راي رئيسي

الحوار التلفزي لرئيس مجلس النواب..
ملامح الظهور وأهم الرسائل..

للكتابة حول الأستاذ راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة في مثل الظروف الحالية التي تمرّ بها البلاد محاذير كثيرة يتعلّق بعضها بالوضع العام بالبلاد ويتعلق البعض الآخر بالشأن الداخلي للنهضة خاصة وأن الرجل محلّ خلاف في الساحة السياسية بين من يحترمون تاريخه وفكره ونضاله ضد الاستبداد ودوره في الانتقال الديمقراطي وسعة علاقاته السياسية داخليا وخارجيا وقوّة تأثيره في القرار السياسي بالبلاد ولهم من السماحة وحسن التدبير وحصافة الرأي والأدب الجم ما يمكنهم من الإنصاف وقبول التنوع والاختلاف وبين من يتلقطون له الكلمة والموقف ويؤولون ويلوون أعناق المعاني والنوايا ولا يفلحون في شيء فلاحهم في كيل التهم واستعمال أسوأ المعاجم اللفظية في حق الرجل وحزبه، أما على صعيد حركة النهضة، فالحديث عن الغنوشي يمكن أن يضعنا ضمن تصنيفات المع والضد وجدل التمديد من عدمه، وهو جدل لسنا طرفا فيه حتى ننحاز ضمنه لجهة دون أخرى.

نقول هذا مضطرّين حتى ندرأ عن أنفسنا تأويلات نحن في غنى عنها، وحتى تكون قراءتنا للحوار التلفزي الذي أجراه الأستاذ راشد الغنوشي مساء الأحد 8 نوفمبر 2020 على الوطنية الأولى أكثر موضوعية، وكتعليق أولي عن المضمون ما أزال متمسكا بالانطباع الذي خرجت به مباشرة بعد الحوار المتمثل في أنه في كلمة sans faute ، أي دون خطإ.

الحوار الذي بث مساء الأحد كان مبرمجا منذ أمد بعيد، ولكن ظروفا عديدة أدّت إلى تأجيله، وورد في سياق زمني مناسب يتزامن مع انطلاق السنة البرلمانية الجديدة وحلّ أزمة الكامور، واستفحال أزمة الكورونا، وتصاعد الجدل داخل النهضة في علاقة بمؤتمرها الحادي عشر.

هو حوار بدا فيه الغنوشي رصينا هادئا غير متشنج راوح فيه بين العربية الفصحى والدارجة ولم يستعمل خلاله مفردات صعبة، كانت لغته سهلة سلسة، وحضوره كان أشبه بحضور كبير العائلة أو بالأب ولعله حين وصف التونسيين والتونسيات في أكثر من مناسبة خلال ساعة ونصف من عمر اللقاء بأبنائي وبناتي كان يقصد الظهور بتلك الصفة، كما كان أيضا وفيا لمبدأ التوافق وتجذير العيش المشترك مذكرا بما طرحه قبيل الثورة من مصالحة وطنية شاملة لا تقصي أحدا تيسر للبلاد المضي نحو مستقبلها متخففة من أحقاد الماضي ومعتبرا أن حل جميع المعضلات التي يعيشها التونسيون لا يمكن أن يأتي إلا بالتوافق فالخلاف حول قانون المالية بين الحكومة والبنك المركزي لا يحل إلا بالتوافق والخلاف حول المحكمة الدستورية لا يحل إلا بالتوافق والخلاف داخل النهضة لا يحل إلا بالتوافق. حوار ظهر فيه الغنوشي بملامح تغلب عليها الابتسامة وخطاب فيه احترام كبير لرئيس الدولة رغم محاولات استدراجه من قبل الصحفي المحاور الذي ذكره فيه بخطابات قيس سعيد التي تحدث عن غرف مظلمة وكال اتهامات للجميع قيل أن بعضها موجه للغنوشي الذي أكد أنه لم يشعر مرة بأنه معني بأنه معني باتهامات رئيس الجمهورية الذي تربطه به علاقات ود واحترام، كما أنه يعمل ضمن مؤسسات تشتغل تحت الأضواء سواء كان ذلك في البرلمان أو في الحزب وبالتالي فإنه غير معني أيضا بمسألة الغرف المظلمة.

بالعودة إلى أهم المضامين التي تناولها الحوار والردود والأجوبة التي جاءت على لسان رئيس مجلس نواب الشعب يمكن أن نجملها في عدد من العناوين:

 

– أولويات الدورة النيابية الحالية:

أكد رئيس مجلس نواب الشعب أن أولويات الدورة النيابية الحالية تتمثل في استكمال المحكمة الدستورية والمساهمة في الجهد الوطني لمقاومة الكورونا ومراجعة القانون الانتخابي ومراجعة القانون الداخلي للمجلس وتقديم مبادرات تقسيم الأراضي الدولية على الشباب ومنحهم قروضا لاستثمارها، ويبدو أن الغنوشي كمسؤول أول عن البرلمان يجد حرجا شديدا بسبب تأبيد عدم الانتهاء من مسألة انتخاب أعضاء المجلس الدستوري بسبب التجاذب الشديد الحاصل بشأنها وبسبب عدم توفر النصاب القانوني لعدد النواب المصوتين على اختيار هؤلاء الأعضاء الذي نص عليه الدستور وهو ما يستوجب تعديل هذا النصاب بتخفيضه وعدم التمسك حرفيا به خاصة ونحن باستمرار أمام رئيس للجمهورية يعمد إلى احتكار تأويل الدستور كلّما جد خلاف حول مسألة تتعلق به ويقيم الدنيا ملقيا خطبة عصماء رنانة والدستور بين يديه يلوح به.

أما في ما يتعلق بموضوع انخراط مجلس نواب الشعب في الجهد الوطني لمقاومة الكورونا فقد ذكر الغنوشي بدور المجلس في فرض الحجر العام أثناء الموجة الأولى وموافقته على طلب الحكومة بتمكينها من تفويض لإصدار مراسيم تيسر لها قيادة الحرب على الوباء فضلا عن احترام نواب الشعب للبروتوكول الصحي بتفاصيله رغم إصابة عدد منهم بالفيروس، وتحدث الغنوشي خلال حواره المتلفز عن ضرورة تعديل القانون الانتخابي حتى تجر عن الانتخابات أغلبية قادرة على الحكم مذكرا بالظروف التي وضع فيها القانون الانتخابي الذي قد على قياس المجلس التأسيسي بهدف ضمان التنوع وغلق الطريق أمام حصول النهضة على أغلبية مريحة تتيح لها الحكم بمفردها، كما أوحى من خلال اقتراحه بتعديل القانون الداخلي للمجلس بأنه قد آن الأوان لفرض الانضباط داخله وفرض مجموعة من القوانين التي تسمح بإيقاف نزيف تعطيل عمله واستهداف صورته وترذيله أمام الرأي العام.

الغنوشي استعد للحوار بإحصائيات دقيقة عن العمل البرلماني خلال الدورة البرلمانية السابقة 2019 / 2020 مبينا أن مجلس نواب الشعب يعمل بشكل نشيط ويؤدي دوره على أكمل الوجوه مبررا ما يحدث داخل أسواره من خلافات وتهارج بأنه أمر جد عادي وأنه دون ما يحدث في عديد البرلمانات المجاورة، والحقيقة انها بالنسبة لنا أمر غير عادي وغير مقبول ولا يمكن استساغته لما فيه من تعويق وانحدار بالخطاب السياسي إلى أحط مستوياته مما رذل صورة البرلمان ونفر التونسيين من متابعة مداولاته ويهدد نسب إقبالهم على العمليات الانتخابية في المستقبل.

 

– العلاقة مع وسائل الإعلام:

حول موضوع المبادرة التشريعية التي طرحها ائتلاف الكرامة لتعديل الفصل 116، والتي خلفت جدلا كبيرا وحالة من الرفض من قبل الصحفيين والإعلاميين والهايكا وعديد الأطراف في المجتمع المدني كشف الغنوشي بوضوح أنها كغيرها من المبادرات أخذت طريقها ومسارها إلى الجلسة العامة، وأن المشيشي لم ينسق مع أي طرف لسحب مقترح الحكومة حول نفس الفصل، مؤكدا أن حرية التعبير مكفولة بالدستور وأن البرلمان يقف إلى جانب الصحفيين والإعلاميين حتى يؤدوا دورهم على اكمل الوجوه، ويبدو أن حجم الاعتراض على المبادرة المذكورة هو ما جعل التوجه العام داخل البرلمان يخير تأجيل عرضها على الجلسة العامة خاصة وأنه ليس من مصلحة أي طرف وأي جهة أن تصادم مع القطاع الإعلامي وأن تفرض عليه قوانين وتشريعات قد تمس من حرية التعبير التي تعد إحدى أهم ركائز الانتقال الديمقراطي وأهم منجزات الثورة على الإطلاق.

 

– النظام السياسي:

في حواره الأخير كان الغنوشي منحازا للنظام السياسي الحالي الذي وزع السلطات بطريقة لا تسمح بتغول سلطة على أخرى، مؤكدا أن المشكل الأكبر في القانون الانتخابي الذي بات عائقا أمام الاستقرار السياسي بالبلاد لما فيه من خور وتعويق على تشكيل أغلبية حاكمة تمكن الأحزاب الفائزة في الانتخابات من الحكم بمفردها ووفق برنامجها الانتخابي حتى غدا الحديث عن برامج انتخابية من قبيل السخرية والضحك على الذقون لاضطرار الائتلافات الحاكمة على تبني برامج لا تمت بصلة لما وعدت به ناخبيها.

والحقيقة ان الحديث عن تغيير أو تعديل النظام السياسي يندرج ضمن مخاتلة يسعى بعضهم لإيهام التونسيين بها، مخاتلة أنصار الرئيس الذي يؤمن بالنظام الرئاسي ولا يؤمن بغيره رغم ما بدا من سنته الأولى من قصور وضعف في أداء مهامه، وتواريه عن الأنظار في فترات تستوجب منه الظهور ومخاطبة التونسيين وإرسال رسائل طمأنة لهم، وفي فترات تستوجب التعبير بوضوح عن مواقف الدولة من قضايا إقليمية ودولية

 

– الوضع الداخلي للنهضة والمؤتمر 11:

لئن حاول الغنوشي أن لا يغادر جبة رئيس البرلمان واحترام الغرض الذي انتظم من أجله الحوار، فإنه وجد نفسه لعوامل عدة مضطرا لإزالة كثير من الغموض حول موضوع الخلاف بين قيادات حركة النهضة الذي تحدث فيه الجميع ولم يصدر عنه أي رد حوله .

الغنوشي بدا متفهما لموضوع الخلاف مؤكدا على احترام القوانين وعلى رغبته في عقد المؤتمر في وقته، ومعبرا عن أنه لا ينوي الترشح لأي منصب وأنه لم يتحدث عن ترشحه لرئاسة النهضة، وعن استيائه من نقل الحوار والمعركة من داخل أسوار النهضة ومؤسساتها إلى خارجها والاستقواء بوسائل الإعلام الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعوض شرعية أبناء النهضة حسب قوله، ومؤكدا احترامه لكل الآراء سواء منها المتمسكة ببقائه أو تلك التي تدعوه لمغادرة منصب رئاسة النهضة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق