

الثورة المضادة ومحاولات القضاء على جودة الطاقة البشرية

د. إبراهيم العمري

خلق الإنسان وهو يحمل شحنة إيجابية واستعدادا كبيرا للفعل الايجابي (فعل الخير، البناء، الأمل والتفاؤل…) ولكن المجتمع باعتباره يتكوّن من مجموع الأفراد ينقسم إلى جزئين جزء إيجابي وجزء آخر سلبيّ هادّم لا يعمل إلاّ على بث الإحباط واليأس والموت والسواد القاتم. سنتطرق في هذا المقال إلى المجال السياسي في تونس ومدى أثر قوى الردة والجذب إلى الوراء في المواطن التونسي طيلة عشرية الثورة. فما هي القوى المحبطة؟ وماذا فعلت؟ وهل نجحت؟ وما هي القوى العاملة على تدعيم جودة الطاقة البشرية؟ وهل نجحت في مقاومة القوى السلبية؟

 

القوى السلبية وبث الإحباط في النفوس الضعيفة

استفادت هذه القوى من المناخ السياسي والديمقراطي للنشاط وبث الموت في نفوس طبقات ضعيفة ماديا أو نفسيا أو المستفيدون من النظام القديم والمتمتعون بامتيازات سياسية (اليسار القومي والماركسي) أو مادية أعضاء الشعب والمتملقون والوشاة حيث صورت الوضع قاتما بدون الدكتاتورية التي فرضت على الشعب زهاء 60 سنة وقاموا بمقارنات لا تستقيم علميا بين حقبات تاريخية (قبل الثورة وبعدها).

– على المستوى السياسي: أول هذه القوى كان رئيس الدولة نفسه من ينسف مرتكزات الديمقراطية التي أوصلته إلى سدة الحكم حيث نصب نفسه حاكما مطلقا أشبه بملوك الدولة الأموية نهما في جمع السلط ورافضا لكل تعاون مع باقي المؤسسات السياسية، رافضا للأحزاب السياسية ونتائج الانتخابات وقواعد العمل السياسي المتعارف عليه دوليا وقد خيّر الإنزواء في قصره حيث لم ينتج شيئا سوى رسالتين مقابل راتب خيالي وميزانية ضخمة – مقارنة بالميزانيات السابقة -. إنه رافض لكل تفاعل يقتضيه منصبه السياسي حيث لا يختم القوانين ولا يسمح للوزراء بأداء اليمين ولا يقترح قوانين وقليل المشاركات في الندوات الدولية والاجتماعات المختلفة وليست له علاقة دبلوماسية مع العالم سوى فرنسا التي تبادر هي بدعوته ولم تنشط دبلوماسيته مطلقا طيلة هذه السنة والنصف من حكمه فضلا عن تشويه سمعة البلاد والثورة بتصريحات الهدف منها الحؤول دون إمكانية جلب الاستثمارات الأجنبية بالقول أنّ المناخ السياسي لا يسمح بالاستثمارات أو طلب إعادة جدولة ديون تونس بما يوحي بإفلاسها فهبط الترقيم السيادي للبلاد وأوجس المستثمرون خيفة من مثل هذه التصريحات ومن مجهوداته في منع أي طرف تقديم العون للبلاد (طلبه عدم مساعدة تونس من قطر وغيرها…) حتى أصبح الوحيد في العالم رئيس معارض لدولته وخانق لشعبه، فمنع الاستثمارات أو تعطيلها هو قتل للشعب الذي عبثت به “الكورونا” وفقد الآلاف وظائفهم وعملهم وانضافوا إلى طابور الفقراء الذي خلّفه بورقيبة وبن علي اللذان أجرما في حق الشعب.

في الحقيقة أصبحنا لا ندري ماذا يريد؟ إذا كان الهدف تأزيم الوضع ليحدث تغييرا ما لفائدته الشخصية فإنّ الوضع بلغ أقصاه من جرّاء تحريضه ومن جرّاء الإضرابات السياسية التي يشنها الاتحاد العام التونسي للشغل دون انقطاع والاعتصامات التي أغلقت كل مصادر الموارد المالية للدولة (فسفاط ونفط وغيرها من القطاعات الاستراتيجية التي تساعد على سد العجز في الميزانية) ولم يحصل هذا التغيير لأنّ المواطن لا تعنيه مصالح الطبقة السياسية وانما يعنيه حصوله على راتبه في وقته أو ممارسة عملا حرا يتقاضى عليه أجرا واسعاد عائلته وتوفير مقتضيات الحياة.

هل تحويل النظام إلى نظام رئاسي سينزل علينا المال من السماء وتحل مشكلات التنمية؟ ألم نجرّب النظام الرئاسي لمدّة ناهزت 60 عاما ولم نجن سوى الدكتاتورية والسجون والتشريد والقتل والاغتصاب والنهب والفقر المدقع وهو ما يقتضي غلق الباب كليا على هذا الحلم وتعديل النظام في اتجاه أن يكون نظاما برلمانيا خالصا والانصراف إلى ما ينفع الناس ثاني هذه القوى هي الأحزاب السياسية التي كانت تتمعش من فتات موائد بن علي أو المتحالفة معه والمشاركة في الحكم وتسيير دواليب الدولة (أحزابا ماركسية وقومية) أو الأحزاب سليلة التجمع اللعين أو الأحزاب التي صعدت فجأة إلى السطح السياسي ولكنها لم تفلح وفقدت مواقعها، كلّ هذا الخليط يبث القتامة والفشل في نفوس الناس وهي غير قادرة على بث الأمل لأنها لا ترى إلاّ السواد وتسحب فشلها على المجتمع وترذل كل ما هو إيجابي وتشغل معاول الهدم ما دامت غير منتفعة لكنها نسيت أنّ الشعب لفظها وأنّ سمومها لا تصيب إلا نزر قليل محبط بسبب دعايتهم السوداء بدليل مظاهراتهم “المليونية” التي لا تتجاوز العشرات (مسيرة حمة الهمامي يوم 10 / 02 / 2021  والتجمعيين في كثير من المناسبات آخرها 5 / 06 / 2021 التي ناصرها اليسار ولكنها تبقى دائما مسيرات ميكروسكوبية جمعت فئات قليلة من زعمات تلك الأحزاب حتى منخرطيهم لم يشاركوا في مسيرات الاحباط ).

ثالث هذه القوى الإعلام الذي لم يتعود على الحرية والديمقراطية. فقد وظفت الأحزاب الماسكة لمعاول الهدم جزء من الاعلام في الداخل والقنوات التابعة لممولي الأحزاب والمظاهرات من الخليج المطبع مع الصهيونية والسيسي وبشار (قاصف الشعب السوري بالبراميل المتفجرة وهذه عادة القوميين في قتل شعوبهم) حتى يعلو صوت الباطل على صوت الحق ولكنهم ماتوا بسمهم فكلّما أشعلوا نار الفتنة إلا وأطفأها الله وكلّما أرادوا شرّا أحبط الله أعمالهم.

إن الشعب عرضة للقصف الإعلامي اليومي لتدمير معنوياته وجعله يندم على الثورة، فآثاره أشبه بالقصف الصهيوني على غزة ولكنّ “غزة” وتونس انتصرتا على هذا القصف ولم تفتر الطاقة البشرية والاتجاه الآن نحو البناء والتمكين للثورة وحمل هؤلاء إلى الرضوخ لسياسة الأمر الواقع وأنّ تونس هي بلد الاحلام الممكنة ومن بين هذه الاحلام سحق جيوب الإحباط والتشكيك والترذيل للحق وتمجيد الباطل.

رابع هذه القوى هم الناعقون من الشعب الذين يرددون ما يسمعون لأنهم يجدون للباطل هوى في أنفسهم، انهم يكرهون كل ما هو نظيف ولا يعيشون الاّ في المستنقعات حيث ليس من مصلحتهم أن يستقيم المجتمع فموتهم يكمن هناك، فتجدهم يعاضدون السارق والمتحيل والمتحلل أخلاقيا ويعلون من شأنهم ويصبح الكاذبون والعاهرات والمجرمون زعامات المجتمع وقدوته وهو مخطط غربي -صهيوني يهدف إلى نزع الحياء والدفع بالشباب في متاهات المخدرات والفساد للسيطرة عليهم.

– على المستوى الاجتماعي: أهم هذه القوى السلبية هو الاتحاد العام التونسي للشغل وجمعيات التجمع واليسار، حيث عاش الاتحاد في صراع دائم مع بورقيبة الذي دجنه لمدة طويلة ولما اشتد ساعد الاتحاد وقرر الاستقلال قسمه بورقيبة إلى اتحادين وسجن عاشور وبعد ذلك دجنه نهائيا بن علي مقابل رشاوي ثم توريط قياداته في قضايا فساد لتهديدهم بالسجن، لكنّ هذا الاتحاد تنمّر بعد الثورة نتيجة الوهن في الأحزاب السياسية جرّاء صراعات أشبه بحرب البسوس وغبة اليسار المتمترس في المنظمة منذ حكم بن علي في إزالة الترويكا الأولى من الحكم ورفض نتائج الانتخابات والانقلاب عليها ليحكموا بالقوة وهو ما حصل فأصبحت المنظمة “الفاتق الناطق” وشلّت البلاد بإضراباتها ووجهت التهم للسياسيين وهددتهم في الكثير من المناسبات بعدم صمتها ولم يبق إلا إعلان انقلابها هي أيضا. هذه المنظمة لم تتوقف عن بث الإحباط في صفوف الشغيلة وغيرها فاتحة كل الملفات الاجتماعية والسياسية والحال أننا ورثنا كل الازمات من عهد صمتها على جرائم بن علي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لمّا فرّ المخلوع ترك البلاد في أحلك الازمات الاقتصادية (بورقيبة لمّا سقط تركها كذلك) ولأنّ السياسة عرجاء قد تناسى الجميع ذلك الوضع المتأزم إلى حدّ طفح الكأس وانطلاق شرارة الثورة من سيدي بوزيد والبسوا الثورة مسؤولية الفشل وكأن ثورات العالم حلت المشكلات في أوقات قياسية وأنّ الثورة التونسية هي الاستثناء ومن ثمّة انطلقت المطالب التعجيزية وصاحبتها حملات ممنهجة لتجريم الثورة وقادتها والأحزاب الجديدة التي تصدرت المراكز الأولى في الحكم. في النهاية باءت جهود الهدم بالفشل وباءت تحالفات المنظمة مع الأحزاب المشبوهة بالإحباط.

 

القوى العاملة على تدعيم جودة الطاقة البشرية

هذه القوى هي تلك الأحزاب والمنظمات والجمعيات الماسكة بقيادة السفينة حتى تغرقها القوى الحاقدة على الشعب لأنه فجر ثورة مباركة حقّقت انتقالا سياسيا ناجحا وهي تجدّف من اجل إنجاح الانتقال الاقتصادي بالرغم من حجم القصف الكبير التي تمارسه قوى الردّة حيث وجدت نفسها تجابه في وقت قياسي مطلبية مجحفة وهي مطالبة بضمان جودة الاسرة من حيث ضمان التعليم للناشئة التي حطمها بورقيبة وبن علي (أطفال مشردون وأطفال قرى بورقيبة الذين انجبوا خارج مؤسسة الزواج والنسبة المرتفعة للطلاق (المرتبة الأولى عربيا) نتيجة ضرب القيم ونزع الحياء، تخلي الاولياء عن مهمة التربية …) وهي مطالبة بضمان جودة المدرسة (مقاومة الانقطاع المدرسي 100 ألف حالة/سنويا منذ حكم بن علي وارتفاع نسبة الأمية وخاصة في الأرياف فضلا عن الامية الإعلامية.

هذه القوى مطالبة بجودة الحياة السياسية حيث نجد في تونس قرابة 220 حزبا لا ينشط منها سوى قرابة 15 حزبا والبقية لا أثر لهم وهذا في حدّ ذاته رداءة الى جانب تنشئة هذه الأحزاب التي لم تعرف الحرية قبل الثورة على التعايش بدل الاقصاء الممارس الآن حيث تعمل أغلب الأحزاب على اقصاء بعضها البعض

أما الجودة الاقتصادية فهي تتعلق بالقضاء على الأزمة الاقتصادية والعمل على القيام بالإصلاحات اللازمة للإقلاع وهو أمر يقتضي تكامل الجهود بين المؤسسات السياسية في الدولة ووضع الخطط الواقعية والاستراتيجية لحل المشكل في القطاعين العام والخاص وهو إلى حدّ الآن معطل بسبب تعنت رئيس الدولة ومواصلة عرقلة جلب الاستثمارات كلّما توفرت له الفرصة وهذا مضر بجودة العلاقات الدولية حيث يعطي الانطباع أن العالم تخلّى عن تونس وأنها ستواجه مصيرها بمفردها.

وقد نجحت جهود رئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي ورئيس الحكومة السيد المشيشي فيما يتعلق بالدبلوماسية الاقتصادية حيث يعد عملا دبلوماسيا غير مسبوق لسد الشغور (تخلّي الرئاسة عن الدور والانخراط في طرد المستثمرين وتنفيرهم) وضمان جودة العلاقات الدولية الاقتصادية من أجل بعث الامل في نفوس الشعب التونسي والطبقة الاقتصادية الراغبة في الاستثمار من داخل البلاد وخارجها.

الفرق واضح بين البناء والهدم ولكن الوضع دقيق جدا ولا يجب أن نسمح بعد الآن بالهدم فالصمت مشاركة في عملية عبثية لا نهاية له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق