تقاريرحصري

الجذور الاستعمارية لإبعاد الاسلاميين عن الشأن العام ج 5/2

حرصت فرنسا الاستعمارية  منذ 1881  على إبعاد الاسلاميين عن دوائر القرار، والإسلام عن الشأن العام، وجعلت ثقافتها هي المعيار الوحيد لتولي المناصب ، ولغتها هي اللغة الوحيدة للإدارة ، و بالتالي استثنت حملة الثقافة العربية الاسلامية من مواقع التأثير من خلال مؤسسات الدولة .

بيد أن الاسلاميين ظلوا قادة الرأي العام في الثلاثة أرباع الأولى من فترة الاحتلال الفرنسي المباشر لتونس ( 1881 / 1956  ) أو أكثر بقليل ،  ويتمثل ذلك في رد الفعل الشعبي على اعتقال الشيخ عبدالعزيز الثعالبي زعيم الحزب الحر الدستوري التونسي ، و مؤتمر التنصير في ثلاثينات القرن الماضي، و قضية التجنيس ، و غيرها .

لذلك عمدت فرنسا إلى شق حزب الثعالبي “الحزب الحر الدستوري التونسي” كأول حزب وطني يتأسس بالبلاد في مارس 1920 م كان من أبرز رموزه إلى جانب الشيخ الثعالبي صالح فرحات ومحي الدين القليبي و أحمد توفيق المدني و أحمد الصافي و أحمد السقا وعلي كاهية  وحمودة المنستيري والحبيب زويتن .

وكان من مطالب الحزب ( 1 )  إرساء نظام دستوري ، و ) 2 ) الفصل بين السلطات الثلاث ( البرلمانية  و الحكومية  و القضائية ) وضمان الحرية و المساواة ( كان التونسي يعامل معاملة العبد في وطنه وله قانون خاص لا يتساوى فيه مع الأجانب الآخرين فضلا عن المحتلين )( 3 ) إجبارية التعليم .

ورد المحتل الفرنسي على تلك المطالب بشق صفوف الحزب عن طريق بعض عملائها في 1921  ( الحزب الاصلاحي ) ثم الحزب الحر الدستوري المستقل ( 1922  ) وقد فشل الحزبان في ضرب قوة الحزب الحر الدستوري التونسي، مما دفع الاحتلال الفرنسي إلى نفي الشيخ الثعالبي، عبر المضايقة ، وفي غيابه تمكنت فرنسا من إعداد بديل للثعالبي يتخلى عن المرجعية الاسلامية ، و يتبنى مرجعية فرنكفونية  يعتبرها أنصارها اليوم ( مثل العربية و الاسلام ) .

غير أن ذلك لم يمنع حزب الثعالبي من التصدي لمشروع الاحتلال الفرنسي وسلخ تونس عن هويتها العربية الاسلامية و احلال اللغة و الثقافة الفرنسية محلها لتأبيد الاحتلال والتمهيد  للمرجعية الفرنكفونية باسم الحداثة و القيم الكونية ..

وقد مثل المؤتمر التنصيري  الدولي المعروف بالافخاريستي سنة 1930 م و الاحتفال بمرور50 سنة على الاحتلال الفرنسي لتونس في 1931  بعض المحاولات الاستراتيجية للتمكين للفرنكفونية  في تونس على حساب مرجعيتها العربية الاسلامية .

وبعد تصدي مشايخ تونس ومن ورائهم الشعب التونسي حاولت فرنسا إغراء التونسيين بالجنسية الفرنسية فتثبيت المرجعية الغربية لتونس و إبعادها عن الاسلام و المسلمين ، فأصدر العلماء فتوى تحرّم دفن المتجنسين بالجنسية الفرنسية آنذاك في مقابر المسلمين واعتبروهم مرتدين.. وكان ذلك سنة 1933

كان الاسلام حاضرا بقوة في مواجهة الاحتلال الاستيطاني الثقافي الفرنسي لتونس، ولم تنس فرنسا ذلك أبدا حتى اليوم، وما يجري من محاولات إبعاد الاسلاميين عن السياسة ، و الفصل بين الاسلام و الدولة ثم تطور إلى استهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وتنكيل بالمسلمين  في فرنسا أمنيا و اعلاميا و سياسيا له جذور تعود إلى حقبة الاحتلال وقبلها الحروب الصليبية وحملاتها المتكررة على العالم الاسلامي ومنها تونس .

رفض الاسلاميين

لم يتأخر الرد الفرنسي على مشايخ الزيتونة و الحزب الذي يقوده الشيخ عبدالعزيز الثعالبي ، وكان ردها حاسما تلك المرة بتفجير الحزب من الداخل بعد أن سبق لها غرس عملائها داخله .. ففي 2 مارس 1934 م انشق الحبيب بورقيبة الفرنكفوني عن الحزب ، ولم يمض على انتمائه الظاهري له سوى بضعة سنوات وقام بتأسيس حزب يحمل نفس الاسم مضيفا إليه كلمة الجديد، وذلك أثناء وجود الثعالبي في المنفى الذي لم يكن اختياريا حيث دفع إليه دفعا .

وعندما عاد الثعالبي إلى تونس في 1937  وجد الأمور قد تغيّرت لكنه واصل النضال حتى توفي في 1944  رحمه الله تعالى,

في سنة 1946  طالب حزب  الثعالبي  بالاستقلال التام عن فرنسا، وكانت الظروف مواتية لذلك بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ودعوة الرئيس الأمريكي ولسون إلى تحرير الشعوب ومنحها حقها في تقرير المصير وتنامي حركات التحرر في العالم .

في هذه الظروف وبعد محاولاتي 1920 و 1921  الفاشلتين استطاعت فرنسا التمكين للفرنكفونيين على حساب الاسلاميين ، وإبعاد الاسلاميين عن الشأن العام و العمل السياسي، ولم يبق لها من عقبة سوى الزعيم النقابي فرحات حشاد المعروف بتدينه وقربه الشديد من الشيخ الطاهر بن عاشور.

تزوير التاريخ

اغتالت فرنسا الزعيم النقابي فرحات حشاد في 4 ديسمبر 1952 بعد 3 سنوات من ترأسه الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي أسسه مع آخرين سنة 1946 م أي نفس المدة التي مكث فيها الشيخ الطاهر بن عاشور رئيسا للاتحاد.

وقد حذفت صورة الشيخ الطاهر بن عاشور من قائمة الأمناء العامين الذين تداولوا على رئاسته لنفس الهدف الاستعماري وهو إبعاد الاسلام عن الشأن العام و إبعاد الاسلاميين عن السياسة بالقانون، ولو بتزوير التاريخ .. حتى في محرك البحث ويكيبيديا، نجد أن حشاد أسس الاتحاد في 1946 وترأس الاتحاد في 1949 ولا أثر لمن تولى الرئاسة في الفترة ما بين 1946 و 1949  !!!

يتبع

عبدالباقي خليفة

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق