راي رئيسي

الحكومة والمنظمات الوطنية.. علاقة مشاركة أم مغالبة؟

قرّرت والية سوسة رجاء الطرابلسي تعليق الدروس في كافة المؤسسات التربوية العمومية والخاصة بالجهة بداية من يوم الاثنين 5 أكتوبر إلى غاية يوم الأحد 18 أكتوبر 2020 وذلك في إطار التوقّي من تفشي فيروس كورونا المستجد.

كما قررت، في بلاغ أصدرته مساء الأحد الماضي تعليق الدروس بكافة مؤسسات التكوين المهني العمومية والخاصة خلال نفس الفترة.

وتقرر كذلك غلق كافة رياض الأطفال والمحاضن المدرسية والكتاتيب بالجوامع والمساجد، وتعليق الدروس بكافة مراكز تعليم الكبار خلال نفس الفترة المذكورة (من 5 إلى 18 أكتوبر 2020).

وتأتي هذه القرارات عملا بتوصيات اللّجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة المنعقدة يوم الأحد بمقر الولاية وبعد التنسيق مع المصالح المركزية، وفق ذات البلاغ.

كما تقرر اعتبارا من الخميس 1 أكتوبر فرض حظر تجوّل لـ 15 يوما في الولاية من الساعة الثامنة ليلا إلى الساعة الخامسة صباحا بالتوقيت المحلي. كما منعت حفلات الأعراس والتجمعات في الفضاءات العامة، وكذلك تدخين الشيشة في المقاهي.

هذه القرارات حتمها الارتفاع المخيف في نسق الإصابات وفي عدد الوفيات جراء وباء كوفيد-19 الذي خرج عن السيطرة وأثقل كاهل المؤسسات الصحية في الولاية..

ويرتفع إجمالي الإصابات منذ إعادة فتح الحدود في ولاية سوسة إلى 2559 إصابة، بمعدل 100 حالة يوميا تقريبا، كما بلغ عدد الوفيات الـ 60، بينما بلغ عدد الذين لا زالوا يحملون الفيروس 2267 شخصا.

وتزايدت الدعوات لاتخاذ تدابير وقائية أكثر صرامة مع دقّ الطواقم الطبية جرس الإنذار. وقد تجاوز عدد المصابين في الإنعاش 99 شخصا في ظل وجود 130 سريرا إجماليا تم تخصيصها لمرضى كوفيد-19، وفق وزارة الصحة.

في المقابل سارعت “الأوتيكا” منظمة الأعراف ممثلة في فرعها الجهوي في سوسة بالتعبير عن رفضها لقرار غلق المؤسسات الخاصة ومن بينها المدارس الخاصة ومارست ضغطا قويا على والية سوسة جعلها تتراجع عن قرار غلق المدارس مدّة أسبوعين والتقليص فيه.. في ذات الوقت يأتي رفض الاتحاد الجهوي للشغل بولاية سوسة ليعارض قرار الوالية التقليص في مدة الغلق ورفض استئناف الدراسة..

السلطة الجهوية في الولاية التي تمثل السلطة المحلية ومفوضة من السلطة التنفيذية أي الحكومة تجد نفسها وسط تضارب وتعارض مصالح بين المنظمات الوطنية التي بدا جليا أنها تنازعها صلاحيتها في اتخاذ القرارات السيادية التي تخصّ الجهة، وهو ما خلق ارتباكا وفوضى في قرارات مصيرية ودقيقة وحسّاسة تمس من أمن المواطن وسلامته..

وللتذكير فإن بعض المصادر المقرّبة من القصبة تؤكّد أن مسألة الحجر الشامل أو الموجّه مطروحة بقوّة لدى الحكومة بالنظر إلى انفلات الوضع الصحّي واتساع دوائر العدوى وتسارع نسق الإصابات والوفيات المخيف، ولكن الحكومة غير قادرة على المضي في القرار بسبب ضغوطات قوية من منظمة الأعراف وبعض رجال الأعمال النافذين الذين عبروا أكثر من مرّة وبوضوح عن رفضهم القطعي لأي حجر صحي في الفترة الحالية ولو كان موجها..

في الحقيقة ما حدث إنما يعكس أزمة في العلاقة بين منظمات المجتمع المدني وبين السلطة التنفيذية وهي أزمة في الواقع تتجدّد في أكثر من مناسبة وفي أكثر من محطة وتُربك سلطة القرار والإنجاز لدى السلطة التنفيذية خاصة عندما تتعارض وتتضارب فيما بينها كما هو الشأن في الزيادات في الأجور أو في أزمة الكورونا..

ولطالما لعبت المنظمات الوطنية بعد الثورة أدوارا مهمة في صياغة المشهد العام في تونس وكان لها بصمتها الخاصة في مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، وربما أهم هذه المحطات الدور الذي اضطلعت به خلال كل مراحل الحوار الوطني الذي أوصل البلاد إلى انتخابات 2014 بأمان.. وكذا كانت بصمته واضحة في تشكيل الحكومات المتعاقبة، وكشريك فاعل في أهم قراراتها..

إن وضع قواعد واضحة بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني ممكن، إذا توافرت الإرادة من الطرفين، ولهذا يجب طرح العلاقة الجدلية بين سلطة الدولة والمجتمع المدني من خلال رؤية جديدة لا تتأثر بسلبيات الماضي، وتكون مجرد رد فعل لتاريخ تسلط الدولة ومصادرتها لنشاط المجتمع المدني وقواه الحية. وتلك الرؤية الجديدة تستدعي طرح العلاقة الجدلية بين السلطة والمجتمع المدني من خلال تصور واضح لطبيعة الدولة ومهامها. إذ ليس هناك أي تعارض بين دولة الحق والقانون وفعاليات المجتمع المدني، بل إن دور كل منهما يكّمل الآخر. فالدولة القانونية لا تلغي مؤسسات المجتمع المستقلة عنها، إنما تساعد على انفتاحها، ومؤسسات المجتمع المدني تساعد الدولة في القيام بمهماتها، لأنه هو الإطار السليم لتطور البنية الاجتماعية الديناميكية..

ولكن ثمة شروط حاسمة لعلاقة صحية بين الدولة والمجتمع المدني: أوّلها أن المجتمع المدني لا ينشأ من ضعف الدولة أو تراخيها أو استقالتها أو تفسخها. المجتمع المدني يجب أن يكون وليد قوّة الدولة من أجل الموازنة معها، ومنع التسلط، والرقابة، وتحديد ميادين نشاط السلطات وصلاحياتها.. وثانيها: أنّ المجتمع المدني لا يمكن أن يحل محل الدولة، بفعل اختلاف الوظائف جذريا.. وثالثها: أن لا يتحول إلى إحدى الأدوات التي تستعملها الإقطاعيات الحزبية والمافيات الاقتصادية في سبيل بسط نفوذها..

ورابعها: أن افتراس الدولة للمجتمع يؤدي إلى دولة تسلطية، كما أن تحلل الدولة يؤدي إلى الفوضى.

إذا فإن من الخطأ والخطورة بمكان أن يعتبر المجتمع المدني الجديد مهمته خلق فضاءات من الاستقلال الذاتي على هامش الدولة، وأحيانا للحلول محلها في بعض المشاريع والقرارات، أو أن يستحوذ على سلطة أو يصبح سلطة موازية مغالبة لا شريكة.. وتصبح الحكومة حينها عاجزة عن تنزيل قراراتها أو منجزاتها أو مشاريعها أو برامجها بسبب ما تصطدم به من تضارب وتعارض مواقف من طرف منظمات المجتمع المدني على اختلاف مجالاتها..

نحن إذا بأمس الحاجة اليوم من أجل تيسير عمل الدولة واحترام سلطتها كما احترام دور المجتمع المدني وسلطته، إلى بلورة نمط حضاري يضبط العلاقة بين الدولة والمنظمات الوطنية، ويركز على التكامل والتفاعل لا على الصدام والمغالبة والتعارض والقطيعة.. وهذا من خلال أبعاد المشاركة والتفاعل، وبناء تعاقدية جديدة بين الدولة والمجتمع، تشمل متطلبات المجتمع الحضارية والسياسية، وتحترم ضرورات الاستقرار، وهذا يعني عقد سياسي جديد يربط قوى المجتمع ومؤسسات الدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق