الافتتاحية

الجريمة..
تدمير الاقتصاد من أجل إسقاط منظومة الثورة..
الفوسفاط نموذجا..

فجأة قامت النائحات على ما آلت إليه الأوضاع بشركة فسفاط قفصة. وفجأة انتبهت عديد الأطراف إلى الوضع الكارثي وال مآل المأساوي للعاملين في القطاع الذين باتوا مهددين بعدم خلاص أجورهم. وبالبطالة التقنية. كما انتبهوا متأخرا جدا للأسف الشديد للتأثيرات الكارثية لتوقف العمل بهذا القطاع الحيوي على اقتصادنا..

ووصل الأمر ببعض الأطراف إلى حسد دعوة الحكومة إلى استعمال الجيش لحماية مواطن الإنتاج.. نفس هذه الأطراف التي كانت تحرّض على قطع الإنتاج، وإغلاق الحوض المنجمي ورفعت شعار “لا فسفاط دون تشغيل”. تبرأت فجأة من كل أفعالها وإجرامها في حق البلاد والعباد وفي حق منطقة الحوض المنجمي والعاملين فيها، وباتت تحمل السلطات الرسمية المسؤولية عما آلت إليه أوضاعهم الاجتماعية وتدعوا الحكومة إلى ‘ تحمل مسؤولياتها”. ونسيت هذه الأطراف أو الجهات أنها كانت أداة في لعبة قذرة استهدفت استقرار البلاد وأمنها الاقتصادي، وضربتها في أهم مصادر دخلها من أجل تعفين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحتى يقال اليوم “دمرتوا البلاد” .. أو حتى يقع تحميل هزه الجهة أو تلك المسؤولة عسن هذا “الخراب” الذي حل بتونس منذ 2011 كما يدعون.. والحقيقة أنهم قرروا

تدمير الدولة وتفليسها وتفقير شعبها من أجل إسقاط خصومهم من الحكم وإسقاط منظومة الثورة.

..الغريب أن هؤلاء يتحدثون – أو هكذا يريدون أن يوهموا الناس – من منطلق الغيرة على الدولة وعلى البلاد. ويتهمون غيرهم ببيعها وارتهانها والتفويت في كل مقدراتها..

والحقيقة أنهم أقاموا تحالفا ضمنيا بين من يعطل الإنتاج ومن يستثمر سياسيا في التعطيل وما يُخْلَفه من أزمات. ومن يركب على كل ذلك إعلاميا، ليمرر سردية ماكرة وخبيثة تقوم على شيطنة الثورة ومن أتت بهم إلى الحكم، وتحميلهم المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية في البلاد.. هذه الأوضاع التي كانوا هم السبب الرئيسي في خلقها..

الفسفاط سادتي الكرام، هو شريان الحياة بالنسبة لتونس وواحد من ركائز الاقتصاد في البلاد. ومن أهم مصادر الدخل للمالية العمومية. كان يمثل قبل 2010 نحو 8 في المائة من صادراتنا، وهو إلى ذلك المحرك الاقتصادي الوحيد تقريبا بمنطقة الحوض المنجمي.. الفسفاط سادتي الكرام كان يوفر ما بين 4000 و5000 مليار سنويا، ما يعادل ربع الميزانية تقريبا، اليوم هذا القطاع شبه متوقف. وخسائر بلادنا في هذا المجال تعد بآلاف الآلاف من المليارات.

ووفق بعض التقديرات فإن خسائرنا طيلة عشر سنوات بلغت نحو 32 ألف مليار (مليار دولار سنويا). ولكن الخسائر جراء توقف انتاج الفسفاط لا تتوقف عند هذا الحدّ. فبالإضافة إلى خسارة أسواقنا التقليدية في هذا القطاع. واضطرارنا إلى استيراد مادة “الأمونيتر” التي كنا نحن ننتجها، تسيب توقف الإنتاج في الحوض المنجمي في إيقاف عمل المركب الكيماوي بقابس وخسارة عشرات إن لم تكن مئات من مواطن الشغل وتوقف تصدير عديد المنتجات البترو- كيماوية.. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. إذ زاد ارتفاع عدد العمال في شركة فوسفاط قفصة من 12 ألف شخص إلى 25 ألفا حاليا نسبة هامة منهم تشتغل في شركات البيئة والبستنة.. زاد في إرهاق ميزانية الشركة. إذ يتكلف هؤلاء نحو 80 مليون دينار سنويا تحت عنوان أجور فقط. وهو ما جعل الشركة تخسر وفق تصريحات وزير الصناعة الأسبق سليم الفرياني ما يقارب مليار دولار سنويا منذ 2011.

ومفاد ذلك كله أن الخراب والتدمير الممنهج الذي الحق بشركة فسافط قفصة والمجمع الكيماوي بقابس. والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية والمالية. رهيبة جدا. ولا يمكن تخيلها ولا يمكن لأي اقتصاد في العالم أن يتحملها. لذلك لا يمكن لمن وقف وراء كل هذا الخراب والدمار أن يتنصل من المسؤولية بسهولة ويتهم في المقابل الأطراف السياسية (التي كانت مستهدفة في الأصل بهذا التعطيل) بالمسؤولية عمّا جرى.

هؤلاء على الأقل – وفي أدنى الحالات- شركاء في ما وقع في بلادنا، رغم أني على يقين أنهم المجرمون والمسؤولون عما آلت إليه الأوضاع في الحوض المنجمي وفي باقي القطاعات في البلاد.. فما وقع في الحوض المنجمي، لم يكن حالة استثنائية، بل إن تعطيل الإنتاج وإيقاف كل الأنشطة الاقتصادية، كان سياسة ممنهجة. اعتمدت تحت ذرائع مختلفة من بينها أحيانا “تحقيق أهداف الثورة “و”التشغيل استحقاق” و “لا فوسفاط دون تشغيل”.

وكان العمّال حطب المحرقة في معركة هم الخاسر الأول فيها.. لأن شعار “لا فسفاط دون تشغيل” انتهى إلى “لا تشغيل ولا فسفاط”.. نتيجة هذه السياسة الممنهجة في تعطيل الإنتاج من أجل إسقاط أو  إفشال تجربة بعض الأطراف في الحكم. انتهت إلى غلق المئات من المصانع؛ وتشريد آلاف العمال. وهروب الاستثمارات من بلادنا إلى بعض الجوار المغاربي. وتحوّلت بلادنا إلى منطقة منفرة لرجال الأعمال وللمستثمرين وحتى للدول المانحة..

وللأسف الدولة تدفع اليوم ثمن هذه السياسة، وبوجوه لا تعرف الحياء، يخرج علينا بعض النشطاء الاجتماعيين والإعلاميين والسياسيين ليتهموا طرفا بعينه بـ “تدمير الدولة” بل وبيعها ورهنها للخارج.. هؤلاء يعلمون جيدا أن الطرف الذي يتهمونه كان هو الملجأ في أكثر من مناسبة لسد العجز في الميزانية. والذي قارب في بعض المرّات ألفي مليار..

جيد أن يستفيق البعض ولو متأخرا ليبكي على توقف انتاج الفسفاط ويتباكى على مواطن الشغل المهددة، ولكن الأفضل من ذلك أن يقوم هؤلاء بقراءة نقدية ويعترفوا بالجرائم التي ارتكبوها في حق منظوريهم وحق البلاد.. أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا..

وأن يستفيق البعض من غفوتهم ولو متأخرا أفضل من أن يمضوا في غيهم.. والاعتراف والاعتذار من هذا الوطن لمن أخطأ في حقه من شيم الكبار لا المتلاعبين بمشاعر وعواطف “الزواولة ” الذين دفعوا الثمن مرتين.. فلا هم تحسنت أحوالهم بالإضرابات، ولا هم حافظوا على مواطن شغلهم .. وهم الآن تائهون ولم يتمكنوا من الحصول حتى على بعض التعويضات وقد تخلى عنهم مُحرّضوهم بالأمس..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق